هناك خلف بلاد الوهم وأحلام الخيال، تقوم قلعة شاهقة البنيان، متينة الجدران عالية الأسوار والأبراج؛ مبنيةٌ منذ الأزل على شفا جرف مخيف. ترتفع في أعلى القلعة منارة عالية، كأنّها عمود من أعمدة السماء. درج لولبي يبدأ من باب المنارة الكبير، في أسفلها، وينتهي بقبّة هائلة  في أعلاها. تحيط بالقلعة تلال ووديان وسهول تكتنفها حقول مزهرة بالأقحوان وشقائق النعمان. قطعان من الماشية ترعى في هذه الحقول، وطيور من مختلف الأنواع تحلّق في سماءها غير آبهةٍ بشيء. نرى من فوق القلعة بساتين خضراء، محمّلة بأنواع الأثمار والفواكه، تغرّد في أرجاءها البلابل والحساسين، ويتنقل على أغصان أشجارها الدوري والشحرور بأمنٍ وسلام. وعلى حدود هذه البساتين ،  نشاهد حدائق غنّاء، تنساب من تحتها الجداول الرقراقة والسواقي العذبة بغنجٍ ودلال.

حين وجدت نفسي سجيناً في هذه القلعة الرهيبة، وعلى حدود أسوارها أرض تذكّرني بلبنان، كما كان أيام الطفولة، كانت بصحبتي حبيبتي النورانية آيلين، وهي امرأة  رائعة الجمال، تتحرّك وكأنّها من أجمل الفراشات الرقيقة الشفّافة؛ لا أدري أخلقت من الأثير والنور، أم أنها أتت من شذي العطور وروائح البخور؟. والله لا أعلم منذ متى وهي ترافقني..؟ تتهادى إلى جنبي، تجوبُ المكان معي في كلّ ناحية وصوب، تؤانسني وتلاطفني وتترفّق بي ولا تفارقني أبداً.

لم نكن أنا وحبيبتي وحدنا في القلعة؛ بل كان معنا عدد من الرجال والنساء من مختلف البلدان والجنسيّات. من بينهم جميعا لفتني رجلٌ مشرقي الملامح في العقد الثالث من عمره، اسمه كوهين، يهودي الأصل والفصل. وكوهين هذا يشبهني إلى حد بعيد، في ملامح وجهه، ونبرات صوته، وحركات يديه وعينيه، ويشبهني أيضا في مشيتي. كنت لا أتحمل رؤيته أو سماعه، وأشعر بالنقمة مرة، من منظره الذي يشبهني، وبالخيبة والعار مراراً وتكراراَ. ليس هذا فحسب ولكن رعنانا: وهي فتاة حسناء من اللواتي يرافقن كوهين، ترمقني بين الحين والآخر بعينيها الكحيلتين الساحرتين؛ وكلّما التقت نظراتنا، كنت أتسمر في مكاني مأخوذاً مشدوهاً، تحدوني رغبة جامحة لغرقٍ أبديّ في جمالها الشرقي القاتل. كانت رعنانا ساحرة الجسد تضج بفتنة لا يماثلها إلاّ طيب وصفاء أزهار الليمون في البساتين الساحلية الممتدة  من صيدا إلى بيروت . كانت شفتاها أشهى من عسل الجرود وأكثر إغراءَ من التفاحة التي أغوت أبينا آدم وأمنا وحواء. فصدرها الناهد وصفاء جسدها الأبيض كحليب اللوز يَبِزُّ نقاء البلور في عيون المتقين من عباد الله. فكيف يصحُّ لعربيٍّ بسيطٍ مثلي أن يحظى بامرأة مثل رعنانا تستحق، لأجل حسنها ودلالها، أن تتصارع الأبطال وتُشنّ الحروب؟

بعدما تململ الجميع من الإقامة الجبرية، المُمِلّة والمؤلمة، في قلعة العذاب المقفلة هذه، تحولنا للبحث عن مخرجٍ للخلاص، تداعينا إلى اجتماعٍ عقدناه فوق سطحٍ القلعة، في ليلةٍ صافية الأديم، إلا من كوكبٍ أسطوريٍ منيرٍ، لنتداول في أمرنا وما نعانيه في هذا السجن الرهيب. وما أن جلست متربعاً مستنداً إلى حجرٍ أملس من سور القلعة، وإلى جانبي حبيبتي التي لا تفارقني آيلين، حتى أتتني نسيمة عطرٍ فاخرٍ ممّا تنتجه بلاد عُمان؛ ويا لدهشتي وارتباكي حين وجدت رعنانا جالسة عن يميني وهي صاحبة هذا العطر الرائع.

ابتدأ الاجتماع  وكان كوهين ممن تكلموا أولاً،  فأدلى بوجهة نظره وقناعته بكثير من التروي والتأنّي والهدوء. كان خطابه يلامس العقل والمنطق، لكنه يجافي العواطف وإلهام القلب والوجدان. ولكوهين أنصاره الذين يدافعون عن أفكاره وآرائه ممن أيّدوه وصفقوا له طويلا، فلم يدلِ أحدٌ غيري بأفكارٍ وآراء مناقضة أو مخالفة لما أبداه كوهين.

كانت رعنانا تتكلّم وتناقش كثيراً أثناء الندوة مدافعةً عن أفكار كوهين، ولكنها كانت تتابعني بنظراتها، وتدعوني بلطف لموافقتها الرأي، وتعود فتقترب منّي، وتلامس جسمي وكأنها تتحرش بي، لست أدري كيف تسللت يدي ولامست يدها، فأمسكت هذه الفاتنة بيدي على الفور، وشدّت عليها قليلاً مما أثارني ودفع الدم الحار إلى رأسي، فأخذت أتصبب عرقاً وأنا في غاية الحرج والارتباك.

قال كوهين إنه كان قد قرأ في كتب أجداده القدامى، عن وجود نفقٍ في أسفل القلعة، يمكن من خلاله العبور إلى أرض الجوار، وما فيها من الطيبات. أمّا أنا فـأكدت لهم، أنه يوجد في أعلى المنارة نفقٌ “كالدهليز” يمتد أفقيا مستقيماً في السماء، يؤدي في النهاية إلى بؤرة نور بيضاء، والخلاص الحقيقي يكون بالوصول الى بؤرة النور هذه . وهكذا كان لا بدّ، من أجل الخلاص النهائي، من صعود درج المنارة اللولبي الطويل حتى  بلوغ أعلاها ولا بد من دخول النفق الأعلى والسير في داخله، حيث يؤدي بنا المسير إلى النور والخلاص.

قبيل نهاية الاجتماع، عادت رعنانا تتودّد إلي، وتعدني بحبّها لي، وتدعوني بصوتها العذب الشجيّ لمرافقتها، والنزول معها إلى أسفل القلعة. كنت أستمع إليها وعينيَّ لا تفارق ثغرها الأقحواني وشفتيها الكرزيتين حتى كادت أن توقعني بشباك مكرها وفتنتها؛ وتجعلني أرغب بها وأرضى بالانحدار معها ولو إلى جهنّم. تملّكتني الحيرة، وتزايدت دقات قلبي حتى خلتني سأنفجر في هذا الجمع المسالم؛ ولكن حبيبتي النورانية آيلين لم تدعني وشأني، فاقتربت مني وعملت بحنانها وكلامها الرقيق على تبديد حيرتي وتهدئتي، وظلّت تفعل كذلك، حتى سكن روعي، وتمالكتُ نفسي من جديد، فانتحيت معها بعيداً عن الجمع أنظر ما يجري وما يدور على سطح هذه القلعة اللعينة.

ابتعد كوهين وجماعته عنّا، ووصلوا الى مقربةٍ من أحد الأبراج حيث تحلّقوا يتداولون في أمرهم. لكنهم سرعان ما اندفعوا  في نزول درج القلعة الكبير. وعلمت أنّهم، بعد تعثر وبحث مستفيض، قد اهتدوا الى المنفذ المطلوب، باب سرداب خلاصهم الموعود، فدخلوه فرحين مستبشرين. دخلوا السرداب وساروا فيه واستمروا بالتقدّم في منعرجاته حتّى وصلوا إلى قاعةً كبرى عاليةُ السقفِ، تتوزّع على حيطانها وفي سائر أرجاءها، آلات مختلفة الأحجام والأنواع والأشكال؛ لكنها مخصصة جميعها لمختلف أنواع التعذيب وصنوفه. كان إبليس اللعين سيّد هذه القاعة المرعبة، يشرف بنفسه على أوجاع المُدانين، ويساعده في مهامه جمعٌ من عتاة الزبانية. هكذا وقع كوهين وأتباعه في حبائل إبليس، وتعرّضوا للعذاب الأبدي على يديه.

أمّا أنا وحبيبتي آيلين، ومن معنا من الرفاق، فقد بدأنا رحلة الصعود المتعِبة على درج المنارة اللولبي الطويل؛ هذا الدرج الذي لم ندرك نهايته إلاَّ بعد تعب وجهدٍ جهيد. وصلنا إلى مدخل النفق المنشود، حيث تراءى لنا الخلاص في نقطة ضوءٍ بعيدة. كانت جدران النفق وسقفه مبنية من الرمل الأصفر الداكن المرصوص الذي يشبه لون تلك الحجارة الرملية الهشة، التي استعملها البيروتيون القدامى في بناء مساكنهم. أمّا أرض النفق فكانت أشبه بطريق معبّدة ملساء، ترتسم أمامنا مسطّحة مستقيمة لا انحراف فيها ولا انخفاض أو ارتفاع.

كنت أجدّ السير وإلى جانبي آيلين، يحدونا الأمل بالوصول إلى نقطة النور. لكننا تعجبنا من حركة النور في آخر النفق؟ فكلّما تقدّمنا خطوةً الى الأمام باتجاه النقطة..! وجدناها تبتعد. ومع ذلك تابعنا سيرنا حتّى تيقّنا، أنّنا كلّما تقدمنا خطوات قليلة باتجاه النور، كلما ابتعد النور عنا بنفس المقدار. تَعِبَ قلبي وضاقَ صدري من هذا التوغّل العبثي اللعين، فعدت أدراجي مع حبيبتي آيلين ومن معنا مُتَقَهْقِرينَ الى أولِ النفقِ مُحْبَطينَ يائسين من سوء المصير.

كان حائط المنارة مبنياً من حجارةٍ كبيرة ، شبيهة بآثار مدينة آفاميا السورية الباقية من العصور القديمة؛ رحت أضرب رأسي بواحد منها، ضرباً شديداَ، وأنا أتوسل الموت الأبدي خلاصا من عذاب “سيزيف”، ولا أرجو قيامة أو عودة بعد هذا الممات. في هذه اللحظة بالذات، ويا لدهشتي العظيمة، ظهر لي كوهين بسحنته المشرقية وبنسيج بذلته البنيّة، الذي يشبه نسيج بذلتي، وهو يتعرّض لشتى أنواع العذاب؛ وينكشف لي وجهه الحقيقي، وأعلم علم اليقين، أنّه شقيقي ابن أمي وأبي. وهنا ازدادت حيرتي واشتدّ قلقي وهمّي وغمّي، ولا زلت أجوب القلعة هائماً على وجهي، أبحث عن درب الخلاص، وآيلين الحبيبة ما زالت ترافقني تخففُ من آلامي ومن وحشة غربتي.

[ratings]