إلى “إيناس ثابت” على هامش: في قاع المحيط، أو “شهرناس” بتعبير مُبتكَر صاغه الدكتور المبدع محمد على حيدر، صاحب اليد البيضاء والفضل الذي يظلل ويغمر الجميع.

من الإنصاف أولاً ومن أبسط قواعد الأخلاق والوفاء للإنسانيَّة المقهورة، الإشارة إلى المقدمة القصيرة عن “إيلان عبدالله الكردي”، الطفل السوري ابن الثلاثة أعوام، الذي غدرنا به وهجَّرناه على ظهر زورقٍ متهالك، لم يساعده على النجاة بنفسه ليبلغ بر الأمان، إلاَّ شهيدا ممددا على الشاطىء مقيما في ضمائرنا، ليبقى نعلُ حذائه وصْمَة عار في وجوهنا، ومخرزاً حاداً في عيون العالم، ممن شهدوا بالزور على المظلومين.”لم يقع ظلم على مخلوق في آخر الأرض..؟ إلاَّ وأحسستُ أنني المظلومة.” هكذا قالت فيروز على مسرح الأخوين رحباني.

و”عمران” الطفل السوري؛ ابن الخمس سنوات “المحصور بين قوسين، الأول من نار والثاني من سنين، وما عصف به من قسوة السنوات القليلات”، كما قالت القصيدة الموجوعة. هذا الطفل المنكوب الذي شدَّ إليه أنظار العالم في أربع رياح الأرض، حينما تمّ انتشاله من تحت أنقاض منزله في مدينة حلب، حيَّا مذهولا والدماء تغطي وجهه وعينيه لا يدري ما يفعل أو يقول.

حلب المدينة المنكوبة المدمَّرة بكل المقاييس، وما كان فيها من مواويل صباح فخري ومحمد خيري؛ ومن قيم  الحق والخير والجمال. حلب التي شهدنا عليها بالموت والزور. حتى شارع أبي فراس الحمداني، ضاق بهم فهدموه ودمروه، ومسحوا من تاريخنا كل أسباب الزهو والاعتزاز بالتاريخ. وأطاحوا من قبله برأس أبي العلاء المعري العدو والغريم.. فكيف سيسامحنا التاريخ على كل ما لطَّخنا به أنفسنا بفعل الغباء والعار المهين..!؟

وأخيرا “سام بيرنز” مات شيخاً كأنّه في التسعين، وفي الحقيقة لم يكن قد تعدى سنَّ المراهقة إلاّ بقليل. مات شابا في ملامح رجل عجوز. لكنّه مات مبتسما وفي قلبه توق وإقبالٌ على الدنيا، وشغفٌ على العيش الطويل. قال قبل أن يرحل: “واجهتُ الكثير من العقبات والمصاعب والألم في حياتي، لكنّني لا أريد أن يشعر الآخرون بالحزن لحالي”. هذا كلام وجداني عميق يسوق الدمع إلى العيون. ويدعونا للتأمل في أحوالنا والتفكير الطويل.

 

أما عن مضمون وصياغة النص..؟ فالفقرات الأولى كانت ملفتة للغاية.. ولو تمكنت الكاتبة بالمزيد من العناية والقليل من الصبر على صوغ باقي الفقرات بذات المستوى..؟ لتحول كامل النص إلى لوحة فنية رائعة الألوان تستحق أن تُعرض في أغنى وأشهر المتاحف.

 

لكن الكاتبة تمكنت أن تفعل خيالها بكفاءة ملحوظة. وذكَّرتني من بعض الزوايا بأسطورة “أوراشيما” الفتى الصياد، الذي أنقذ حياة ابنة ملك البحر المتقمصة جسد سلحفاة. وهي من الأساطير اليابانية الجميلة التي تتحدث عن الصراع مع الزمن. أعاد توفيق الحكيم كتابة الأسطورة وفق قناعاته وفلسفته في الحياة، فشغلتِ الصفحات الأخيرة من مسرحية “أهل الكهف”.

أما الإشارة التي تقمصت فيها الشجرة روح ابنة النور.. فردتني إلى يوسف زيدان و”عزازيل” وهو يتحدث عن شجرة “فيتاغورث”، على لسان “هيبا” الراهب ويستعيد في فكره خيال الشجرة، في ساعة من ساعات التجلي في انعتاق الجسد وصفاء الروح وهو يقول:

رأيت في حيواتي السابقة أنني كنت شجرة وارفة الظلال، وليست مثمرة لكي لا ترمى بالحجارة، وإنما تهواها النفوس لظلها. وكان “هيبا” الراهب صاحب الحكاية يعيش في منطقة قاحلة وحارة حملته على القول: لو صرتُ هذه الشجرة..؟ سأحنو على أولئك الذين يستظلون فيئي برحمة وحب أمنحهما بلا مقابل لكل المتعبين.

ويبقى من الإنصاف؛ أن أرفع يميني  إلى فوق، لأقسم فأشهد بالحق ولا شيء غير الحق، أن “شهرناس” الكاتبة الشابة المندفعة اجتهدت ونجحت في كتابة هذه الأسطورة المبتكرة الجميلة. فصاغتها بعبارات واضحة رشيقة تميزت بالالتفاف البارع على المفردات والأفكار الجذابة، وكأني بها تقول بالإيحاء والتلميح:

ليس ما يستحق العيش والبحث والتمحيص. ما لم يتصل بالحب والحياة والموت. وما الريح والشمس والقمر والبحر والمطر والشجر، والفضاء والفصول الأربعة والنجوم وسائر الأجرام الفضائية والعلوم والأفكار والأساطير، وفيتاغورث وطاغور والخيَّام وجبران إلاّ خداماً في معبد الحب. الحب غاية الدنيا وثمرتها بأشكاله وأبعاده وفلسفته ومراميه، مذ كانت الكلمة وبدء الخليقة الأولى. حتى إله الكون ذاته “مخلوق” من هذا الرحيق العظيم.