صديقي الدكتور شوقي يوسف

غالبا ما يتناولُ التاريخُ، ناحية واحدة من نواحي النشاط الإنساني، فيعالجُ السياسة أو الإقتصادَ، الفلسفة، الدينَ، تاريخَ الحروب أو تاريخَ العلوم… معالجةً متعسفة في فصلها الجزءَ عن الكل المتكامل. وله بالرغم من تعسفه هذا، هوايةٌ أو ملكةٌ كملكة القُضاة في كشف الحقائق من خلال تحليلِ الحوادث وجلاءِ غموضها. لا قيمةَ للتاريخ إذا لم ينعكسْ على حياتنا الحاضرة، فنقابلُ بين الحاضر وماضيه مقابلةً هادئة علمية رصينة، يَسْهلُ بعدها الوصولُ الى الأحكام العامة بهدف نشرِها وتعميمِها. لا تُسْبَرُ أغوارُ الماضي، أيها الصديق، إلا بدراسة ما بين الأحداث من علاقات تربطُها الدراسةُ ببعضها زماناً ومكاناً. فنتعرف من خلال الربط على حقائق السلوك الإنساني عبر آلاف السنين، أكثرَ مما نعرفُه من خلال فلاسفة تعبوا في كشف الحقائق وتبيانها. كأرسطو، فرويد، كنط، سبينوزا وابن خلدون… ما أضيَعَ الفلسفةَ على قول نيتشه وأضيعَ القراءاتِ أمام قراءة التاريخ.

صديقي العزيز 

تقع قرطاجُ في الشمال الشرقي للجمهورية التونسية، وقد صُنِّفت عام 1985 ضمن قائمة التُراث العالمي. رُفِعتْ قواعدُها عام 814 ق.م. ولاقتْ نهايتَها المأساوية عام 146 ق.م. وعن بدايتها الأسطوريةِ قال المؤرخُ الروماني Justin إن ملك صور أوصى بالحكم لولديه بيغماليون وشقيقته أليسار الموصوفة بجمالها وحكمتها. أحدثتِ الوصيةُ انقساماً في العائلة الحاكمة، دفعتْ صورُ ثمنَه من استقرارها السياسي. تزوجتْ أليسار من عمِّها أشرباس، صاحبِ الثروة الكبيرة التي جمعَها من خدمته كرئيس للكهنة في معبد ملكارت. قتل بغماليون صهرَه في صراع السلطة، فنقلتْ أليسار كنوزها سراً الى ميناء صور وهربتْ مع قدوم الليل إلى قبرص. هناك أمرت بخطف ثمانين من عذارى فينوس لتزوِّجَهن لمن معها من الرجال، ثم ألقت مراسيَها على الساحل الإفريقي. قَصَّتْ رقائقَ الجِلد، ودفعت للملك القبلي إيجاراً أو جزية سنوية. ويروي Virgil في الإلياذة أن إيناس أميرَ طروادة حطَّ رحالَه في قرطاج، التقى أليسار، ووقع في حبها. الأمرُ الذي أغاظ جوبيتير، فأمره بالإبحار فورا الى إيطاليا ليبنيَ روما في البلد الذي تلد فيه الأنعامُ مرتين في السنة وتثمر أشجارُه أكثرَ من مرة. سافر الأميرُ دون أن يُخطِرَ الملكةَ بسفره. مغتاظةً، أحرقتْ ما ترك وراءه، ثم ألقتْ نفسها في جحيم النار بعد أن طعنت قلبَها بالسيف.

سمى اليونانيون السكانَ الفينيقيين الجددَ بالفوني، ودُعيت المدينة بـِ(كارت هدشت) أي القرية الجديدة. الإسمُ الذي حوّله الرومان لكرتاجو التي أصبحت مركزا استراتيجيا لتجارة الحوض المتوسط، خاصة بعد أن حاصر الإسكندرُ المقدوني صورَ وهاجر سُراتها الى قرطاج.

تأملْ أيها الصديق، وأنت المتتبّعُ للأحداث التاريخية، المغرمُ بروايتها، هشاشةَ الروايات التي حاول بعضُ اللبنانيين أن يُحْيوا بها تاريخا أسطوريا. فطوّعوا الخرافة، وهي مطواعة، لتشويه الماضي. مُحدثين شرخا عميقا ومفتعلا في الهوية اللبنانية خدمة لمآرب سياسية معادية للداخل العربي. فتحدثوا عن تاريخ فينيقي عمره ستة آلاف من السنين، ليربطوا الحاضر بتاريخ موهوم لا تربطنا به ثقافة، مؤسسة، أدب، أو لغة أو ما شئت من الروابط التاريخية. خطف زوس ــ الثورُ أوروبا الى جزيرة كريت، بنى قدموسُ مدينة طيبة الإغريقية، وهربت أليسار الى شمال إفريقيا لتُظهر حكمتَها في تقطيع الجلد وتوسيع المملكة. خرافاتٌ أو روابط أدخلها الى تاريخنا كحقائقَ تاريخيةٍ مُنَظِّرُ التعددية الحضارية: فؤاد افرام البستاني وأسد رستم مجاعص مؤرخُ الكنيسة الإنطاكية، ومستشارُ السفارة الأميركية في بيروت.

تأمل أيها الصديق عمقَ الإنكسارات التي أحدثها تزوير التاريخ، وعمقَ الجروح التي لا تندمل  صراعا على هوية الوطن، وتأمل مهازلَ “البحث” عن المسيح الذي وُلدَ في إهدن (الأب يوسف يمين) وعن قانا الجليل (كفركنا) التي نقلها التعصبُ الى الشرق من صور، وعن إهدن اللبنانية Eden التي أصبحت جنة عدن التوراتية، وأخيرا وليس آخرَ المهازلِ، عن قَرطبة المدينة الجبلية في شمال لبنان التي انتحلت هوية كوردونا الإسبانية أو قرطبة الأندلسية. فلا أساطير ولا تاريخ للمسيحية خارج الجغرافيا اللبنانية! فقد اخترع الموارنة تاريخا هذه عينة حاضرة منه. وعينة ماضية مثّلها طنوس الشدياق 1805-1861 وهو أخو أحمد فارس الشدياق أحد رواد الإصلاح، لكن طنوس على ما يقول هؤلاء “البحاثة” (لم يتبع أخاه في ضلاله)؟ وإنما كتب ونسّب وأرّخ ولحقه الآخرون في ضلاله. “فإن قال أصلنا من اليمن، أجابوا نعم أصلنا من اليمن. وإن قال أصلكم ليس من اليمن اجابوا نعم أصلنا ليس من اليمن. أنتم من حوران. أجل نحن من حوران. أنتم لستم غساسنة. نعم نحن لسنا غساسنة. فصار الحال كما قال المثل: مثل ما بتطبخ الطرما بياكل جوزها الأعمى”. (الصليبي)

صديقي العزيز 

إن الحضارةَ الفينيقية حضارةٌ قليلةُ الشواهد على ما وصفها “تاريخ لبنان الحديث”، فكل من لمع في فضاء الإغريق جعل له هؤلاء (البحاثة) نسباً فينيقيا. والأقوى تاريخيا أن موطن الفينيقيين مدينةُ صور العُمانية الموجودة الى جانب أختها صيدا. انتقلَ أهلوها الصيادون، بعد زلزال أصاب مدنهم، الى Tyr على الساحل السوري. ثم تسمّت المدينة بصورَ قريبا من القرن الثالث قبل الميلاد. وبقي من أسماء القرى اللبنانية ما اختزن أثرا من الماضي الغابر والعريق كأسماء: تربيخا وترشيحا، طير دبا وطير فلسيه (صقر أبو فخر) وتعني تير: الصيادَ، وبعلُ تير: إلهَ الصيد، والتيرو: حقلَ الصيد. كان الفينقيون جزءا من حضارة واسعة الإنتشار، شملت كاملَ الساحل السوري. ومن المؤكد أو الراجح أنهم اكتشفوا ثروة معدنية في إسبانيا، في مدينة شبه أسطورية مختلفٌ على موقعها تسمى Tartessus، عُرِفتْ بتجارة سلعٍ مصنوعة من الذهب والفضة، تاجر معها الفينيقيون واليونانيون على السواء. ذكرت ذلك التوراة قائلة: إنها ترشيشُ التي كانت سفنُ سليمان تأتي منها كلَّ ثلاث سنين حاملة ذهبا وفضة، عاجاً وقرودا وطواويس. وهي في دراسات الصليبي، قريةٌ من منطقة ظفار التابعة اليوم لسلطنة عُمان. كما وثق هذه التجارةَ المؤرخُ الرواقي Strabo نصيرُ الإمبريالية الرومانية.

من أجل هذه الثروة المعدنية، بنى الفينقيون لتجارتهم سفناً كانت تمخرُ عبابَ البحر المتوسط من ساحله الجنوبي، ولأسباب حربية دجّنوا الفيل، وجمعوا المرتزقة عصبَ الجيش الجديدِ وقوامَه. ولما قويت شوكتُهم استأجروا مستعمراتٍ على طول الساحل الإفريقي منها قرطاج. ثم دفعوا الأفارقة الى الداخل واستخدموهم أقناناً في ضياعهم ومزارعهم، فنشطت التجارة وتطورت العلوم الزراعية.

لم تزدهرْ الصناعة في القرية الجديدة، وإنما فضَّل أهلوها كآبائهم الأسيويين أن يتاجروا بما يصنعُه الآخرون. يقول ويل ديورانت: إنهم وبدوافع تجارية، موّلوا رحلة Hanno البحرية على ساحل إفريقيا الغربي، ثم أنفقوا على رحلة ثانية باتجاه أوروبا الشمالية، قادها البحار Himilco. ويعود للقرطاجيين الفضلُ في استعمال رقائق الجِلد، كعملة ورقية عليها من العلامات ما يدل على قيمتها. بلغ عدد سكان قرطاج ربع مليون نسمة على ما زعم المؤرخون، وحولتها الثروةُ المتدفقة من ذهب إسبانيا، الى امبراطورية تفوق أثينا في ثرواتها مراتٍ مضاعفةً. مدينةٌ جميلة اتصلتْ موانيها بأسواقها التجارية، وعلى ربوة قليلة الإرتفاع في وسطها، ضُرِبَتِ النقودُ في بيتِ مالٍ سموه البورصة Byrsa. وقد اعتبرها اليونانيون في حينها أجمل عواصم العالم. دمّرها الرومان ولم يسلمْ من شواهدها الا قليلٌ من اللُقى وكتابان: احدُهما لـِHanno  وصف فيه الرحلة البحرية، والآخر لِـMago في الزراعة، الكتاب الفريدُ الذي أصدر مجلس الشيوخ الروماني قراراً بترجمته وتعليمه في روما. كان القرطاجيون ساميين على ما سلف وقيل عن أصولهم العُمانية. خلافَ ما قالته التوراة التي خصَّتِ اليهودَ والعربَ فقط بهذا الإمتياز وطردتْ من نعيم السامية الكنعانيين الفينقيين. ولو سُئل أحدٌ من سكان قرطاجَ عن هويته لقالَ كما كتب أوغسطين: إنه كنعاني. وقد تأثر الأفارقة بالرومان خاصة بما بقي من معالم مثل دُقّة Dougga المدينة الأثرية في تونس،  وجميلة في الجزائر Cuicul هل تذكرها؟ إنها حقا جميلة، وليلى Volubilis بالمغرب الأقصى.

صديقي العزيز

الدكتور بيار زلوعة زميل لك وعالم أحياء لبناني له دراسات في الأمراض الوراثية، ومشارك في المشروع الجينوغرافي، أشار إلى جين سماه ج2 في الحمض النووي، شائع في كل المطارح التي شغلها وانتشر فيها الفينيقيون، من قرطاج الى صقلية الى كامل السواحل السورية منذ أكثر من 4000 سنة قبل الميلاد. ولا أدري إذا شملت عيناتُ البحث سواحلَ عمان بحثا عن الجينة الأم في حمضهم النووي. فمن المرجح حسب سترابو (64 ق.م. – 19 م.) أن تكون عُمان مناطقَ الفينيقيين الأولى، وذلك لأسباب كثيرة منها أسماءُ المدن التي تركوها خلفهم والتي أنشأوها  على الساحل السوري رديفاً لما تركوا. ولا يتغلب الإسمُ الجديدُ على الشيء أو المكان إلا أن تكونَ وراءه قوةٌ حضارية تفرضُه وتساندُه. دعا الإغريق سكان السواحل السورية بالفونيكوس Phoinikies التي تعني اللون البنفسجي للباسهم وهو قول ضعيفُ التوثيق. وكانت أبجديتُهم أصلاً ثابتا في تكوِّن العربية واللاتينية واليونانية، اعتُمدتْ فيها مخارجُ الحروف خلافا للكتابة التصويرية. وكتب هيرودوت يقول: إنه شاهد بنفسه الحروفَ الفينيقية في معبد أبوللو في طيبةَ بلدةِ قدموس الإغريقية.

كان القرطاجيون على ما وصفهم ويل ديورانت، “وثيقي الصلة باليهود. فقد كانت تظهر في لغتهم أحيانا ألفاظٌ عبرية كـ(شفيتي) وتعني القضاة (شفتيم). وكان الرجال يرسلون لحاهم، ويحلقون شفاهم العليا (على النمط الداعشي) بشفرات من البرونز، ويضعون على رؤوسهم عمائم، يحتذون أخفافا، ويلبسون جلابيب طويلة. وكانت نساؤهم محجباتٍ يبلُغْنَ مناصبَ كهنوتية عالية، ويتسمَّيْن بأسماءَ غالبا ما تكون اشتقاقا من جذر ثلاثي (ل.ب.ت.) دليلَ تشبُّعِهن بالثقافة الليبية. يتعطر القرطاجيون رجالا ونساء، ويضعون حلقاتٍ معدنية في أنوفهم على الطريقة الهيبية. كما كانوا إباحيين في علاقاتهم الجنسية، فاسدين كآبائهم وذراريهم في الشؤون السياسية “يستعمل الرومان في وصفهم ـــ ودائما على قول ديورانت ـــ لفظ (الوفاء القرطاجي) Fides punica لفظاً مرادفا للخيانة. ويقول المؤرخ بولبيوس وكان صديقا حميما لسكيبيو (Scipio Africanus) الذي حَرَّق قرطاج ودمرّها: “أن لا شيءَ ينتجُ عنه كسبٌ يُعَدُّ عارا في أخلاقهم”. صفةٌ على ما يبدو صنعتْها الجينةُ “الخبيثة” للدكتور زلوعة ليحملها ذراري الذراري. فهل ترك الفينيقيون في حمضنا النووي شيئا مما قاله سكيبيو عن الرُّشا والكسبِ “الحرام” الملازمين لأخلاقهم؟

أيها الصديق العزيز

ليس من اللائق ان أكتب لك شيئا هو من اختصاصك أو هو حقلٌ من حقول المعرفة التي تملك، لكنه لزومُ الكتابة ليكتمل النصُ. تحمل الجيناتُ صفاتٍ وراثيةً وُجدتْ متطابقة عند الشعوب المشرقية، فهذه الجينة المعروفة باسم 2 Haplogroup أوجدتْ مشابهة بنسبٍ عالية بين اللبنانيين والسوريين والفلسطنيين من خلال حمضهم النووي الذي ينتقلُ من الآباء الى الأبناء بطفرات قليلة كلما كان الحمض النووي عائدا للعهود القديمة.

أيها الصديق الحكيم

اغفر لصديقك الذي مدحتَ فيه مرةً سعةَ علمه بالأنتروبولوجيا، أن يتطرّق أو يتطرَّف قليلا في الكتابة عن علوم خارج اختصاصه. لكني وخوفا من الزلل، سأعرضُ على ابنتي مايا الأستاذة المحاضرة في الجامعة اللبنانية، والمتخصصة في هذا الحقل، ما أنا ذاهب في تدوينه. لا شطط إذاً فيما أذكره من العلم ولا ضحالة فيه، فالضحالة أخت الجهل. تجمع الأنتروبولوجيا ــ الجينية بين علم الآثار Archeology الذي يثير فضولي المعرفي وعلم الجينات الذي أجهله وأخشى عثرات ولوجه Genetics. يعاينُ هذا العلمُ بقايا ما يعثر عليه علمُ الآثار، من الحمض النووي الدارس لأجدادنا وكائناتنا المنقرضة، كما لمن هو حي كائن الآن. تكوَّن هذا العلم في عام 1991 على يديْ العالم الكبير في جامعة ستانفورد الدكتور Cavalli sporza. وذلك لقراءة البصمات الوراثية في جينات محددة تتركها الأم في Mitochondra، ولا تختلط هذه مع الحمض الوراثي للأبّ الذي تنتقل بصماته في صبغية Y  chromosome من الآباء الى الأبناء الذكور فقط. يتعرض هذا الحمض لطفرات Mutation تساعد في تحديد الزمن الذي حصلتْ فيه التحولات و الهجراتُ الإنسانية الأولى.

وبالعودة لموضوع المقال فقد وجد الدكتور زلوعة تقاربا وراثيا بين اللبنانيين و سكان قرطاج ومالطا وقال أنه سيأخذ مزيدا من العينات من سكان قرطاج والمناطق التي تحيط بها ومن جنوب تونس حتى يصبحَ بإمكانه الجزمُ بمدى التقارب الجيني بين التونسيين واللبنانيين.

عبد القرطاجيون، أيها الصديق، بعلَ هامان وثانيث التي استحوذت على حبهم. يليهُما مفتاحُ المدينة “ملكارت”، ثم أشمون ربُّ الصحة والثروة. وكان من عادة الأشراف ان يقدّموا أبناءَ الارقّاء أضاحيَ لأربابهم، فلما حاصر ملكُ سرقوسة Agathocles قرطاج، شعر الأهالي بغضب الآلهة، فألقوا في النار، وبمفعول رجعي، مائتين من أبناء الأشراف تسكينا لغضب هامان وملكارت. لا تاريخَ لقرطاج مكتوبٌ بيد أبنائها، وما بقي من لُقى ووثائقَ يتعذرُ به رسم الصورة الواضحة لنظامها السياسي. علما أن أرسطوطاليس أثنى على دستورها قائلا: إنه من أرقى دساتير العالم في كثير من نواحيه. والثابت مما قيل عنها، أن لها جمعية وطنية تقبل أو ترفض ما يعرضُه عليها مجلس الشيوخ. وكانت الرُّشا (إرث الج 2 ) ملازمة للإنتخابات بالرغم من وجود محكمة قضائية عليا، تتألف من مئة وأربعة قضاة يبقون في مناصبهم مدى الحياة. (وأنا أكتب رسالتي لك أيها الصديق، أذاع تلفزيون الجديد أن رُشا الإنتخابات المدفوعة في زحلة، بلغت ألف دولار للصوت الواحد). أما الجيش فقد تألف من مرتزقة تدين لمن يدفع أجورَها، ومع ذلك أغلق الأسطولُ الحربي حوضَ المتوسط في وجه التجارة الرومانية.

كان القلقُ يلازم الرومان بالرغم من سيطرتهم على كامل إيطاليا. ذلك أن قوتين معاديتين لهم (قرطاج وأثينا) تسُدان عليهم البحرَ، خاصة بما يسيطران عليه من جزر  المتوسط. تردد مجلس الشيوخ في المجابهة لما لهما من قوة وثروة. لكنه جهّز أسطولا كبيرا احتسابا لحربٍ لن تتأخر. تقابل الأسطولان  على الساحل الجنوبي لصقلية ودارت معركة (256 ق.م.) حقق فيها الرومان انتصارا حاسما. ولقلة خبرتهم بالحرب، نزلوا مباشرة الى البر، دون أن يستطلعوا ما كان على ظهره. فالتقوا بقوة قرطاجية كادت أن تفنيهم عن آخرهم. أُسِرَ القنصلُ المتهورُ Regulus قائدُ الأسطول، وبقي في الأسر خمسَ سنين، ثم سُمِحَ له أن يُرافق بعثة قرطاجية إلى روما تَعْرض عليها الصلحَ، على أن يعود للأسر إذا رفض مجلس الشيوخ العرضَ. وفي روما سمع رجليوس شروط الصلح، فاشار على المجلس برفضها، ثم عاد مع البعثة الى قرطاج غير عابىءٍ بتوسل أهله وأصدقائه. عذّبه القرطاجيون عذاباً شديدا ثم منعوا عنه النومَ حتى فارق الحياة. اعتقل أبناؤه من بعده أسيرين قرطاجيين من ذوي المكانة، وضعوهما في صندوق، ومنعوا عنهما النوم حتى لقيا حتفهما.

قطع هنيبال جبال الألب، هزم جيوش روما بقيادة Fabius، وأصبح على أبواب العاصمة. هرعت النساءُ إلى الهياكل يبكين ويمسحن بشعورهن تماثيلَ الآلهة، وعاشرت اللواتي فقدن أزواجَهن الأجانبَ والرقيقَ خشية أن ينقطع النسلُ. انتظرتْ روما طويلا مجيء هنيبال، لكنه لم ياتِ ولم يدخل الى روما، وكان ذلك ممكنا، وقد لامه أحدُ رجاله على حذره المبالغ فيه فقال: “إن الآلهة لم تمنحْ كلَّ مواهبها لرجل واحد، إنك يا هنيبال تعرف كيف تنالُ النصرَ ولكنك لا تعرفُ كيف تنتفعُ منه”.

تُعدُّ معركة كناي واحدة من أهم معارك هنيبال في جنوب شرق ايطاليا. استعمل فيها تكتيكات عسكرية استفاد منها على ما زعم الجنرال الأميركي Norman Schwarzkopf في حربه: عاصفة الصحراء. سلم مجلسُ الشيوخ قيادةَ جيشٍ بلغ تعداده تسعين ألف مقاتل، لقنصلين يتناوبان يوميا على قيادته. باغتَ هنيبال الجيش الروماني بحصاره مستودعات الحبوب في كناي، ثم مصادر المياه العذبة. هاجم الفرسان قلبَ الجيش الروماني، وهاجم الأفارقةُ الأمازيغ جناحيْه (تكتيك الكماشة) ولقي الرومان مصارع شتى. وذكر بعض المؤرخين ممن تستهويهم المبالغة، أن ما يقرب من ستماية جندي ذُبحوا كلَّ دقيقة الى أن وضع الظلامُ حداً لإراقة الدماء. أرسل هنيبال الى قرطاج ثلاثة مكاييل من الخواتم الذهبية، انتزعها من جثث خمسة آلاف فارس، ولم يتمكن من الهرب سوى أربعة عشر ألفا. علق تيتوس ليفيوس أو ليفي المؤرخ الروماني على ما تركته الهزيمة في نفوسهم قائلا: “إن الرعبَ ملأ قلبَ روما فلم يسبق لها أن أصيبت بمثل هذه الجراح. أعلنت الحداد، ولجأت الى التضحية البشرية بدفن أضاحيَ على قيد الحياة”. يقول الشرقيون كلما اقتربتْ منهم الكارثةُ “الله يستر” ويقول الرومان رديفا للتعبير الشرقي وامتدادا لتلك الكارثة “هنيبال ع الباب” Hannibal ad portas.

أرسل هنيبال وفدا برئاسة قرطالو للتفاوض على معاهدة صلح بشروط معتدلة. رفضها مجلس الشيوخ وأعلن التعبئة العامة. اقتصر الحدادُ على ثلاثين يوما مُنع فيها بكاءُ النساء جهرةً. ورافق قرطالو عشرة أسرى على أن يعودوا معه وذلك للمفاوضة على افتداء ثمانية آلاف من المعتقلين. وَفَى الأسرى العشرةُ بما وعدوا به عدا واحدأ، فما كان من مجلس الشيوخ إلا أن ألقى عليه القبضَ، صفَّدَه، وأعادَه الى هنيبال. يقول المؤرخ الحربي “إن فرح هنيبال بنصره لم يبلغ من الشدة ما بلغه حزنُه حين رأى ما يتصفُ به الرومان من ثباتٍ وفروسية”.

في هذه الأثناء حاصرت جيوشُ سكيبيو قرطاجَ، فاسرع إليها هنيبال بعد أن رافق فتوحاتها ستا وثلاثين سنة. تقابل القائدان في Zama من ولاية سليانة التونسية، وهُزِمَ هنيبال للمرة الأولى في حياته (202 ق.م.). أفلتَ من الأسر، وسار على ظهر جواده الى قرطاج، أعلم الجميع أنه لم يخسر المعركة وإنما خسر الحرب أيضا. طارده الرومان من مكان الى آخر، حتى حاصروه في بورصا من منطقة الأناضول. فآثر الموتَ على الأسر وقال: “دعوني أخفّف عن الرومان ما يشغل بالهم من زمان طويل، فهم يظنون أنهم لا يطيقون الصبر، حتى يلاقي شيخٌ مثلي منيتَه “تجرَّع السمَّ الذي كان يحمله ومات عام 184 ق.م. في السابعة والستين من عمره. وتخطط اللجنة الثقافية في قرطاج لإعادة رُفاته الى تونس، على ظهر بارجة حربية ترافقها بوارجُ من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وهو سعي جمبلٌ و محمود، على أن يعلن الرئيس التونسي بعد دفنه في مثواه الوطني انتهاء الحرب البونية بعد 2200 سنة من هزيمة قرطاج.

يروي المؤرخ اليوناني بوليبوس الذي رافق القائد الروماني في تدميره لقرطاج قال: إن سكيبيو بكى لمنظر قرطاج في موتها الدراماتيكي بعد أن حرَّقها ونثرَ في مزارعها الملح وردّد كلمات Hector من إلياذة هوميروس: “سياتي اليوم الذي تسقط فيه طروادة المقدسة”. وعندما سأله المؤرخ عمّا عناه قال: “إن الخوف يتملكه أن تلقى روما ذات يومٍ نفسَ المصير”.

احتل ملكُ الفاندال الألماني قرطاجَ سنة 439 م. ثم عاد إليها الرومان بقيادة بيليساريوس سنة 533 م. وفي سنة 698 م. بُنِيتْ الى جانبها تونسُ العاصمة الخضراء.

صديقي العزيز

عانى علمُ الأنتروبولوجيا من نظريات متطرفة طواها الزمن، مثلما طوى القوميون الإجتماعيون دراسةً للزعيم أنطون سعادة، عن قياس الجماجم في “نشوء الأمم”. فحذفوها من الطبعة الشامية الصادرة عن دار مصطفى طلاس. فللتاريخ الإنساني جانبٌ بيولوجي يتعرّضُ دائما للتعديل كلما أعمل فيه العلمُ النظرَ. لذا يترافق اليومَ عالمُ الآثار وعالمُ الأنتروبولوجيا في “الحُفرة” الواحدة، فاللُقى البيولوجية يدرسها الأنتروبولوجي، ويدرسُ عالم الآثار اللقى الدالة على النشاط الإنساني من الرسوم والتماثيل والصناعات القديمة… فعلم الآثار معنيٌ بالماضي الثقافي وهو جزءٌ مما تهتم به الأنتروبولوجيا و يركّز العلماء جميعا على ما يتكرر في السلوك الإنساني وعلى ما تركته فيه البيئة الثقافية القديمة.

أيها الصديق الحكيم

على هامش ما تناوله هذا المقالُ من أخبار عن الدراسات الجينية، وما أثارته في لبنان من ردود ذات طابع عرقي، أحب أن أنقل إليك ما قاله الأميركي Jared Diamond كعالِمٍ بيئي، كاتبٍ، وإستاذٍ جامعي: “إن فجواتِ القوةِ والتكنولوجيا الموجودة بين المجتمعات اليومَ، لا تعكسُ فروقاتٍ ثقافيةً أو عرقيةً بل تعودُ إلى اختلافاتٍ بيئيةٍ يؤكدها قانونٌ يدعوه الكاتبُ: قانون الإرتجاع الإيجابي Retroaction وما ذكرتُ لك عالِمَ الأحياء الأميركي هذا، إلا لأتفيأ في أحكامي تحت جناح العلماء وأقول: إن الجينات لا تصنع حضارة ولا ثقافة، ولا يصنعهما كذلك تاريخ مؤسطر وموضوع، وإنما تصنعهما البيئةُ بقانون قد يكون قليلَ الصرامة.  حاول أجدادٌ من المسيحيين الكاثوليك وخاصة الموارنة الذين ولدوا في الشام وعاشوا فيها، أن يؤلفوا على هواهم تاريخا لخريطة رسمها الفرنسيون عام 1861 (الصليبي) وكان رائدهم في التزوير Ernest Renan عندما قال: “إن كل شعب يجب أن يُزوِّر تاريخَه ليصنع من نفسه شعبا متماسكا”. وجاء من علماء الآثار الفرنسيين من يعرفهم المؤرخُ شخصيا، ممن استهوتهم هذه الفكرة، وانخرطوا في الترويج لها دون أن يصدقوها. والشعب اللبناني الذي ترى من صراعاته الإنتخابية الآن ما يرقى لمرتبة الحروب، هو يا صاحبي النسخة التاريخية المزورة وغير المتماسكة، التي رخَّص لها وساهم في صناعتها، وربما دون أن يُصدِّقها، المستشرقُ المؤمنُ بتمايز الأعراق Ernest Renan.

كتابات أخرى للكاتب