لا يغلق الجحيم أبوابه  امام الناس

ولا يضيق ابدا بتكاثر الوافدين في كل

جهة منه تاتي وتذهب ظلال كثيرة

لا دم فيها وليس لها  لحم و لا عظم

 أوفيد

الميتولوجيا أول اختمارات الفلسفة، لها حضور فاعل في قناعاتي تضيف اليها معاني كالظلال لا برهان فيها ولا شرحا. معان تطاير من متون الكتب وعمق الذات رموزا غامضة ونصوصا مقدسة، واتفاقا من هنغاريا اقتسم فيه الاله والشيطان الملكوت كصديقين أخذ الالهُ السماء والشيطانُ الارض ووقعا معاهدة حسن الجوار، تقاسما فيها النفوذ، وكانت الحرية بموجبه، مشرعة على منافذ الآلهة مثلما كانت مشرعة على منافذ الشيطان.

تلك أساطير سبقت كل الكتابات المصورة، وملكت بما يشبه السحر ظلال الكلمة وأسرار توالدها. تعرفت على خصائص اللغة قبل ان يتعرف عليها الشعر. تشير الى المعنى وتخفيه اذا شاءت، فاشبعت المعاني واربكت الباحثين وقالت حين قالت، كل شيء. وحتى لا تتسلل الأساطير الى ملكوت العقل، طردت الفلسفة من مدينتها ـ مدينة افلاطون ـ فحول الشعر بعد ان اكتشفوا جزالة اللغة ونزعوا الى بيانها. “فمن بغير الشعر يوصل للوعي أفكارا مجردة ، ومن بلا لأي يرسخ فيه معتقدا كما رسخته الاساطير”.

كانت اريديس بين وصيفاتها، تحيط بها ربات الينابيع. وقبل ان يمضي مليٌ من الليل سقاها اله الموت دم الحيّات ونقلها الى ممالك الموتى. صعق ابن كاليوب لخسارته في ليلة العرس، بكاها كثيرا على سطح الارض ثم لحق بها الى الجحيم، اجتاز انهارا تفصله عن اقامتها الجديدة، شغّل قيثاره فتد فق العالم السفلي ماخوذا بالحانه. سيربير Cerbère حارس نسي وظيفته وبسط ذراعيه محركا ذيل الرضى لما أحدثه النغم الجميل من خدر على مواقع التسلط والقوة. فاتّكأ سيزيف Sisyphe على الصخرة متذكرا فتوته عندما اعتقلَ الهَ الموت. ومثلما توقّف عطش تونتال Tentalus و كفّ عن ملاحقة الماء، توقف دولاب أكسيون Ixion عن الدوران. فبكت الاشباح، وتغيرت الملامح القاسية والمخيفة لجنيّات الجحيم، فامتلات خدودهن رقة ودموعا. أمّا الـه الجحيم فاقترب مع زوجته وقد أيقظ شجوهما الشجوُ، اقتربا ليسمعا الحانه افضل مما يسمعان.

“اختبر اورفي قيثاره من جديد، ثم أنشد” بعيدا عن مواربات اللغة الخادعة.

“أيتها الآلهة التي تحكم عالم السكون والعتمة

العالم البارد الذي يعود اليه كل من انجبت النساء

لحظة نحن نمكث على الارض

ومن ثم نُحشر في برودته

كل جمال اخّاذ يلتحق بركب مملكتكم الى ابد الآبدين

من أفتش عنها، آلهتي، أتت اليكم قبل ان تتفتح براعمها

اتت اليكم قبل الأوان

حاولت نسيان خسارتي

لكن الهَ الحب قويّ قاهر.

أهو مشهور كذلك عندكم؟

ايها الاله عِرني ولا تعطني اريديس

ففي نهاية الحياة المتسارعة على الارض

ستعود للابد اليكم كما عادت اول مرة.

ايها الاله لا اطلب منّة بل اطلب حقّي في الاستمياع بما يخصني.”

لم يكن اورفي Orphée  ابنُ الشعر الملحمي، بحاجة لتطوير ادواته العاطفية كما طوّرها من بعد رعاة طيّبون استدرجوا بها حجل الجبال (1) غياب اريديس فتك بروحه وطوّر ادواته، حتى غدت القيثارة لغة البراري، وهي، مع الصوت الجميل، ارث تركه أبواه العزيزان. وبعد خسارته بكى وسار ثقيلا على هدي بصيرته، تتبعه الجداول و الروابي. دندن لحنا يليق بخيبة العرس، دندن ونأى، كما تنأى الاساطير. زرع الارض أنغاما وأحزانا، ولما امتلأت ضاقت عليه نفسه، فتجاهل حظر التجول الديني، واقتحم من خليج نابولي بوابة تيناريس Taenarus المصنوعة من عتمة الليل، والمشرعة للعبور بغير اياب.

ورأى فيما رأى في اسرائه أجسادا غير مرئية، وضعت في قبور جللها الورع، تحيط بها أشجار محرومة النسغ، ذات أحمال يابسة، مخصصة لاثارة اليأس والخوف. كما رأى عالما مظلما، باردا، رطبا، ساكنا، حزينا، يملأ أرجاءه عفن وعماء ضخم و اشباح مجردة من القوة، كانت اريديس ـ كما يكون الاموات ـ نفسا بائسة بالضرورة، تحمل هيئة رديفة تشبه الاولى. فقدت في الجحيم وعيها وكثافتها. عاد بها اورفي في الثامن من اكتوبر، حيث تُفتح ابواب الجحيم وتمتلئ المدن الرومانية بعبق الالوهة واشباح الموتى. عاد بها اورفي عودة مشروطة. وقبل ان تتلقى براعمها شعاع الشمس، كانت بين بين، على وشك ان تموت او تحيا، التفت شاعر تراقيا وراءه، فانزلقت اريديس الى نفق يجتازه الموتى، وأبحر بها شارون Charon ثانية، نوتيّ عجوز بائس يبحر بالموتى ويتقاضى عمولة لقاء اتعابه، ومع ذلك كان متسلطا يجبر الموتى على التجديف احيانا بانفسهم. تمددت اريديس في قاربه جسدا باردا مغلوقا على آخره، تتحلق حولها مفاعيل الخوف مسومة من الكتب المقدسة، تتعقب نفسا مسرفة في حبها، كما تعقبت من قبل نفوسا مسرفة في رغباتها.

يا رب، يا رب الأماكن العالية لغيرك ما تحب لنفسك، حرمته نصف الليل، وأنت، انت دخلت مخدعها، مخدع الكيمين Alcmène ووصلت احدى الليلتين بأخرى، وصلتهما وتركته يمضي كما تمضي الاساطير. هرب اورفي من غوايات النساء الى رابية عالية يعوزها الظل، ولما لامس قيثاره غمرته ظلال البلوط باوراقه الشامخة، وكذلك اشجار الزان والغار والصنوبر والزيزفون. على تلك الرابية فاجرات كن يتربصن به، قطّعنه اربا ورمين الرأس والمزمار في واد غير ذي زرع. لم يعد شاعر تراقيا مسموعا منذ تبقّعت – مفردة من ادونيس- الحجارة وكل ادوات القتل بدمه، فاضت روحه كما فاضت الانهار بدموعها، وأعلنت الاشجار حدادها الشتوي، على ما زعم اوفيد.

مستعجلا عاد الى الجحيم (بحث عن اريديس في الأماكن التي تسكنها الارواح التقية، فرآها وضمّها بين ذراعيه المتلهفتين).

الحب فيض الحواس ومسقط الرغبات نما ساربا تحت الشمس ومستخفيا بالليل ينمو اذا غالبته يا رب أو ضغطت عليه قواعد الحشمة.

 (1) يقول محمود درويش في احدى قصائده:

ها هنا وقف الرعاة الطيبون على الهواء

وطوروا النايات ثم استدرجوا حجل الجبال الى الفخاخ

وها هنا أسرجتُ للطيران نحو كواكبي فرسا وطرت.