كانت اورور ذات الاصابع الذهبية، عاشقة قليلة الحظ. حملها اوريون قسرا الى جزيرة نائية، ما لبث فيها قليلا، حتى قتلته ارتميس بعد ان راود الهة الصيد على نفسها. وعشقت سيفال، فهجرها كما لم تهجر الآلهة من قبل ليتزوج امرأة من بلاد الشام. ثم خطفها تيتانوس، وبنى لها على طرف الارض قصرا يطلّ الفجر منه بلون الزعفران. طمعت اورور على رغد فيه، بسعادة أبدية، فكتبت الى زوس كبير الآلهة، ليمنح الزوج الجميل خلودا تحتكره الآلهة لنفسها. لكنها نسيت ان تشرط في طلب الخلود دوام الشباب. وكان كبير الآلهة شديد الالتزام بروحية النص الى حد الحمق. لذا تدفق الزمن على تيتانوس، وقفّ جسده وصوى، ولم يبق من (الشرخ العجيب) الا أنين متواصل يشبه طنين النحل. ذاك انحدار لا نهائي نحو شيخوخة متواصلة، هي أقسى من القتل و أوجع. ” لا يرغب بالموت أحد ، قال ألستيس، لكن عندما يتأخر الموت تصبح الشيخوخة عبئا “.

تعمّر العقائد الثابتة اذا تكونت فوق افكار متماسكة، وليس في داخلي شيء متماسك، فقد بدّلت الشيخوخة كثيرا من قناعاتي لا سيما تلك التي اعتبرها مقتبل العمر كونية شاملة. وان لاحت العقائد الآن مبدية بعض الثبات، فلا تلوح الا مراوغة كالفروض يتعذر الايمان بها او السعي وراءها. وحدهما الابتعاد عن الفعالية والتخلي صارا اكثر القناعات ثباتا عندي. ثمرتان هما من ثمار الشيخوخة صادران عنها. فالشيخوخة أول اكتمال العقل مثلما هي اول الاعاقة، او اول فقدان اللذة. وانا رغم عوارض الاعاقة، لا يخامرني شعور مضخّم بالعجز او الحزن، بقي في القلب قليل من الفرح و قليل من الحزن، أعبر بهما بؤس الحاضر وخذلانه. الحاضر مغلول بالهزائم ووافق راهن حاله صورةَ مهزوم رسمتها لنفسي، مستبطنا فيها العجز و قلّة الجدوى، لتناسب الصورةُ تاريخا من الاخفاق الدائم. ما استراح من أخذ قسطه في التميّز، ولا استراح من أخفق مثلي فعاد لما انصرم من أيامه كما يعود الخاسر لدفاتره القديمة يفتش فيها عن ذرائع تبرر ما أصابه من ضروب الخسائر والقصور.

في الهزيع الاخير من العمر، يسترخي كل جرم عن الدوران. يسترخي ليلتقط انفاسه كأنه آت من سباق. يرى بعد ان ياخذ من الدوران وقته الكافي ان صعيد الارض رحمة للمتعبين العابرين على متنها، من أعمق مظاهر الأرض مرجعية ترابها وولادتها المكررة لذاتها، ام باقية صنعت كل شيء ولم تختف كما اختفت آلهة عن الانظار. الارض ملاذ يطمع به فراغ المسنين، وليس هناك ما هو أثقل من فراغ المسنين. كلما تحررت منه عدت اليه لادور فيه على نفسي.

في الهزيع الاخير من العمر ـ والهزيع لغة صدر الليل ـ نزداد سعيا للمعرفة وهي المتعة الوحيدة الوحيدة الباقية، ففي العروق دم قديم خامل ينسى معه المرء مزيدا من معارفه، لكن يحدث ان يعلو فيض منها الى أديم الذاكرة، فيض من زمن الصبوة فيه قناعات ماضية هجرتها الذاكرة، لما فيها من نزق وتفصيل وسوء طويّة، فلما وساوسها تمر الآن على بالي وقد افرغ النسيان بالي من وساوسه.

في الهزيع الاخير من العمر، ونحن نتأهب لمفارقة الشمس رمز الاستدامة والرسوخ، تصير الذكريات القديمة تاريخا زائدا يحرص المسنون على تفريغه في ذاكرة جديدة، فيروون للصغار أحداثا عن مآثرهم يهددها النسيان، ويسارع في تفريغها المرض، فلا يبقى من الماضي التليد الا احساس بالغ بالضآلة يتراكم في زوايا الذات.

مرهق العقل في السبعين، استنزفته سرعة العصر، فأبطأ ثم أبطأ ثم انغلق على فتوحاته السابقة معلنا الحداد على نفسه، حاسما ما يأتي من المسائل الشائكة بالاجابات الدينية القاطعة، تلك التي لا تساورها الشكوك. فأحجم العقل عن المغامرة وراكم حوله صدءا قطع شهيته للجديد الصادر عن السبق وعناء البحث ومتعة الاكتشاف.

في الهزيع الاخير، وقبل ان يبلغ المرء رحلته غربا، يتجافى الجسم عن مضاجعه، تتكلّس الشرايين، ويعترف المرء ان التصدع الذي هو فيه اول الانهيار، وان الآمال غايات تقطّعت وتصاغرت حتى لم يعد السعي لنوالها طموحا ممكنا. السعي الممكن الآن طموح الروح حتى تتخلصَ من عوالقها، وتؤوبَ لمصدرها. رقيقا كان مصدرها تقترب منه فتصفو ثم تنقطع اليه فما عنده أنقى وأبهى.

كان يجمعني في شرخ الشباب،  شيء كالصمغ،  وما ان اقمت قليلا تحت الشمس حتى بدأت تتصدّع خطوط الالتحام وتتسرب منها مواقع القوة. لتفضح الشيخوخة وقد غمرتني كآبتها هشاشةَ الهيكل الباقي. لا شيء يسد فراغ اجزائي ويلحمها. الآن وانا انزلق في مخاض نهاياتي، وتنهزم أمان لي كانت تغذي ايامي الأولى وتملؤها، الآن ادرك ان فساد الكون جزء من نظامه. وأن الناس ممن استبانت بهم السنّ يتخلون قسرا عن أحلامهم الكبيرة فقد تراكمت السنون حتى لا تجد الاحلام مكانا للنفاذ من كثافة  تراكمها. أضغاث احلام داعبها في رُبى الشباب هواء رقيق ثم خذلها ضغط الدم وتكلّس الشرايين ليمنحانا ونحن نغادر الارض تعويضا يسميه المتفائلون :  سعة الأفق.