ولادة علم الجبر:
قراءة في كتاب للدكتور نقولا فارس*  (I)
بقلم د. أحمد الحاج دياب**

صدر عن دار الفارابي-بيروت، في تشرين الأوّل سنة 2017،   كتاب جديد للدكتور نقولا فارس بعنوان: “الجبر- ولادته وتطوّره في التقليد الرياضي العربي”، وتجدر الإشارة هنا إلى أنّنا عندما نتكلّم، عن “التقليد العلمي العربي” أو عن “العلم العربي”  فإنّنا نعني العلم الذي كتب باللغة العربية في بيئةٍ تعتمد هذه اللغة في ثقافتها”. وكذلك نقصد بـ”العلم اليوناني” (أو اللاتيني…) ذلك الذي كُتب باليونانية (أو باللاتينية …). وعندما نورد عبارة “عالم عربي”، فإنّنا نعني به عالم كتب عِلمَه باللغة العربيّة في ظلّ الحضارة العربية، ولا نقصد على الإطلاق  الإشارة إلى أصله العرقي أو القومي أو الديني. يتألف الكتاب من نسختين باللغتين العربية والفرنسية، ضمّهما مجلّدٍ واحد كبير الحجم (560 صفحة).

مشروع الكتاب وأهدافه

يهدف الكتاب، كما يقول عنوانه، إلى عرض ولادة علم الجبر وتطوّره في التقليد الرياضي العربي، ويحتوي، في سياق عرضه، كمّاً كبيراً من النتائج والمعلومات، المُوَثّقة بلائحة غنيّةٍ من المصادر والمراجع في تاريخ الرياضيات عامةً وفي الجبر بصورةٍ خاصة، معزّزةً بنصوصٍ مختارةٍ من المخطوطات المحقّقة وغير المحقّقة؛ كما ويطرح، بين الحين والآخر، عدداً من الأسئلة البحثيّة الراهنة في تاريخ الرياضيات.

يسعى المؤلّف إلى تقديم دراسةٍ علميةٍ وافيةٍ، تتناول الأعمال الجبرية العربية وتطوّرها منذ ولادة علم الجبر(على يد الخوارزمي)، في بداية القرن التاسع حتى أواخر القرن الثاني عشر الميلادي. وقد حدد المؤلّف هذه الفترة في التمهيد لكتابه ، كما تعمّد عدم التعرّض للأعمال الجبريّة في المغرب العربي والأندلس لتقديره بانّ الجبر لم  يعرف في هذه الفترة الزمنية تطوّراً ملحوظاً في تلك المنطقة الجغرافية.

اعتمد الدكتور نقولا فارس، في تأليفه لهذا الكتاب، على الأبحاث العلمية الناشطة، منذ ثمانينيات القرن الماضي في فرنسا وغيرها من المراكز البحثية في العالم، التي شارك بقسمٍ منها. وقد قام، بدايةً، بنشر أجزاء من فصول كتابه في مجلّاتٍ علميةٍ محكّمة ثم بادر بعرضها ومناقشتها في الحلقات الدراسية لـ”فريق الدراسة والبحث في التراث العلمي العربي” مما ساهم في إغنائها وتوسيعها وإعادة صياغتها بشكلٍ علميٍ وتربويٍ جديد.  فهو يقول: “…لا يتوجهُ الكتاب إلى الباحثين فحسب، ويتمكّن من قراءته دون الكثير من العناء ، جمهورٌ أوسع من الطلّاب والأساتذة الذين اقتربوا من نيل الإجازة في الرياضيات أو الفلسفة.” ومن بين دوافع المؤلّف، التي أشار إليها في مقدّمة الكتاب نذكر:

  1. الإسهام في تأكيد أهمّية دور تاريخ العلوم على المستوى الجامعي، في المجالين التربوي  والعلمي، بالنسبة إلى المعلّمين والطلّاب والباحثين في شتى المجالات.
  2. تقديم أمثلة حيّة للطالب-الباحث على ولادة العلوم والنظريّات العلميّة، ونموّها وتحوّلها، ممّا يساعده على الاستفادة من تجارب المبدعين الذين سبقوه، وبالتالي على تقوية مَلَكة الخلق والإبداع عنده، وعلى ابتكاره لنظريّات جديدة انطلاقاً من النظريّات الرياضيّة المعاصرة التي يدرسها ويعالجها.
  3. تقديم أمثلة حيّة للطالب-الأستاذ، تُظهر له أنّ أيّ نظرية  هي كائن حيّ، يُولَد ويتطوّر ويتحوّل، وأنّ الإلمام بتاريخها هو من العناصر االتي تساعد على فهمها وإدراك جدواها ودواعي تدريسها، وتسهّل بالتالي عمليّة استيعابها وإيصالها إلى الطالب.
  4. الإسهام في الإسقاط النهائي للأفكار الفلسفيّة العنصرية القائلة بتفوق الغرب في مجالات العلوم، بلغاته الحيّة، وبتخلّف العرب  بسبب عدم قدرة اللغة العربية على مواكبة التطوّر وحمل العلوم والتعبير عنها وصياغة الأبحاث العلمية المتقدّمة.

“العلم العربي”

تجدر الإشارة هنا أن الدراسات والأبحاث الحديثة في تاريخ العلوم، لا تتمّ إلّا بالعودة إلى نسخ المخطوطات الأصلية الموزّعة في شتى أنحاء العالم، والكشف عنها، وتحقيقها تحقيقاً نقدياً ملتزماً بالأصول العلمية الصارمة . وقد قدّمت الأبحاث العلمية الناشطة حول “التقليد العلمي العربي” وعلى وجه الخصوص في فرنسا، منذ 1980، العديد من النتائج والمعلومات التي غيّرت جذرياً صورة “العلم العربي”: فقد أظهرت أنّه تناول جميع فروع العلم المعروفة حتى القرن الثامن الميلادي (فلسفة، طب، رياضيات، فلك، موسيقى، بصريّات، مكانيك،الخ.) وطوّرها بالشكل وبالمضمون وأسّس فصولاً علميّة جديدةً وعلوماَ ناشئةً. ولازالت الأبحاث الجارية في تاريخ العلوم  تؤكدّ هذه النتائج والمعلومات يوماً بعد يوم.

وتؤكّد الأبحاث الحديثة أنّ البعد العالمي للعلم العربي يتجلّى من خلال منابعه المتنوّعة (اليونانية خاصةً، والفارسية، والقبطية، والسريانية، والهندية والصينية) ومن خلال امتداداته (خاصةً في أوروبا اللاتينية)، كما ويتجلّى عبر اللغة الوحيدة التي استخدمها: وهي اللغة العربية التي كانت متداولة على رقعةٍ واسعةٍ من العالم تمتدّ من الصينِ، شرقاً، حتى إسبانيا، غرباً، مروراً بدمشق وبغداد والقاهرة وغيرها من العواصم والحواضر. وتبيّن تلك الأبحاث أيضاً أنّ أهميةُ هذا التراث، لا تكمن، فقط، في ضخامة إنجازاته وغزارتها، ولكن أيضا، في طريقة معالجة المعطى العلمي الموروث؛ فقد تميّز العلم العربي بممارساتٍ علميةٍ أساسية مثل اعتماده التجربة في الفيزياء، والرصد في الفلك، وغير ذلك من الممارسات العلمية التي شكلّت مع فكرة «  تطبيق علمٍ على آخر» بدايةً حقيقيةً للعلم “الكلاسيكي” الحديث؛ مخالفاً بذلك النهج اليوناني السائد قبله والذي كان يفصل بين العلوم. هذا التزاوج بين فروعٍ، كانت متباعدة حتى ذلك الوقت، ولّد، بصورةٍ طبيعية، فصولاً علميةُ جديدة ونظرياتٍ علميةٍ مبتكرة.

الخوارزمي وتأسيس علم الجبر

في مستهلّ الفصل الأول من كتابه يقول الدكتور نقولا فارس: “لا يمكن أن يكتب تاريخ العلم دون ذكر الخوارزمي كأحد أبرز العلماء على مرّ العصور. شهرة الخوارزمي تعود بشكلٍ خاص إلى ارتباط اسمه بعلم الجبر وبكلمة “ألغوريتم” (algorithme)، وإلى أنّه أوّل من عرّف المجتمع العلمي العربي، ومن ثمّ الغربي، بالنظام الترقيمي الوضعي العشري. وهذا لا يقلّل من أهميّة إنجازاته في حقول علميّة أخرى: (الأزياج، والأدوات الفلكية كالإسطرلاب وغيره، وعلم الميقات والتقويم والجغرافيا”.

وفي نبذة  وافيةٍ عن الخوارزمي، هي الأحدث، حول حياته ومؤلّفاته العلميّة ، يؤكّد الكاتب أن اسمه: “محمد بن موسى الخوارزمي” وأصله من خوارزم وهي مقاطعة قديمة من شرقي إيران.  وقد عاش في بغداد في الفترة الواقعة ما بين العقود الأخيرة من القرن الثامن ومنتصف القرن التاسع للميلاد. ويشير إلى ازدهار بغداد في هذه الفترة، وتعدد مكتباتها العامة ومراكز بيع الكتب والنسّاخ والمترجمين والورّاقين وصنّاع الأدوات المستخدمة في علم الفلك وغيره من العلوم. ويأتي على ذكر “بيت الحكمة”  الصرح العلمي المهمّ الذي أسسه الخليفة العبّاسي المأمون، وجذب إليه العديد من العلماء ومن أبرَزِهم الخوارزمي الذي اشتغل فيه بالدراسة والبحث العلمي ومتابعة الأرصاد. ويعدد الكاتب أعمال الخوارزمي مع نبذةٍ مقتضبةٍ عن كلٍّ منها وهي : “كتاب الجبر والمقابلة”، “كتاب الحساب الهندي”، كتاب الجمع والتفريق”، “كتاب صورة الأرض”، “كتاب استخراج تأريخ اليهود”، “كتاب عمل الاسطرلاب”، “كتاب التاريخ”، و”كتاب الرخامة”.  ثم يعود المؤلّف لكتاب الخوارزمي الجبري ومحتواه النظري، وما يتميّز به، لينتهي إلى إعطاء الدليل تلو الدليل على أنّ ذلك الكتاب ليس بداية علم الجبر فحسب، إنما هو بداية تـأسيس لهذا العلم كنظريةٍ رياضيةٍ جديدة قائمة بذاتها.

أمّا في المسألة الشائكة المتعلّقة بمصادر كتاب الخوارزمي فيعود الدكتور نقولا فارس لعلماء وباحثين كبار أمثال رشدي راشد، وعادل أنبوبا وأ. ب. يوسكوفيتش، فيستعرض أقوالهم ويناقشها بالتفصيل، ليصل في نهاية تحليله إلى أنّ جبر الخوارزمي لم يأتِ، نتيجة عبقرية الخوارزمي فحسب، ولكنه جاء أيضاً  نتيجة تفاعلٍ بين تقاليد رياضية تنتمي إلى حضاراتٍ عديدةٍ ومختلفة تأثّر بها الخوارزمي. ولا ينسى أن يؤكّد أهمية الدور الذي لعبه العامل الجغرافي لبغداد التي أضحت ملتقى الحضارات القديمة المعروفة كلّها؛ بالإضافة لسياسة الدولة، التي شجّعت هذا التلاقي، وخلقت تلك البيئة الملائمة للتفاعل بين ثقافات شعوبٍ مختلفة، حيث لم تكن هذه السياسة لتفرّق بين الأعراق والقوميات ولا بين المذاهب والديانات.

يؤكّد المؤلِّف أن محمد بن موسى الخوارزمي هو المبتدئ لعلم الجبر والمخترع لما فيه من الأصول. فلم يتعامل أي رياضي قبل الخوارزمي مع المعادلة أو مع المجهول (في المعادلة) أو مع كثيرة الحدود، أو “اللا مُحَدَّد: indéterminé ” (في كثيرة الحدود)، ككائنات رياضية قائمة بذاتها. بل كان يجري التعامل مع المعادلات  في مسائل حسابيّة متفرّقة، بصياغاتٍ مختلفة، هنا وهناك، وضعت لها الحلول المناسبة بطرائقَ مختلفة ومتباعدة. ثمّ أتى هذا العالم فاستخلص من تلك التجارب السابقة علماً متكاملاً، له أصوله، وألفاظه وتعابيره الأولية، وطرائقه و”براهينه”.

وفي نهاية هذه الفقرة نُشير إلى أنّ الفصل الأوّل من كتاب ن. فارس يحتوي فقرة مهمّة تُمَكِّن من تكوين فكرة عن انتقال الجبر (كما وضعه الخوارزمي وطوّره خلفاؤه من التقليد الرياضي العربي) إلى رياضيّات أوروبا اللاتينيّة منذ منتصف القرن الثاني عشر الميلادي.  

هل هناك أعمال جبرية سابقة للخوارزمي؟

يؤكّد المؤلّف أنّ القول بأنّ، الجبر وُلِد مع كتاب الخوارزمي، لا يعني أنّ مكوّناته لم تكن موجودة من قَبل. ويؤكِّد، بالمقابل، أن وَصفَ بعض الأعمال الرياضيّة المهمّة التي سبقت الخوارزمي بقرون  بأنّها “أعمال في الجبر”، لمجرّد أنّها تتعامل مع “المعادلات” و”المجاهيل” هو وَصف خاطئ.

ولتدعيم قوله هذا، يفرد فصلاً كاملاً لمراجعة جملة الأعمال التي بقيت تُعتبَر ولمدةٍ طويلةٍ، وما زال البعض حتى الآن يعتبرها، أعمالاً جبرية سابقةً للخوارزمي. من هذه الأعمال التي تعود للتقليد اليوناني رجع إلى كتابين هما إلى كتابين هما كتاب “الأصول” لأقليدس وكتاب “علم الحساب” (Les Arithmétiques) لـديوفنطس، ومن التقليد الهندي ناقش في أعمال الفلكيين آريَبهَاطا وبرَهمَغوبتا.

فيما يتعلّق بـ”الأصول”، ناقش الكاتب بالتفصيل قضايا الكتابين الثاني والخامس التي وُصِفت بأنّها جبريّة، وبرهن بأنّ ذلك الوصف هو تجاوز على معنى علم الجبر وأنّ تلك القضايا هي هندسيّة خالصة. أمّا فيما يتعلّق بكتاب “الحساب” لديوفنطس، الذي لم يكن قد تُرجِمَ بعد إلى العربية في عصر الخوارزمي، عمد إلى مناقشة طبيعة المسائل الرياضيّة التي يعالجها ليخلص إلى أنّه ليس كتاباً جبريّاً ولم يشكّل مرجعاً من مراجع الخوارزمي. وقد عزّز استدلالاته بمقتطفاتٍ وأمثلةٍ من كتابيّ أقليدس وكتاب ديوفنطس شارحاً معانيها بلغة الرياضيات الحديثة ليعرّف القارئ عن قربٍ على نوعية رياضيّات الكتابين المذكورين.

أمّا عن التأثير الهندي فيثبت الدكتور نقولا فارس، معتمداً على بحث رشدي راشد المستفيض في هذا الموضوع، وعلى آخر للمتخصّص بالعلوم الهنديّة ليون روديه (Léon Rodet)، أنّه لا يعتّد به في مجال الجبر بينما هو أساسي في علم الحساب القائم على الترقيم العشري.

ويلفت الكاتب الانتباه إلى أحدّ الأدلّة على أصالة عمل الخوارزمي، وهو أنّ أيّاً من الأعمال السابقة التي وُصِفت بأنّها جبريّة لم يتسبّب بأيّ أبحاث جبرية من بعده، فيقول: “أمّا كتاب الخوارزمي، فيتميّز بأنه فتح الباب، منذ صدوره، لتيار نشيط من الأبحاث الجبرية،  بدأ مع معاصريه وخلفائه المباشرين، ابن ترك، وابن قرّة، وأبي كامل، ومع العديد من الأسماء البارزة قبل أن يصل إلى أوجهِ مع الكرجي والسموأل، في المنحى الحسابي، ومع الخيّام وشرف الدين الطوسي، في المنحى الهندسي؛ واستمرّ في التقليد العربي حتى القرن الخامس عشر مع الكاشي والفارسي والقلصادي، …، وتواصل من جهة الغرب مع فيبوناتشي وكاردان وتارتاغليا وديكارت،…”.

(يتبع)

*  أستاذ متقاعد في كليّة العلوم، وباحث مشارك في مركز تاريخ العلوم العربيّة التابع للمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ولجامعة باريس 7، وأحد مؤسّسي الجمعيّة اللبنانيّة لتاريخ العلوم العربيّة و”فريق الدراسة والبحث في التقليد العلمي العربي”، الملحق بالمجلس الوطني للبحوث العلميّة – لبنان، وله عدد من الأبحاث في الرياضيات وفي تاريخ العلوم.

**  أستاذ في الجبر ونظريّة الأعداد (متقاعد) – “كليّة العلوم – الجامعة اللبنانيّة “- “فريق الدراسة والبحث في التقليد العلمي العربي” وأحد مؤسّسي الجمعيّة اللبنانيّة لتاريخ العلوم العربيّة  ahdiab@live.com.

 

كتابات أخرى للكاتب