صديقي الدكتور شوقي يوسف

أخاطبك اليوم، ليسمع جارٌ وجارةٌ قبَّحا على عبد الحميد الكاتب سوءةَ أدبه وتشاكيا من رسائل نكتبها على موقع السنابل. هذا الأدبُ الذي برع فيه عبدُ الحميد فلقّبه الجاحظُ بالكاتب لتفوقه في الأدب والبلاغة والبيان. نشأ هذا العَلَمُ الفارسيُ في الأنبار، وعمل في ديوان الخليفة هشام بن عبد الملك. لمع نجمُه بعدما تولى شؤون الرسائل في ديوان الأمير مروانُ بن محمد، وقُتِلَ معه في انتقال السلطة للعباسيين. كان كاتبا بليغا ورائدا في الكتابة، أكْثرَ فيها الوصفَ، قصَّر ما بين الفواصل، ووسَّع أغراضَ الرسائل. حيثُ وضع واحدة في الصيد، وأخرى في الشطرنج… اعتُبر عبدُ الحميد أستاذا للكتابة عند العرب. صادق ابنَ المقفع، احترفَ التعليمَ، قال الشعرَ و كتب بعد معركة الزاب التي هُزِمَ فيها مروانُ، رسالة الى أهله جاء فيها “أما بعدُ: فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالمكاره والشرور. فمن ساعده الحظُ سكن إليها، ومن عضّتْه بنابها ذمّها ساخطا عليها وشكاها متزايدا لها، وقد كانت أذاقتْنا أفاويقَ استحليناها (والأفاويق لغةً، وقد سألتَ عنها: ما اجتمع من الماء في السحاب)، ثم جمحتْ بنا نافرةً ورمحتْنا مولية، فملُحَ عذبُها، وخشُنَ لينُها، فأبعدتنا عن الأوطان وفرّقتنا عن الإخوان…” ثم جاءت بعده كوكبةٌ من الأدباء، كتبوا في فنون الرسائل واعتبروها “نصا نثريا موجّها لشخص مخصوص، ويكون الخطابُ فيها عاما”. كانت في “طوق الحمامة” (ابن حزم) نصوصاً بين العاشقين، ثم اعتمدها أقطابُ الأدب والشعر أسلوبا انشائيا كرسالة “التربيع والتدوير” للجاحظ الذي سَخِرَ فيها من بدانة المكنّى أحمد بن عبد الوهاب، و “الرسالة الهزلية” التي كتبها ابنُ زيدون على لسان ولادة بنت المستكفي وأودتْ الرسالةُ بحياته. وكانت ولادة شاعرةً فصيحة اشتهرت ببيتين من الشعر، قيل كتبتْهما على جانبيْ ثوبها.

أنا والله أصلحُ للمعالي وأمشي مشيتي وأتيه تيها

أُمكّنُ عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها

واليها أهدى ابنُ زيدون نونيته الشهيرة

أضحى التنائي بديلا عن تدانينا ونابَ عن طيب لُقيانا تجافينا

والرسائل أيها الصديق من الفنون القديمة التي أحياها العصرُ الحديث. اشتُهر منها:

1 ــ رسائلُ الرافعي (1880 ـ 1937) وقد نشرها تلميذه محمود أبو دية. والرافعي من طرابلس شمالي لبنان، شيخٌ لم يحصل إلا على الشهادة الإبتدائية، لكنه اكتسب مع ذلك ثقافة واسعة. تعددتْ أغراضُ رسائله في البلاغة والبيان، في الأدب واللغة والشعر. واعتبرت نصوصُها تأريخا لكتبه. ردّ الشيخ في واحدة منها على من سأله عن أفضل كتب النحو والصرف فقال: “…أما ما سألتَ من أمر كتب النحو والصرف، فيشُقُّ عليّ أن أدلك على غرضك منها، لأني لست على بينة من قوتك في فهم كتب القوم والبَصَرِ فيها. غير أنك لو سألتني عن أنفع وأمنع ما طُبع منها لدللتك على “شرح الرضي لكافية ابن الحاجب” وهو كتاب ضخمٌ ليس في كتب العربية ما يساويه بحثا وفلسفة”.

2 ــ رسائل جبران خليل جبران ومي زبادة نشرتْها سلمى الحفار، ونشرَها كذلك جميل جبر وهو رائد التيار الوجودي في الرواية المعاصرة. تبادلت ميُّ الرسائلَ مع العقاد وأحمد لطفي السيد الذي كاتبتْه من ألمانيا. عاشت في القاهرة، وعاش جبران في نيويورك، تبادلا الرسائل عشرين عاما ولم يُكتبْ لهما أن يلتقيا قط. قال لها جبران: “نحن اليومَ رهن عاصفة ثلجية مهيبة. وأنت تعلمين يا ماري، أنا أحب جميع العواصف وخاصة الثلجية. أحب الثلج، أحب بياضه، وأحب هبوطه، وأحب سكونه العميق”. “أنا ضبابٌ يا مي… وفي الضباب وحدتي، وفيه وحشتي وانفرادي، وفيه جوعي وعطشي…”

3 ــ رسائل أمين الريحاني (1896 ــ 1940 ) صدرت في نيويورك، وهي مجموعة من الرسائل الموجهة اليه من أصدقائه الأدباء وما كتبه الى خليل مطران ونعوم مكرزل وبشارة الخوري… وكانت أغراضُها تتراوح ما بين الأدبي والسياسي والشخصي. قال في رسالة شخصية موجّهة الى الست نجلا ابنة الكاتب والصحافي سليم سركيس: “ذكرتُك آنسةً تزهين في ظلال القديم الجليل من الحياة تحت سماء مصر الباهرة. وذكرتُك تُتَغْتغين وتركضين في ظلال الجديد العظيم تحت سماء نيويورك القاتمة. واني لأتصورُ في نفْسِك محاسن البلدين وأنت سوريةٌ ينعكس في عينيك نورُ الشمس التي تطل علينا من وراء صنين وينشرُ على ضفائرك وفي روحك شذا زنبق الوادي وطيبَ أحراج لبنان… عسى أن تزورانا في الفريكة أثناء سياحتكما اللبنانية فيمنحْكُما الناسكُ البركة، ويُسمعْكُما الحسونُ تهانيَ الكرمة، وتقيمان على كتف الوادي المقدس. وما سامعٌ كمن رأى والسلام”.

4 ــ رسائل محمد كرد علي (1876 ــ 1919 ) وكان وزيرا للمعارف والتربية في سوريا، والأب أنستاس ماري الكرملي الذي ولد في بغداد لأب لبناني. “كان الأب ذا لحية كثيفة، وصوتٍ كزئير الأسد، وانفعالٍ يصلُ حدَّ استعمال عصاه”. وكان عندما يرى فاحشة تُرتكبُ في حقّ اللغة يقول: إذا لم يتم تصحيحها فإني سأقاطع صاحبها، بل سأبصق عليه. وكانت الحملات الكتابية مستعرة بينه وبين لفيف من الأدباء أمثال: عبدالله البستاني، لويس شيخو، أمين معلوف، ابراهيم اليازجي وغيرهم كثر. جاء في رسالة مؤرخة في 15 أيار 1924 مرسلة منه الى أحمد تيمور حول تصوير الكتب “سررتُ بالآلة المصورة التي جلبها السيد سركيس فعسى أن تشتريها لك إذا باعها، ولا يشتريها أحدٌ. فتصويرُ الكتابِ أيسرُ من نقله ونسخه ومسخه…”

5 ــ رسائل بدوي الجبل ( 1900 ــ 1981) وهو شاعر سوري من رموز الشعر الكلاسيكي، هجا عبد الناصر، اختُطف من إحدى العصابات، فأغرقه الخطفُ في الوحدة والإعتزال.

6 ــ رسائل بدر شاكر السياب (1926 ــ 1964 ) نشرها ماجد السامرائي. ويعتبر السيابُ من مؤسسي الشعر الحر في الأدب العربي رغم اعتراض نازك الملائكة. ولد في جيكور من محافظة البصرة، راسل عددا من شعراء وأدباء “مجلة شعر” وقال في رسالة الى يوسف الخال: “ستجتاحُني كما يبدو، موجةٌ دافئةٌ من الشعر عن قريب، ابتدأ رذاذُها يغمرني منذ الآن. البصرةُ تفتح شعريتي، لكن المشاغل اللعينة تُغلقُ عليّ كثيرا من أبوابها. أصابني اتجاهَ الإلتزامِ ردةٌ كالتي أصابتْك حين كتبتَ قصائد في الاربعين. المهم هو الشعر وليس أن تكون واعظا”. وكانت أنشودةُ المطر بمطلعها الساحر واحدةً من روائع شعره.

عيناك غابتا نخيلٍ ساعةَ السحرْ

أو شُرفتان راحَ ينأى عنهما القمرْ

أيها الصديق العزيز: تحضرني طُرْفةٌ من خارج السياق لكنها على علاقة بأنشودة المطر. رواها الكاتبُ والمؤلف العراقي علي خيون قال: التقيت لفترة جدَّ قصيرةٍ بالشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي. قال لي تعليقا على قصة قصيرة: أنتم الشباب قليلو التجربة. خرجت من مكتبه مختالا مفاخرا بهذا اللقاء الى موقف الباص، شاهدتُ فتاة جميلة، فاجتاحتْني خِفَّةٌ ليست من طبعي، (ربما بوهم إغناء التجربة التي أشار اليها البياتي) تقدمتُ نحوها فسألتني متهيئة للعراك، أكو شي؟ قلتُ بارتباك: أريد أن أصل الى باب المعظم ولا أعرفه، (وليس ما زعمتُه صحيحا).

قالت: إذن تصعدُ معي على ظهر الحافلة. سألتُها وأنا الى جانبها ــمفتاحا للحوارــ هل تعرفين شاعرا اسمه عبد الوهاب البياتي؟ قالت: نعم صاحب أنشودة المطر.

قلت بفخر ودون أن أصحّح الإجابة: كنتُ معه منذ قليل، تحدثنا عن مثل هذه المصادفات الجميلة. قالت: تحدثت مع رجل ميت! ؟ ثم تهيأت للنزول وقالت للركاب ــ مشككة بسلامة عقلي ــ نبهوا هذا الأخ حين يصل الباصُ الى الباب المعظم.

مع أدب الرسائل أيها الصديق، نشعر أننا أقرب للكاتب ولما يجولُ في أعماقه، فهو يسكب على الورق شيئا من ذاته، يصعب أن يسكبه في كتاب أو لغة رقمية شائعة يقرأها الملايين. لذا اختفى هذا الأدب أو ضَمَرَ بعد جبران ومي وغسان كنفاني. وكانت من أسباب ضموره، ثقافةٌ استهلاكية مبسطة تغزو السوق، على حساب ثقافة النخبة، كما قدّرَ وكتبَ نقادٌ كثيرون. ومن يدري؟ ربما اختزنت الشبكة العنكبوتية على صفحاتها السرية، من الرسائل النائمة ما واكب عصرَ السرعة والتقانة، أي ما هو صبغةٌ سريعة لنوع أدبي جديد من أدب الرسائل امتدادا لما هو فريد ورائع في نصوص”الأيام” (رسالة طه حسين الى ابنه) ونصوص “ها أنت أيها الوقت” (كتب أدونيس الى أصدقائه) ولما في رسائل شقّيْ البرتقالة: محمود درويش و سميح القاسم منذ كانا فتيين صاحبيْ جرحٍ واحدٍ. شكّلا معا أدب رسائلٍ فلسطيني مميز. فقد كتب أحدُ الشقين يقول: “عزيزي سميح: بين عاصفة وعاصفة قد نجد مقعدا للحنين أو الوداع. طوبى لهذه السُكنى القصيرة المسورة بالريح. ولكن لماذا تخشى السخرية؟ إذا كان لا يروقُك تعريفها بأنها “اليأسُ وقد تهذّب” فإنَّ في مقدورك أن تسميها ما شئتَ شرط أن تدرأ عنك البكاءَ”… “عزيزي سميح: من حق الولد أن يلعب خارجَ ساحة الدار، من حقه أن يقيس المدى بفتحة ناي، من حقه أن يقع في بئرأو فوهة كبيرة في جذع شجرة خروب، من حقه أن يضلَّ الطريق الى البحر أو المدرسة، ولكن ليس من حق أحد حتى لو كان عدوا أن يُبقي الولد خارج الدار”. ومن باريس كتب يقول: “… أما لآخر هذا الليل من آخر؟… هل استطاع الجنينُ المتكوّنُ في هذا الرحم المريض أن ينجو من المرض؟ لا أقترح جوابا بل أطل على صحراء… ما اسم الجزيرة إذا جفَّ البحرُ؟ لا أقترح جوابا بل أطلُّ على صحراء”.

ومع الإنتفاضة كتب سميح القاسم من الرامة يقول: “فرحٌ ما…! هناك دائما فرحٌ ما… لن نفقد الأملَ ولو من أجل الأجيال القادمة. وحسبُنا يا صديقي العزيز أننا نرسم بحبر الروح ودمِ القصيدة سهما واضحا ــ أرجو أن يكون واضحا ــ يؤشر الى الإتجاه السليم نحو خروبتنا وزيتونتنا وزهرة برقوقنا اللاذعة”.

كثيرٌ من هذه الكنوز لم تصل بعدُ لاعتبارات اجتماعية، وربما ضاعت أو اختنقت أو ضلّت طريقَها ولن تصل الينا أبدا. منها ما هو مودع في خزائنَ مقفلةٍ وآمنةٍ كرسائل غادة السمان في المصرف السويسري، ومنها ما أُفرج عنه ونُشرَ كرسائل غسان كنفاني وجاء فيها: “غادة… سأظل أناضل لإسترجاع الوطن، لأنه حقي وماضي ومستقبلي. لأن لي فيه شجرة وغيمة وظلَّ شمس تتوقد، وغيوما تمطر الخصب وجذورا تستعصي على القلع”. “…أنتِ في جلدي، أحسّك مثلما أحس فلسطين، ضياعُها كارثة بلا أي بديل”. “…ألا تفهمي أن هذا الذي ينبض في داخل قميصي رجل شرقي خارج من علبة الظلام”.

الرسائل الأدبية أيها الصديق: ضميرُ الكاتب وصوتُه الداخلي، سعادتُه، أقربُ أبناء الكاتب إلى قلبه، أدفأها، أنقاها، وأكثرُها صدقا. وهي تختلف عن رسائل موجهة لقارىء مجهول أو لقارئين متعددين ومجهولين. في إحدى رسائلها تقول Françoise Sagan: “السعادةُ… سعادةُ الكاتب وحسب. إني متاكدة أن الكاتب الرديء نفسه يعيش لحظاتٍ سحريةً عندما يعثرُ على الجملة المناسبة، أو على التوافق بين كلمتين. في هذه اللحظات وحدها يشعر الكاتبُ بأنه كاتبٌ حقيقي”.

ويقول Franz kafka لمعشوقته Milena: “كتابةُ الرسائل تعني أن تعرّي نفسَك، وهو شيء لطالما تنتظره الأشباحُ بفارغ الصبر. والقّبل المكتوبة لا تصلُ أبدا الى مكانها المقصود…”

صديقي العزيز

صدر في باريس عن دار غاليمار كتابٌ يجمع رسائلَ الراحل François Mitterrand الى عشيقته السرية Anne Pingeot وقد كاتبها ثلاثين عاما. ظهر فيها الرئيسُ إنسانا عاريا، رقيقا، عميقا، شغوفا وصاحبَ موهبة أدبية باهرة. قال في واحدة من رسائله الأخيرة: “آن… لقد كنتِ فرصةَ العمر بالنسبة لي”. “آن… أحب يديّ اللتين داعبتا جسدَك. وأحب فمي الذي ارتشفَك. أحب مذاقك كمزيج من شمسٍ وضوء. أتجنب الإغتسالَ قبل النوم لأحتفظ بأثرك، بعطرك، وبحضورك الحي”.

صديقي الحكيم

أنت ترى، لا ريبَ في نباهتك، بعد أن نقلتُ لك من رسائل الأدباء ما نقلتُ، أنّ أدب الرسائل، يتجاوزُ بفرادته وجماله ما احتوتْه كلُّ الكتب، خاصة تلك التي تحتفظ ُمع القلب بأواصرَ حميمةٍ. لكنها تراجعت أمام اجتياح التكنولوجيا فاختفتِ الأوراقُ والأقلامُ وأصبحت الرسائلُ مشفرة، قليلةَ الدفء، غامضةً، بائسةً، خجولةً، خائفة من أشباح كافكا ومن هول انكشافِها وشيوعِها.

كتابات أخرى للكاتب