المعاينة تحديق داخلي

(لا يصيب برأي من لا يصيب بظن)

عمر بن الخطاب

كان أبوللو عاشقا لابنة بريام ملك طروادة، لذا وهبها القدرة على قراءة الطالع. ومع ذلك رفضتْه كاسُّندرا، ولم يعد باستطاعة الإله أن يسترد ما سلف وأعطاها. فقضى أن لا يصدِّقها الناس (حصان طروادة). ودام ما هو آتٍ منبسطا لديها. وبعد سقوط المدينة، أصبحت الأميرة زوجة للملك الأسطوري أغاممنون وأُمّا لطفلين. حذّرته من عواقب العودة لوطنه، لم يصدقها، وكانت تلك مشيئة أبوللو. عاد الى اسبرطة لتقتله زوجتُه الأولى كليتمنسترا. أمَّا ترزياس فقد ضرب ثعبانين متحابين، فتحول مباشرة الى امرأة. وبعد سبع سنوات شاهدهما متخاصرين فاستعاد حالته الأولى . ولأنه عاش حياته رجلا وامرأة، اختير كحكَم نزيه ومجرّب في خلاف وقع بين زوس وزوجته هيرا حول مقارنة اللذة عند الجنسين. خالف الحكمُ رأيَ الزوجة السماوية وهي الحسودة المتعالية المتصلبة في مواقفها، فأصابتْه بالعمى. ضاعف زوس حياة تريزياس سبع مرات ليرضيَه، ومنَحه نعمة التنبوء بدلا من ملكة المعاينة، وهذا ما يبرر حضوره في كثير من الأساطير.أيهذا الأعمى، قال أوديب: إنك تقول قولا خطيرا، فإن لم تبيِّن لي كيف تمكن لوكسياس من فعل ما تقول، لأضيفنَّ الى ظُلمةِ عينيك ظُلمةَ قبرِك. أبعماي تعيّرني؟ ردَّ ترزياس غاضبا، ويلُك ليس الأعمى من كفَّ بصرُه ولكن من عميت بصيرتُه.

“إني أتعلم المعاينة، قال ريلكيه الشاعرُ النمساوي العظيم، وما زلت أتعثر. لكني أريد أن أكرِّس لها وقتي. أفكر مثلاً أنني لم أفطن من قبلُ لعدد الوجوه التي يملكها الإنسان. هناك عدد وافر من الناس. ووجوه أكثرُ وفرة، لأن لكل واحد وجوها عديدة. ثمة من يحملون وجها واحدا طوال سنوات، تستهلكه السنون فيتسخ ويتغضن. لا يعرفون وجوههم ولا حتى ينظفونها. يقولون أنها تكفيهم. ومن يتجاسر أن يثبت لهم العكس. لكن لمّا كان لديهم وجوه كثيرة، فلك بالطبع أن تتساءل عما يفعلون بالوجوه الأخرى. إنهم يحفظونها. سيحملها أبناؤهم ويحدث أن تتجوّل بها كلابُهم. لم لا، إن وجها لهو وجه”.

“آخرون يغيرون وجوهَهم بسرعة مقلقة. يستهلكون كل وجوههم. يخالون أن في حوزتهم وجوها للأبد. لا ريب أن في هذا الكشف من المأساوية ما فيه.”

تشبه المعاينة نموا زائدا لوظائف العين، ونضوجا مبكرا في الرأي لا يصيب به من لا يصيب بظن. فبالمعاينة يتكشف رياء الناس وما استَسرَّ في صدورهم. فترى ما يكتمون خلف ضمائرهم من نوايا خبيثةٍ وأفكار مضمرة، التصقت بحياتهم حتى باتت خصوصيةً غيرَ مفارِقةٍ. المعاينة تزيد التبصر. إلا أنها تسلب المتبصرَ بساطة الحياة ومتعتَها. يموت كمداً من كَشَفَ ضمائرَ الناس. فالحياة أسرار. والمعاينة شيوع للسر، تخترق الأقنعة وتبحث خلفها عن كل مكنون ومختبيء، عما رشح منها وعما استعصى على الرشح.

ثمة من أسَنَّ وقد حمل وجها واحدا، وفكرة واحدة. يعتقد أن الفكرة الواحدة تكفيه. ويظن أن قيما أخلاقية تُلزمُه الثباتَ خلف وجه واحد. حتى لو غيّرتِ الوقائعُ كل الحقائق التي يتألف منها الوجه. والحقائق فروض دائمة التحول، ولها على تبدلها عشاق كثيرون. أخلصهم على زعم بودلير، من تراجع وتغير وتعدد كلما تجلى له من الحقائق وجه، أو انزاح عنه قناع. “لاحظ ــ قال في رسالته الى فلوبيرــ إنني لا أكف عن الإستمتاع بتغيير الرأي”.

المعاينة تحديق داخلي، يتعمق كلما ودَّعنا السذاجة الأولى، فيتعلم المعايِنُ الكشف والبيان ليخترق الأقنعة التي يتستر خلفها الوجه. “في المرحلة الأولى، قال هشام شرابي: لم أكن أميِّز بين الكاذب والصادق، بين المخلص والمخادع، بقيت زمنا طويلا لا أعرف أحدا على حقيقته، عرفتُ الآخرين كما بدوا لي من خلال أقنعتهم ومن خلال عفوية ميلي كل الميل للتصديق الساذج”.

من يتعلم المعاينة يتعثر دائما فيها، حتى تتراكم عنده الخبرة. فيخمن ــ بعد أن يحصد خيباتٍ كثيرةً ــ ما يمرّ في الداخل المعتم، تخمينا يضع للوجه الماثل أمامه ملامح واضحة تميز بين الكاذب والصادق. تلك موهبة من مواهب ابن الخطاب، تضع المعايِنَ في أقصى حالات التوقد. حيث تتضاعف الجهود، وترتفع وتيرة التنفس، لتخترق المعاينة التباس الوجه، وتفضح أسرارا كانت غيرَ مرئية، أو مرئيةً مهملةً، تحجبُها الغلائلُ الرقيقة، وتنفذ منها العين الى ما يحيط بالجوهر، أو الى الجوهر ذاته.

عندما يَخِفُّ الكائنُ، تطفو على السطح مكنوناتُه، مضغوطةً كانت أو غيرَ مضغوطة، فللخفة ثقوبٌ تتسرب منها الأسرار مثلما يتسرب العَرَقُ من مسامِّه. فيبدو الكائن وقد خَفَّتْ أملاحُه، واضحا، هادئا، مسالما، بسيطا، متصالحا مع ذاته. أما الكائن الغارق في أسراره، فينزع دائما نحو التنكر والغموض، لكنه مهما تنكر واختبأ لن يمحوَ آثار النشأة الأولى. الطبعةُ الأصلية أو الجيناتُ بلغة اليوم. فيبقى في الأثر أو في أثر الأثر ما يفضحُه ويدلُ عليه. ولا يتخلص المرء أبدا مما دفنه، بَيْدَ أنه يضغطه في قرارته ضغطا شديدا كأنه الدفن، لأنه لا يريد للأثر شيوعا ولا لفضول العين المراقبة أن تكشف خلف قناعه ماءً بدائيا لم تشربه تجربةٌ ولا ثقافة مر بها عرَضا. عندما يشعر المخادعُ أن عينا ثاقبة تحدق في ودائعه لتكشف شيئا مما يخفيه، يدفع جسده وملامح وجهه الخارجي ليزدادا مخادعة. يتجنب النظر في العيون، يُرمّز في الكتابة أو يسرع في المحادثة حتى تختبىء الكلماتُ الكاذبة أو المرمزة، فلا تتكشف في دفق الكلام. قلت لي مرة ــ قال ألأشعري وزير الثقافة المغربي في كتابه “القوسُ والفراشة ” وهو كتاب أثير عندي ــ : ” قلتَ لي مرة إنك تعرف أصل الناس من مشيتهم، تأملْ إذا في هذه المشية المتئدة المائلة قليلا كان صاحبها يحاول تجنب عثرة طارئة. هل يمكن أن تعرف وجهة الناس من مشيتهم، مخادع الجسد، يمتد نحو كل الأمكنة دون أن يأخذ الوجهة التي يدل عليه، إنه تمويه شخص يعرف ما يريد”. وقد يتموه جيدا شخص عارف بما يريد.

[ratings]