أفادت النبوءة، أن الزوجة ستلد أطفالا يتحدون سلطانه، فابتلع زيوس zeus زوجته امتصاصا للقوى الكامنة فيها. ولمّا أتاها المخاض، انتابه كالشقيقة صداع، لم يتوقّف حتى شُقّ الراس. ومن الجرح العميق، خرجت أثينة Athènes الى النور امّا أمّها ميتيس Métis فقد بقيت في جوف الاله تمده بفيض الحكمة و الالهام.

ولمّا بريء الاله من حمقه، أقامت ميتيس ـ بدعوة منّي ـ  في جوفيَ المفتقر للحكمة. أغلقت عليها منافذ النور، لتنعم في رحاب اقامتها. ومَضَت تحت ظلام الليل، تُقْرؤني عواميد حكمتها، فازدادت بصيرتي كلما فاضت بما هو كامن فيها. امتلأ كياني من فيض زائرتي حكمة ومعرفة، كما امتلأ يوحنا ذو الفم الذهبي، من قبلة طبعها على شفتيْ مريم العذراء، كانت كافية لتملأ كيانه بهما. حتى اذا ما انبثقت مطالع النور، جفّ مددُ ميتيس، وصارت الحكمة في مطالعه اقلّ دفقا ممّا هي في ناشئة الليل. “ناشئة الليل أشدّ وطأً وأقوم قيلا”. كأنّ للعتم أداة حسّاسة للمعرفة،  تقتلها الشمس، ولا يتحملها عقل الصباح، العقل اللاهث خلف الضوء وقواعد المنطق والعلوم.

لليل اسرار، وللمعرفة أدوات تنتزع من عمق سواده. فتزهر القلوب، وتقطع المسافات، بوسائل: كالرؤيا، ووميض الفكر، والهام الخاطر. الليل بارد ٌ ساجٍ، لا يروقه صخب ولا عين صاحية، أمتليء في رطوبته بلغة الحبّ وحكمة الصمت. فيسدل عليّ ستائره جفونا تحجب نواصي الامور، تخدّر الذاكرة، وتغلق بوابات الصحو. فأغوص في النفس المعتمة، وأنادي الجاهل، والبائس، والغافل، والمحزون، وأقول: ليس كلّ ما هو معتم مذموما. أنا في العتم باب للخراف وراعٍ. “من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا”. “الحكمة بنت بيتها”. “هلمّوا اليّ كلوا من طعامي، واشربوا الخمر التي مزجت”، فبنشوة العتم تقتات القلوب.

أقامت ميتيس اقامة جبرية، في جوف الاله المفتقر للحكمة ولغة الحب. فتبلدت عواطفها، وانزوت على مفرق حماقاته، تدرس اللغة التي تعيد تدفق المشاعر، ليفرح الاله بانوثة كامنة في خلاياه، كلّ سر فيها يطلّ على سرٍ آخر، وكل خبيئة في النفس، تُفضي الى خبايا تختزن من ثروة الظلام، بصيرة تفوق الاحساس السادس للمعرفة. وراح الاله يبتهل في صلاته ألّا تبارح جوفه الفارغ. وأن تبقى في قلبه المعتم الهة تنضح بالحكمة، وتلقائية المشاعر المتصلة برحاب الكون.

استوحشت ميتيس من رفقة الزوج، بعد أن بريء وجفّ ينبوع الفرح في جوفه. فتفجرت بركانا نزع نحو السيادة والالوهية، تفلتت من فضاء الميتولوجيا وأتت الي انا المثقل باللغو الغارق في تفاهات الرأي. واستوطنت الجهة الشمالية من الصدر ثمّ بدأت تتوسع حتى استعمرت الجرم الصغير وسيطرت عليه بفيض حكمتها وألق عينيها. شعرت وأنا فيه الصوفيّ المعتزل، بجاذبية التأم فيها الطرفان في تآلف وحّد الرأي ودفء القلب وفلسفة الروحين.

ميتيس سيدةَ الرؤى، انت الجوف، والغيب، وفلسفة الحب، وحكمة الأنثى، تعصرين من الليل المعتم خمرا، وعرفانا في حفل عظيم من قطاف المعارف. و أنا سمير الحفل الغارق في عرفانه. تجاوزت التخوم في سعوة من الليل، انتشيت برطوبته، ودخلت تحت ملاءتك ملكوت الليل.