هو سؤال وجيه في أذهان العقلاء المتوازنين.. كيف لباريس بلد الرومانسية والجمال والعطر العريق، والأزياء المبتكرة الأنيقة، أن تفقد بهاءها الأسطوري المجيد، وتتحول ساحاتها إلى مسرح للتعبير الغريب عن الفرح، بالفوضى والعنف حتى حدود التخلف الشديد..؟ في حين تخرج جموع شعوب العالم الثالث الفقيرة إلى الأماكن العامة، للتعبير عن فرحها بالغناء والرقص والاستعراض الجميل؛ لينقلوا شعور فرحهم إلى كل العالم، كما في دول أمريكا الجنوبية الفقيرة، أو بخروج مواكب السيارات والدراجات في استعراض جميل، تصاحبه أهازيج الفرح كما في معظم الدول العربية، والخليجية بصفة خاصة ممن يُطلق عليهم العالم الثالث.

نجد في المقابل من يسمون أنفسهم بالعالم المتحضر الأول، كبريطانيا وفرنسا وكندا وأمريكا الشمالية وغيرها، حينما تصاب جماهيرهم بهستيريا الفرح أو هستيريا الغضب لا فرق، من خلال التعبير بحرية ليست إلا الفوضى والشغب واللجوء إلى التكسير، والتخريب ورشق رجال الأمن بالأدوات الخطرة كعبوات الزجاج الفارغة، فلا يتركون أماكن احتفالهم إلاَّ وقد نالها الدمار والفوضى، لكأنها ساحة وغى شهدت للتو عراكا بين المتظاهرين والشرطة..؟

جنون ما بعده إلاّ جنون التخلف؛ وشغب ما بعده إلاّ شغب انحطاط القيم، حتى عند الشعوب المتحضرة؛ فأي احتفال هذا الذي يتم فيه التعبير عن الفرح، بصورة سلبية فيها من الجنون ما يخرج عن المألوف ومشاعر الاحتفال الرائق الجميل، حينما يصاب جمهور المحتفلين بانقلاب مزاجي مفاجئ، بعيدا من كل الضوابط والقيود، كمن تلاعبت بعقولهم الخمرة والمخدرات أو شذوذ التفكير “بحرية” بلا حدود، أو عندما تدهمهم فتنة الانتشاء بالنصر، وتؤخذُ عقولُهم بهذه الفتنة حد التطاول إلى التخريب، وتكسير أبواب المحلات ونهب محتوياتها. من يصدق أن كل ذلك يحدث في باريس..!؟

  بأي المصطلحات يمكن تسمية الأحداث في فرنسا..؟ حينما تخرج الجموع الفرنسية إلى الساحات العامة، للتعبير عن فرحها بالأساليب الهمجية الغريبة، من خلال تكسير واجهات المحال التجارية ونهبها بصورة جماعية تشترك فيها الفتيات والفتيان جنبا إلى جنب. إن دلّ الأمر على شيء فإنما يدل أن الشكل الحضاري، الذي يبدو عليه الغرب ليس إلا قشرة مفتعلة رقيقة، تخفي خلفها حقيقة الهمجية المتمكنة من غرائزهم، والمترسخة في عقولهم الباطنية، وحقيقة نفوسهم التي تميل ميلاً “طبيعياً” نحو العنف والشغب، وهذه بالتأكيد تؤدي على المدى الطويل، إلى اختلال برامجهم العصبيَّة فالتراجع الحضاري الخطير.

هي الصورة المخجلة التي بدا عليها الشعب الفرنسي، الذي يسمي نفسه بالعالم المتحضر الأول..!، حينما عبّر عن فرحه أثر فوز فريق دولته ببطولة كأس العالم في كرة القدم، في مواجهة الفريق الكرواتي الذي يقفز لأول مرة إلى صدارة المتبارين، ولنا في هذه المناسبة أن نستعيد صورة العنف، التي مارسها الشعب الفرنسي خلال انتخابات الرئاسة الفرنسية، لنتساءل بكثير من الحيادية: هل الشعب الفرنسي يستخدم طريقته في العنف للتعبير عن الفرح،  أو الاعتراض من قبيل التنفيس من الضغوط الداخلية التي يعانيها، بسبب انعكاس نظام العولمة على اقتصاد بلاده وعلى وضعه الاقتصادي، أم أن العنف هو دلالات ملازمة “وأصيلة” بطبع الفرنسيين..!!؟

أما أسباب ميول الشعوب إلى العنف، في التعبير عن حاجاتها النفسية والحقوقية..؟ فمرده بالدرجة الأول إلى ضعف الشعور بالعدالة الاجتماعية، والضغوط التي يسببها القصور المادي، في تغطية نفقات الاحتياجات المعيشية، وشعور المواطنين أنهم يدورون داخل حلقة مفرغة دون أن تنتهي؛ وهكذا يتمترسون داخلها، إضافة إلى سيطرة الشعور بالنقص أمام انتشار الأمومة، خارج الزواج الشرعي عند  كثرة من الأوروبيين، وتعريض الأطفال للتبني وافتقاد شعور الانتماء الحقيقي للأسرة، خاصة إذا ما أسيء معاملة هؤلاء الأطفال، وقد اجتاحهم التفكك الأسري، ومنهم من يتعرض للاعتداء الجنسي، مما يترك الأثر السيء على نفسياتهم بعد النضوج..عدا عن دور الأعلام وما يبثه من صور عنف، ومن أكاذيب عنصرية تشحن العقل بعداوة الآخر، وتولد حالة من عدم الرضا أو القبول.

ولا ينبغي أن تأخذنا الغفلة، عن دور تدني الأوضاع الاقتصادية في العالم عموما، وعدم توفر فرص العمل وغلبة شعور اليأس والتحول إلى الاكتئاب، والميل إلى تفريغ الاحتقان عن طريق المخدرات وتعاطي الكحول، في محاولة عقيمة لتخطى حالة القلق العام، مما يعرضهم لتثبيط مراكز العمل الايجابي في تفكيرهم، ويسبب ضعفاً في الوعي بالمعايير الأخلاقية، ويجعلهم بالتالي أكثر عرضة لممارسة السلوك العنيف، وأكثر استجابة للممارسات العدوانية العنيفة الخارجة عن المألوف.

عادة ما يكون الناس وسط التجمعات والحشود، أقل كبتاً لجماح تصرفاتهم السلبية، وأكثر سهولة لانفلاتهم من حدود التوازن العقلاني، وأكثر جاهزية للخروج عن قيم التعامل، والرضوخ للتقليد دون وعي ولا إدراك، بمعنى أن فئة قليلة تتصرف بسوء، سرعان ما تنتقل العدوى للآخرين، فتقلدها الجموع دون تفكير وكأنما أصابها سحر التقليد. كذلك ضعف بيئة التواصل بين أفراد المجتمع الواحد، يجعل الناس شديدة التوتر وشديدة التأثير بالآخرين، حينما يتحول التصرف ويغدو جماعيا غير مدرك تماما، لمشاعر الحقد المتنامية تجاه من هم أفضل منهم مادياً، فتتنامى الدوافع النفسية للتعبير عن روح الحسد..

ويؤكد الدارسون السيكولوجيين، أن تنامي شعور القهر عند الشعوب، التي باتت تتراجع ظروفها الاقتصادية، وتتباعد أسباب استقرارها النفسي، أنها عرضة لتفريغ شحنات غضبها وغلها، عن طريق النهب والفوضى والتصرفات الهمجية غير الموزونة، من قبيل امتصاص مكابدتها الداخلية فتتحول إلى التخلف، ومن ثم ترتكب ما لا يستوعبه عقل المواطن الواعي.

وما أعتقده حقيقة أن التخلف، ليس حالة تؤخذ بالمظاهر الخارجية والعلمية والتعليمية، وعدم امتلاك القوة العسكرية، وقصور مظاهر التقدم الحضاري فقط، بل بطبيعة الانسان ومزاياه البشرية، من خلال حجم ونوع القيم التي يحملها في داخله، فلا أعتقد أن انسانا يحصل على الحقوق القانونية بعيدا من الحقوق النفسية، مؤهل لأن تكون تصرفاته حضارية ومسالمة، لأن السلام النفسي هو حالة عقلية وعاطفية تمنح الشعور بالسكينة، بعيداً من العواصف المزعجة التي  يمكن أن تعطل الذهن وتعكر مفاهيمه،  سكينة يمنحها الرضا والحصانة الذاتية، والقوة في مواجهة الظروف الغريبة.

ليبقى الأطفال بذور المستقبل، والأسرة تربتها الخصبة الصالحة للتربية الحسنة، وبقدر ما نزرع في قلوبهم المحبة وندعمهم بالحكمة، والموعظة الحسنة ودروس حياتية في مستوى أعمارهم، لكي يتخطوا طفولتهم ومراهقتهم إلى سن الرشد بكثير من السلام النفسي. وهكذا نؤهلهم على مواجهة الصعوبات في مسيرتهم الحياتية، نحو مستقبل محصن وأمين.

[ratings]

كتابات أخرى للكاتبة