قناع جمعي

الدكتور شوقي يوسف

النص الأصلي

 

صديقي وابن عمتي عادل

يجتاحني اليوم شُحٌ فكري، وليس الشُح معاناة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وإنما هو فُتار غيرُ مألوف، تكمن تعاسته في تقزز داخلي يجد له في طويتي ملجأ آمنا وناجزا. يتركني التقززُ في موقف سطحي وفارغ، لا أشعر معه أبدا بلذة الكتابة، فالكلمات تهرب مني كأنها هاربةٌ من نتن أو جرب. حالةٌ خلتها أبديةً حتى قرأتُ ما كتبتَ عن المعاينة والتحديق الداخلي. أعجبني ذلك، فشعرت بحرارة الكتابة مرة أخرى.

صديقي العزيز

Personne أو لا أحد، كلمة ملتبسة في اللغة الفرنسية. يمكن تأويلها بشكل مفارق لما هو معهود، فهي غالبا ما تؤكد على سلبية تعني الغياب. قد يُطرح سؤالُ: من في البيت؟ ويكون الجواب لا أحد. فلطالما يكون الكائن اللأحدُ غيرُ المتجزىء كائنا غائبا، لكن وجهه المستعار أو قناعه موجود في كل مكان. الوجه المستعار هنا وجه فردي، لكنه دالٌ في أغلب الاحيان على الجمع. ما يجعل البحث عن (الأحد) عسيرا. هذه وجهة نظر بدَّد غموضها بشكل بارع قول الخليفة عمر بن الخطاب: (لا يصيب برأي من لا يصيب بظن). قول أجد صعوبة في نقله الى اللغة الفرنسية.

تُفصِّل مقالتك بشكل دقيق ومثير للإعجاب رذيلة الرياء أو المخادعة، التي لا أتردد في وصمها بالبغيضة والقذرة. إنها لعبة مزدوجة، لعبة كونية تدل على رغبة تكاد تكون فطرية في كبت ما نرغب في إخفائه. المسرحية تدار بطريقة مهنية لا تعرف العيوب. آلتها القناع أو الأقنعة على طريقة الممثلين. كل شيء مسموحٌ للتخلص من الحقيقة. والتخلص منها عمل مرهق لا بل عمل شديد الإرهاق، لأن الناتج الأخلاقي الذي يتركه الكبت ثقيل يصعب حملُه. فكرة أشبعها فرويد بحثا، وهو برأيي أفضل الأطباء على مر العصور. عندما نكبت رغائبنا الممنوعة، تظهر الأقنعة في أحلامنا (وفي يقظتنا) بسيرورة معقدة من التمويه والتعمية. ويوضح كتابه حول آلية الحُلُمِ، نظرية علمية كانت من قبلُ سيئة العرض والفهم.

في علم الإشتقاق تجد الكلمة (Personne) لها مصدرا في الفعل اللاتيني (Personare) الذي يعني: تكلم من خلال… يلزم إذا شخصٌ وهمي، مقولبٌ، تافه، تعوزه الصفات الفردية، (انه وجه آخر) يتكلم من خلاله الفاعل الحقيقي. دل هذا الفعل اللاتيني إذا على القناع ـــ وكانت الدلالة مفاجأة لي ـــ إنه القناع الذي يحمله ممثلو المسرح الروماني والمستعمل سابقا في المسرح اليوناني تحت اسم (Prosopon)

في العلوم العصبية مرض ينسى معه المرء وجوها مألوفة. قناع آخر هو توطئة أو استهلال ليصبح المريض شخصا خياليا (بعيدا عن أي قيمة أخلاقية). فنحن جميعا نختبىء خلف شقائنا وأحزاننا، وخلف عقدنا وهويتنا الحقيقية. فكبْتُ المشاعر والأفكار شكلٌ مناقض لجريان الطاقة الشعورية وتصريفها. يُعتقد أننا نُهرِّب في الكبت آثام وآلام ضمائرنا القلقة والمهمومة. إننا نفعل المستحيل لإلغاء الذاكرة الكاشفة لآلام غير محتملة.

استعمل الطبيب النفساني الشهير Carl gustav jung كلمة Persona غير المؤنثة لوصف الشخصية التي تتطابق علاقاتها الفردية مع المجتمع، وهي طريقة اندماج الشخصية المقنعة في محيطها الإجتماعي. إن الذوبان في شخصية مقنعة طريقة (ماكرة) في التأقلم الإجتماعي. تسمح للمقنع أن يلعب دورا مقبولا ضمن المجموعة الجديدة. إنها الأنا Ego التي تُسَوِّقُ الفرد المخالف لحقيقته ليصبح مرغوبا في عيون الآخرين. البرسونا هي صورة خلقتها الأنا لتغتصب وتزيف الصورة الحقيقية للكائن البشري. وفي هذا المعنى قال فرويد: “إن أول واجبات الكائن الحي أن يجعل الحياة محتملة”.

يعود هذا الموضوع المُعَالَجُ أولَ ما يعود الى علم النفس. فيَحُدُّ “الشخصية” في مكانتها الإجتماعية، لتصبح مجموعة من التصرفات التي تصف الفردية غير المجزأة للشخص، والتي تقرر كيفية وجوده. هذه مسألة ثابتة بشكل نسبي وهي نتيجة تَشَكَّلٍ مُعقدٍ ومتطورٍ للمعطيات الجينية و البيئية التي تؤثر بما نسبته عشرة بالمئة من العوامل الفاعلة بينما يبقى القسم الأكبر غيرَ واضح أو مدروس. ما يعني أن طريق البحاثة طويل وطويل جدا. إن معرفة الشخصية رهان وازن في ادراك القيم والمعايير الهادفة لبناء مجتمع ما. إنه ميدان معرفة الذات، الذي يبقى هامش الخطأ فيه قليلا ومقبولا.

لقد حدد Hans Eynsenck “الشخصية” بمجموع الطرق الموجودة حاليا والممكنة الوجود التي تحددها الوراثة أو بما يحدده العالَم الظاهر والخارجي. الصفة والمزاج ركنان أساسيان في البناء النفسي

نظريات فلسفية كثيرة ساهمت وتساهم في تحليل الشخصية. منها دراسة السلوك الذي هو العمل الحقيقي لعلم النفس Behaviorisme. حافز وردة فعل. ومنها مجموعة المفاهيم البسيكولوجية التي تهدف لتحسين وسائل استقبال المعلومات Cognitivisme.

ثم الإنساني منها Humanism الذي يضع القيم الإنسانية أولَ القيم. ثم أخيرا تكميم الشخصية Quantification بأمراضها النفسية والعصبية البيولوجية.

لفهم البرسونا وإدراكها بشكل عام، وجدتُ في الميثولوجيا اليونانية قرينة جذابة عند Polypheme الإله الثرثار ابن بوسيدون من الحورية تويوزا. لقد دخل Ulysse الماكر مناطق السيكلوب في سيسيليا الواقعة عل قدم أتنا وطلب استضافة الإله مع مرافقيه الإثنى عشر. قبل الإله الوحش ذو العين الواحدة استضافته. وكان آكلا شرها للحوم البشرية. لم يتأخر المضيف أن يلتهم اثنين من الرجال في اليوم الاول تلاهما بآخرين في اليوم الثاني. ولان الكهف الذي تدور فيه الأحداث هو باطن الوحش، تسلل أوليس الى طرفه وسقاه كمية كبيرة من الخمور القوية. نام الوحش، ليفقأ أوليس عينه الوحيدة بحربته الحادة. وتسلل الرجال مختبئين تحت غطاء من جلود الخراف. فتّش الوحش عنهم بلا طائل، ولما تيقن من هربهم سأل الضيفَ عن اسمه فأجابه الماكر بما يشبه أحجية مثيرة للإعجاب ومتناغمة مع اسمه الحقيقي: أُدْعى (Outis) التي تعني باليونانية لا أحد. وعندما سأل رفاقُ السيكلوب زميلَهم عمن أعمى بصره؟ أجاب لا أحد. فتركوه مشدوهين متأكدين من جنونه.

صديقي العزيز

لنترك ملكة فرويد تتعقب سلوك الناس وتلاحظهم بدراية معهودة وممتنعة “يحدث لكل واحد منا أن يرى في رجاء الآخرين من أمثاله أوهاما وأن يختبر بنفسه الى أي حد تجعل من حياته عداوةُ الناس حياةً مؤلمة وصعبة الإحتمال”.

نقله الى العربية م. عادل الحاج حسن