الى روح الصديق ابراهيم زين.

ان الطفرة في تاريخ الامم اسرابُ  خداعٍ

لكن وجداني لا يكف يستشعر الأسى على

الأجيال الضائعة والنشاط العقيم والزمن الفارغ.

عبدالله العروي

ما أعانيه ليس انفصاما ولا وهنا، لكنه عطل أصاب النقطة التي تصل الفكرة بالفكرة، فتعطلت عندي ملكةٌ كنت أجمع بها ما هو قابل للجمع. تفكك كل شيء وانفصل عن ذاكرتي وطن مختنق بفساده. توقفت المشاعر الوطنية الحارة عن تدفقها خلف سماكة الجليد، ولم يعد ثمة مكان دافئ في القلب. خرج منه الوطن مهزوما بتاريخه المهزوز، وآتي ايامه الملأى حروبا وأحزانا. ولن يتمكن اللون الأزرق للأزهار أن ينفذ اليّ أو اليه، كما نفذ الى مريضة “اللامنتمي”، حتى استعادت طاقتها الشعورية الكاملة ثم اغتسلت بدموع عينيها.

أتحامل؟ لا، لا أتحامل ولا أتنبّأ. ما كان الوطن بريءَ الذمة ولا صار، ما عاد وازنا ثابتا في الأرض، خفيفا بات، فوق الظهر أحمله و أرميه اذا أثقل، قبيح كل ما فيه، و ليس يصلح أمره أمرُ. جلّ ما أبغيه في وطن الخراب، خدرٌ لأعصابي  و فيءٌ كثيف الظل أرتاح فيه و أغفو.

رافقت ورافقني في متاهات النضال رفاق مارقون. حملوا مثليَ افكارا ضارة، صارعوا صراعا عقيما، ألفوا السجن، ولم يتنازلوا حتى غيّبهم تحت سمائه الموتُ. رحلوا بغير جنازة ولا كفنٍ “ألقيَ فوق رؤوسهم قليل من الثرى  ـ على قول باسكال ـ وانتهى كل شيء الى الأبد”

وشاهد مهدي نشرَ الدين القويم على يديّ داعش، فصرخ من “نشيد الموت” مذعورا ومرتدا “لا اريد كفنا ولا مشيعين أريد ان أموت عاريا تحت الشمس، في غابة أو صحراء، تأكل جثتي الصقور ووحوش البر، هذا أفضل لنفسي، وأهدأ من صلوات المسلمين وقبورهم المظلمة. “قُتل مهدي، وتركتُه على ظهر الثرى، عاريا في بيدائه، مكشوفا للصقور كما أحَبَ، وعدت الى بيتي وصومعتي، وما عندي خلٌ ولا خمرُ، بل قدرة فكرية ضامرة هزيلة عاجزة عن التواصل. يتساوى فيها اثنان، رجل شديد التقلب، وآخر لا يتبدل ولا يتنازل. ورحت اشاهد كل مغيب، كيف يغيب الوطن في التلفاز، مريضا متعبا يرشح عرقا ودما، فأقول: الى الجحيم، ليذهب حيث تسكن اللعنات، ما أنقذه ابناؤه ولن تنقذه طفرةٌ او طاولة للحوار. سيظلّ خرابا مضطربا، عشش فيه البوم حتى اتسع الخرق على الراتق وأنا لست ممن خرّقه ولا طاقة لي ـ في هذا العمرـ على الرتق، سأنكفئ الى ذاتي الى رحاب دواخلها فقد انزاح عن كاهلي عبءُ المواطنة، وأنا الآن حرٌ على قدر اكبر من الخفّة، أخيّم انّى شئتُ في فسيح اللامبالاة، بعيدا عن جسمه المتفسخ تحت الشمس.

ويرحل الذي يقوى على الرحيل، بدون هوية يرحل، من منفى الى منفى “يتلمس ثقافة مغايرة وهوية هجينة مختلفة في ثرائها ونزوعها” ـ كأن ثراءً في الهوية الأولى ـ ويبقى الذي يبقى في الجحيم ممن “ينزفون ليضيؤا الليل و يدفعوا العربة” تشحذ هممهم ومضاتٌ لامعة، لا تنهزم، ولا تقوى على النصر، فلا تتحقق الافكار السامية، ولا يتوقفون عن الدفع.

“ان الذي يجد وطنه حلوا ـ قال هوغو اوف سان فكتورـ لا يزال مبتدئا غضّا، ومن كان له كل ثرى مثل ثرى بلاده، فقد اشتد عوده، أما الكامل فهو الذي يكون العالم كله بالنسبة اليه أجنبيا. الروح اليافع ركّز حبّه على بقعة واحدة والقوي نشره على الأمكنة جميعها، اما الكامل فقد أطفأ شعلة حبّه. “أي سان فكتور، ايها الراهبُ المنفي، ما عدتُ مبتدئا ولا غضّا كان لي وطنٌ، عدتُ اليه عندما حلّ بي شجنٌ، فاستوطن عندي الشجنُ، الآن كاملا أصبحتُ، اشتدّ عودي، فسلوتُ عنه، وانطفأت فيّ  شعلة الحب، “سأحمل بيتي على كتفي و أبحرُ بين الثقافات”.