قراءة في رواية لافازّا لشفيق طارقي

يحدث أن تطلب قهوة فتأتيك رواية، لافازّا قهوة تشكلت في رواية أعدّها كاتبها شفيق طارقي على مهل ليرتشفها قارئها رويدا رويدا ربّما لسخونتها ربّما لمرارتها ربما لضيق فنجانها. لافازّا ترشّفتها حتى أتممتها إلى آخر جرعة إلى آخر صفحة وبقايا منها عالقة في الفنجان والفكر.  لافازّا أكثر من مجرّد قهوة أكثر من مجرّد رواية.لافازّا عنوان يحمل أكثر من دلالة إذا ما ربطناه بمحتوى الرواية وشخص الكاتب رغم مراوغته ظاهريا ببعده المعنوي. سمراء تلوّنت من بشرة كاتبها حتى غامت واسودّت كهذا الواقع الذي نعيشه الآن ولا ملمح فيه لأي تغيير. سوداوية لم تأتي من فراغ فالنفسية متعبة والحياة صعبة وثورة لم تكتمل ومستقبل ضبابي غير متضح. رواية مركزة كقهوة عميقة كاللافازّا تماما. قارؤها يصبح لافازّيا بصفة آلية فقط لأنها تلمس العمق فينا تحفّز الوعي واللاوعي وكل درجات الادراك، ستطوّح بك في المكان واللامكان وتحيط بك في زمن تخاله غير زمنك . كلّ ما نعرفه أنّ مذاقها ساخن جدّا وتوقيتها في الشّرب نتحكّم فيه فقط ألاّ نتركها باردة بما حوته من مضامين وما تناولته من مواضيع وقضايا أشعلت الرّأي العام وشغلته.

لافازّا سيرة ذاتية أو شبه سيرة كفضفضة بصوت مسموع عالية التركيز “لن تكون سيرة ذاتية بالمعنى الحقيقي للعبارة توازت فيها الشخوص وتضادت لكنها اجتمعت وصبت في نفس الهموم والقلق. كاتب أسمر البشرة اسمه أحمد أو شفيق لا فرق نيسبوري أو توزري لا فرق أيضا، كلاهما ثلاثيني وأستاذ تعليم ثانوي انتقل من  الجريد إلى العاصمة ولا فرق بينهما فكل هذه التفاصيل تتماهى في شخص كاتب المخطوط وكاتب اللافازّا. المهم انها لافازّا وكاتبها لافازيا والقارئ لافازيا أكثر وأكثر…..هكذا اذا خاتلنا الكاتب حتى إذا قصدنا المقهى طلبنا مثله لافازا.

رواية لخصت سيرة كاتب وبلد في فترة ماقبل الثورة وأيام الثورة وما بعدها في فترة انفتاح غير مسبوق على منصات التواصل الاجتماعي والحراك المجتمعي والسياسي. فكل شئ يتحرك وكل شئ نسبي في ثباته وحقيقته. توالت الرواية على مدى ستة فصول وانقسم كل فصل إلى أبواب عدة واختلفت مواضيعها لكنها لم تتقاطع بل تواصلت فيما بينها بفعل حركة السرد المتسلسل أحيانا والمتقطع أحيانا أخرى. اذ قامت الرواية على فعل التذكّر من الماضي وفعل المعاينة الحينية لزمن الحاضر وارتبط ذلك وثيقا بالأشخاص والكاتب وهو ما جعلها تنحى أن تكون سيرة أطلعتنا على حياة مليئة بالأحداث رغم عدم التكلّف فيها فكانت الدافع لكتابة هذا العمل السردي وتحسس حيادية لحظة الكشف والنقل وعدم حيادية في بعض المواطن الأمر الذي أكسبه قوة تأثيرية وشدة وقع الرواية على القارئ واجباره على التفكير طويلا في المضمون.. اجتهاد الكاتب فنيا وأخلاقيا في الكتابة أبان عن  مهارة في السرد وتطويع أسلوب ذاتي لبناء روائي رمزي مميز وجميل

لافازّا نقلت لنا خصوصيات مجتمع تراوحت الأمكنة فيه بين الجنوب والشمال أي بين المركز والهامش، تلك المناطق المهمشة في صمت وهدوء والعاصمة بطمّ طميمها وصخبها الذي لا ينقطع. أماكن لا تتشابه في مطلق المنطق التنموي والإجتماعي  خاصة وأن منطقة الجريد بالجنوب التونسي موغل في الخصوصية المحلية رغم انتمائه الكبير وتماهيه في جغرافية البلد. يلوح ذلك من خلال ما تناولته الرواية من قضايا محلية وقضايا وطنية، مراوحة نجح فيها الكاتب في معالجة الذاتي في عمق العام  وتأصيل الانتماء في مواجهة التغريب خاصة ابّان الثورة وما بعدها “ثورة الأيادي”(ص22)

وما شهدته الساحة من تجاذبات سياسية وصراعات حزبية وحرب خلفية تأججت بحدوث اغتيالات لشخصيات سياسية كشكري بلعيد ومحمد الابراهمي وعمليات ارهابية استهدفت عناصر الجيش والأمن وظهور أمراء اسلامويين متشددين “الحديث عن أبو محمد جعلني أتوجس، هؤلاء الآباء لا خير يرجى منهم”(ص130).

تناول كل هذه الأحداث وغيرها لم يخرجها من إطارها العالمي كجزء مما يحصل في كل جهات الكرة الأرضية وما يشهده العالم من تغيرات وتطورات نحو العنف والتأزم. علا صوت الكاتب القادم من بعيد من جوف الجريد وجوف أحمد النيسبوري وتماهى مع صوت الشارع النابض دوما فلا أحد يستطيع العيش بمنأى عما يدور حوله والكل يراقب الوضع وينتظر ما تؤول اليه الأمور “فأشارك أهله محنة الانتظار” (ص49).

وما كانت لتفرج إلا لتتعقد أكثر، ذاك طبع مشاكل هذا العصر.خرج البطل ملوحا بعقله منذ جاء إلى هذه الدنيا، يلهو به الواقع فيتلهّى  منتبذا سلوكا ازبهلاليا بكل عقلانية “أنا كائن مبني على الإزبهلال”(ص48).

كان العبث يتسرب اليه حتى أصبح كائنا رمليا متسربا نحو ثقوب الخواء والعدم أليس العالم سوى خلل سرديا وأن الانسان الذي يعيش فيه كائن عاجز قادر بامتياز على طرح الأسئلة لكنه أعجز مايكون عن ايجاد الاجوبة .  يزعجه ما يحدث حوله ويزعجه أن يتحكم بالوطن شرذمة وتتحكم به أزرار الحاسوب وتوجهه أكثر إلى حياة افتراضية محمومة كل ما بقي منها علاقة فاترة مع ايزا وقد احتلت جزءا من الذاكرة وقد بدا الكل يتأرجح في لعبة مشوقة لا حدود لها الضامن الوحيد هو الرصيد الأخلاقي والانتماء الثقافي. مراوغ انت أيها الكاتب تفتح موضوعا رئيسيا وتحيد بنا إلى مواضيع جانبية لا تقل أهمية كأن يحكي عن القهوة والشعراء وهو يسأل شكون قتل بلعيد؟ أو يحدثنا عن ايزا فنجد أنفسنا نغوص في موضوع الانتحار، يتأخر النادل فتحدثنا عن جدتك وتتلو علينا حديث ثورة أو تقترح وصفة  كيف تكون بطلا، تمتنع عنك اللغة فتتسول القلم والورق وترغمها أمام اغراءات الذاكرة والمخيّلة وهول الواقع. تدعو الله كثيرا من أجل أن تكتب الخيبات..هي الخيبات إذا تدفعك أكثر من أجل صياغة عمل روائي أليس الكتابة تسول هكذا قلت وقولك كتابة وفنجان قهوة.

إن المتأمل في سيل هذا السرد سيلاحظ  سيرورة ثنائيات حكمت الرواية، الأنا والأنت، العام والخاص، قبل الثورة وبعد الثورة، الشمال والجنوب، الماضي والحاضر، المركز والهامش، التعقيد والانفراج، الوعي واللاوعي….ثنائيات مثلت سلما  تراوحت الأحداث بين درجاته جيئة وذهابا كشفت هموم الذات وقلقا يحتبس بين جنبات عقل الكاتب الذي يخاطب قارئه ومنتقديه مباشرة . استدرجتنا الرواية من بدايتها وأسرتنا بنسقها الشعري وتكرار وصور مكثفة بذكاء ومسحة الذكاء لم يسقط في الرتابة والملل فكلمة لافازّا وماجاورها من مشتقاتها من نفس جذرها  تكررت في الباب الأول اكثر من اثني عشرة مرة بصفحتين فقط وفي مواقع كثيرة من الرواية أعطاها ايقاعا شعريا جميلا، كذلك نلحظ حضور الخاطرة التى ساعدت في الكشف عن بواطن النفس واللاوعي الراكد. كأنه يردف القصة بالخاطرة والشعر بالسرد ومثلت الرواية ذاك الوعاء الكبير الذي يجمع كل فنون الأدب لا قيوده تكبحه فقط وعي بالبناء والتركيب ، التقديم والتأخير، استرجاع فعودة ، انتهاء فبدء  ولايتوقف انتظار القهوة ولا تأتي فيبتدأ الحديث والسرد الذاتي لأحلك لحظات الذات وأكثر فترات الكتابة هدما. أيضا لا يخفى الطابع الصوفي في الرواية، لاحت جلية في مخاطبة الكاتب لله وتناوله للوازع الديني لذاته، يبدو هذا الخطاب ظاهريا مجرد هذر لسكير أو اختلال قول لكاتب ينتظر أو ضرب سخرية “ظللنا نشرب على نخب الله”(ص135)

لكن عمقها الدلالي جعلها صوفية تكشف أغوار الذات الانسانية وتجليها أمام الله “أقصد بالله تلك الحالة الجميلة المطلقة، والخيّرة”(ص118)

ساعده خياله وروحه الجامحة نحو الماورائيات بغامض الكلام رغم بساطته والتحام الديني بالثقافي والخصوصية الشخصية لكاتب ذكي ألغى عمودية العلاقات. سيرتكب الأخطاء من أجل هدم الحياة الحديثة إلى أخرى أقل وطئا على الانسان وأقل قيودا، ستصبح الروابط أجمل ويصبح للموت جمالية أكثر وللموتى أنشطة متميزة بحجم وحشة مقبرة وانطلاق الخيال لتدوين رواية ألم يقل “كنت أعرف أن للخيال وظائفه السردية”(ص136) سنعترف الان بقيمته الاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية، لولا الخيال لقتلنا جمال الحياة غير المكتمل فقط أدركنا أن للبشاعة نصيب آخر من الجمال.

بين السرد الذاتي والموضوعي ونوعية القضايا المطروحة جاءت اللافازا مواكبة للحداثة وما بعدها تلاشت الكلاسيكية وتطورت الرواية بنيويا  الأمر الذي يجعل القارئ ليس مجرد متلقي بل مواكب لحركة الرواية لانها تقود نحو التغيير.