أقام الجابري في “نقد العقل العربي” علاقةَ تنافسٍ وتضادٍ بين السحر والعلم. فأكثر من المدح الزائد والمبالغ فيه لِ “حضارة العقل” اليونانية القائمة على تقديس العلم، كأن العلمَ هبةٌ هابطة من السماء. وسفَّه “حضارة اللاعقل” الغارقة في السحر، حتى تحرَّج في استعمال كلمة  التفكير، التي يضعُها بين مزدوجين كلما اضطر لاستعمالها في حديثه عن الهنود، أو  حضارة ما بين النهرين. وكان هيجل قد سبقه في هذه الإثنية، عندما وضع إفريقيا في أسفل السُّلم الحضاري، للشعوب التي لا تملك عقلا. وفي أعلاه وضع العقل الأوروبي في بداياته اليونانية. وكان رأيُ هيجل، رأيَ الفلاسفة الألمان قاطبة. فقد اتفقوا أن لا وجود للفلسفة خارج أوروبا.

لقد وضع الكاتب الكبير جورج طرابيشي في نقد النقد، أو نظرية العقل، جدولا معكوسا لحضور العلم والسحر، وغيابهما في الحضارتين. فلا يجوز برأيه أن نحوِّل الفارق في الدرجة، لفارق نوعيٍ في الحضارات. لذا دلَّ في “حضارات السحر” على ما حققته الشعوب من تقدم علمي، وأشار الى ما اعترى “حضارة العلم” اليونانية من مظاهر السحر والبدائية. لقد كان الجابري وهو يردد إثنية أوروبا، مغاليا مفرطا في عداوته للحضارات القديمة. فاضطر طرابيشي أن يستحضر ما غيَّبه الجابري، ويغيِّب ما أحضره. لا ليعكس العلاقة بين الحضارتين، وإنما ليؤكد انتماءهما معا الى نمط متماثل ومشروط، من العقلانية التي نمت في بدائية السحر، وحضارة السحر التي كان فيها للعلم عماراتٌ عالية.

أطلَّ طرابيشي على “حضارة  السحر” من خلال كتاب حصيف الرأي لِ جورج رو George Roc. طبيبٌ فرنسي مولع بتاريخ الشرق الأدنى. أشار الطبيب لما كان يشغله السحر في حضارة ما بين النهرين، وهو حيزٌ ضيقٌ مع ما شغله العلمُ. فقد كان البابليون متحلِّين بمعظم الصفات التي تميِّز العلماء، وفي طليعتها فضولُهم في استجلاب النبات والحيوان الغريب الى بلادهم. وإلى جانب اهتمامهم بعلم الفلك، درسوا خصائص الأعداد التي تظهر مدى قدرتهم على التجريد. حتى جزم المؤلف أن “الحضارة اليونانية قامت الى حدٍّ كبير على أسسٍ نهرانية”. فقد استطاع كبير الفلكيين البابليين كيدونو عام 375 ق.م. أن يحدد السنة الشمسية بخطأ لا يزيد عن 4 دقائق و 32,65 ثانية. خطأ يقول الكاتب “أقل في الواقع من خطأ العالم الفلكي الحديث أوبولزر عام 1887م. والبابليون هم الذين اخترعوا الحساب الموقعي، والساعة المائية. كما بلغوا حدا مميزا من الدقة في حساب الجذر التربيعي للعدد 2 فتوصلوا إلى 1.414213 بدل 1.414214 الى جانب تطويرهم لمعادلات من الدرجة الثانية. وبينت الوثائقُ الطبية أن “الآسو” وهو الطبيب في اللغة البابلية، كان يحصِّل علومه في مدرسة الكتبة. (والآسِيُّ في لسان العرب هو الطبيب والجمع أُساة). ثم يتخصص الآسو عند الإمانو. (وهو الإمام). وكان للبابليين درايةٌ بالوقاية كما تشرح رسالة الملك زمري ــ ليم الغائب عن العاصمة إلى زوجته شبتو: “علمتُ أن السيدة نانام أصابها مرض، والحال أن صِلاتِها كثيرةٌ بأهل القصر، وهي تلتقي في جناحها الخاص الكثيراتِ من النساء. اصدري إذن أوامر صارمة كي لا يشرب أحدٌ من الكأس التي تشرب منها، وكي لا يجلس أحدٌ على المقعد الذي تجلس عليه، وكي لا يرقد أحدٌ في السرير الذي ترقد فيه، ولتمنعي التقاء النساء في جناحها الخاص. فهذا الداء مُعدٍ مُسْتأخذ”.  والفعل (أخذو) يعني التقط وأمسك.

لم يعرف العالمُ الكتبَ قبل بابل، فمنها خرج الكتاب على صفائحَ من الشمع أو الطين على شكل ملزمة. وكانت الكتبُ تُصنَّف على الرفوف حسب مضمونها، أي ما عرف فيما بعدُ بعلم القوائم. كما وجدت بين لوائح الطين معاجمُ تتناول النبات والحيوان وعلوم منوّعة عملت المكتبات الملكية على حيازتها. وقد عرفت مصر المكتبة وكانت تسمى بالهيروغليفية “ملجأ العقل”.

وفيما يخص حضارة الهند، فقد اعتمد  طرابيشي للدفاع عنها على أبحاث آرثر باشام Arthur Bacham استاذ معروف بثَخانة الرأي ورئيس قسم الحضارات في جامعة كانبرا قال:  إننا ندين للهند بنظام العد على أساس الأرقام التسعة ومرتبة الصفر. والكلمة العربية هندسة تعني فن الهند. ثم أن علم اللغة والصوتيات في كافة أنحاء العالم لم يرق قبل القرن التاسع عشر الى ما كانت عليه الهند في حضارتها الأولى. فقد تعرف الهنودُ في الألف الأول قبل الميلاد على جذر الكلمة، فصنّفوا ألف جذر أحادي المقطع، كما صنفوا أولى معاجم اللغة. وبالرغم من كون  الصينية كتابة رسوم لا تتلاءم والأفكار المجردة، فقد أفلحت الصينية ان تصير لغة حضارة مميزة في الشرق الأقصى بأكمله، خاصة في الآداب وفي مجال الفلسفة السياسية.

أما في حضارة العقل العربي والإسلامي، فلا تزال كتب السحر رائجة حتى اليوم  ولا مِرْيَةَ في انتشار السحر بين العقلاء على ما قال ابن خلدون. وقد نطق به القرآن في سورة البقرة عندما قال: {واتبَعوا ما تتلوا الشياطين على مُلْك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل عتى الملكيين ببابل هروت ومروت وما يُعلّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفُر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا باذن الله …} وقد سُحر رسول الله في حديث صحيح الإسناد على ما يقول الفقهاء، عندما خيِّل اليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله. فكان سحره في مُشْطٍ ومُشاقة وجُفِّ طِلعة (والمُشاقة  هي خصلة  الشعر). وقالت عائشة إنه لا يقرأ المعوذتين اللتين نزلتا بهذا الخصوص على عقدة سحرٍ إلا انحلت. وقد طعن في هذا الحديث كثيرٌ من العقلاء لا من جهة الإسناد، وإنما من جهة العقل. فهو يؤكد قول المشركين إذ قالوا: (إن تتبعون إلا رجلا مسحورا) إضافة لكون السحر النازل به يزيل الثقة بما يُوحى اليه.

وفي حضارة العقل اليوناني اعتمد طرابيشي على استاذ الهلينيات في إكسفورد الدكتور دودس Dodds في كتابه “الإغريق واللامعقول” ليكشف ما اعترى العقل اليوناني من الخرافات التي أدركت ذروة تعلقها بالسحر في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد. فقد آمن الأثينيون على اختلاف مستوياتهم بفعالية الرُقى وقدرتها على الأذية، فكانت تُكتب على الصفائح الرصاصية مثلما يفعله العجزة الآن في الريف اللبناني. وقد علّق بركليس عند مرضه الذي أودى بحياته، تعويذة في رقبته. وكان السحر الأسود شديد الإنتشار بواسطة دُمى يحرقونها أو يعلقونها فوق القبور فللموتى، على ما يعتقدون، قدرةٌ فائقة على إيقاع الأذى. وكانت أثينا في ذروة العقلانية، تعبد هاقاتا Hécata إلهة السحر التي استجلبت من آسيا الصغرى. وتطلب شفاعة أسقلابيوس Asclepios إله الطب، على حساب الأطباء الفعليين ذوي السمعة العلمية. وكان الفارق بين الخرافة والدين فارقا في الدرجة، فقد مورس في أثينا ما يدعى كبش الفداء البشري فارماكوس Pharmacos الذي كتبتُ عنه في مقال لي حول الجذور الوثنية للأضاحي على موقع السنابل. وقد مارست أثينا العرافة أيضا وأنفقت عليها من موازنة الدولة، وكان العرَّاف شخصية مركزية في الحياة السياسية كوزير الأوقاف الدينية اليوم أو أعلى قليلا، ففي المواجهة العسكرية بين الفرس واليونان عام 490 ق.م. وصل الفيلق الإسبرطي بعد انتهاء المعركة، لأن العراف حظِّر دخول المعركة قبل تمام البدر.

لقد حاول الجابري أن يرفع من شأن العقلانية اليونانية والأوروبية وما بينهما العربية، على حساب تبخيس الحضارات القديمة، وكان مغاليا مجافيا للحقيقة في الحالين. فالحضارات تتكامل ويعضد بعضُها بعضا، هي موصولة تاريخيا، ولكل حضارة لون وطعم وموقع. إنها استمرارية على قول المؤرخ الكبير أندريه بونار Andrew Bonar في مقطع له يلخص وجهة نظر طرابيشي كاملة في هذا الخصوص “لقد كان الشعب اليوناني الذي بنى حضارة من أجمل الحضارات الإنسانية، شعبا بدائيا كغيره من الشعوب” ويقول لمن يدّعي المعجزة اليونانية: “إن مفهوم المعجزة ليس علميا، فهي لا تفسر شيئا بل تستعيض عن التفسير بعلامات التعجب. والحق أن الشعب اليوناني لم يفعل سوى أن طور سيرورة بدأت قبله. لكنه ابتكر المنهج العلمي. ولئن فعل ذلك فلأن الكلدانيين والمصريين وآخرين غيرهم، كانوا قد راكموا قبله كمَّا هائلا من الملاحظات حول الكواكب والأشكال الهندسية. ما أتاح للبحارة أن يهتدوا الى طريقهم وللفلاحين أن يقيسوا حقولهم وأن يحددوا مواقيت أشغالهم”.

لا أخفي أنني من المعجبين بالكاتب الكبير جورج طرابيشي. وأدعو كل الناس الحريصين على توازن أفكارهم، لقراءته. ولا أعتقد أن كاتبا عربيا قدم للحضارة العربية أثمن مما قدم هذا الكاتب الفذ والمتفرد، إذ لا يصبح العقل عقلا إلا معه. فقد أغلق الجابري باب الإجتهاد في الدراسات التراثية. “وما لم يُعَدْ فتح ما أغلقه الأخيرُ ــ يقول طرابيشي ــ فلن تُحرز هذه الدراسات تقدما، ولن تحرزها أيضا عملية تفكير العقل العربي بنفسه انطلاقا من تراثه ومن توسطه التاريخي ما بين العقلين اليوناني القديم والأوروبي الحديث”.

كتابات أخرى للكاتب