كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ”:

نموذج “جونتنامو” ليوسف زيدان!

ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، والتي لا تضفي قيمة للمضمون، عاين كتابتك بعدالانتهاء ولا تستعجل النشر، اكتب كل يوم وتعامل مع الكتابة على محمل الجد،  لا تقلد اسلوب كاتب آخر، واعتبر الكتابة كنوع من التخاطر، لا لزوم للكحول او المخدرات، خض المخاطر ولا تبقى بدائرة الآمان…لا تسهب باعطاء المعلومات، حاول ان تسرد القصص الواقعية (التي تعتبر بمثابة الجهاز العصبي للكتابة الناجحة)، تعمق باتقان فن الوصف، واعتمد البساطة والجاذبية، لا تبالغ بالاهتمام بالوقائع، تجنب الاستطراد والفقرات الطويلة المشتتة، تجنب الادعاء والاصطلاحات والرمزية المبالغ بها لتفادي “الاحساس الزائف بالعمق”، انفصل عن العالم وحول الكتابة لفعالية “حميمية” وتجربة ابداعية، تأكد من “الحفر” بعمق، وعالج الامورالمستعصية، وتعامل مع القصص كالمستحثات، اكتب لذاتك ولتحقيق البهجة وليس طمعا بالجوائز والثناء، لا تضيع وقتك في محاولة ارضاء الناس، واسعى للصدق والصراحة…عبر (بعناد) عن وجة نظرك وقناعاتك، استعد للمزيد من الاخفاقات والمحبطات والمخاطر والطاقة السلبية الجارفة، وكن متفائلا وايجابيا ومكافحا ولا تستسلم بسهولة، اما آخر نصيحة فهي: توقف عن مشاهدة التلفاز أو قلل من ساغات مشاهدته، وبدل ذلك: اقرأ قدر الامكان…اقرأ كثيرا واكتب كثيرا من المسودات والهواجس…أما انا فسأقدم نصيحتين هامتين: اكتب روايتك او قصتك وكأنك تتخيل فيلما سينمائيا مشوقا، وبلغة حافلة بالصور فنحن في عصر “الصورة الناطقة والصامتة”، ثم “ازرع” المفاجآت بنصك الروائي، ومهد لحدوثها!

ولو حاولنا اسقاط هذه النصائح القيمة على واقع الكتابة الراهنة، لوجدنا الكثيرمن الكتاب لا يحفلون بمراعاتها، لذا فمن النادر أن تجد كتابتهم (وخاصة الروائية) الصدى المتوقع لدى القراء (وبعض الكتاب العاشقين للشهرة أصبح مستعجلا ويكتب للحصول على الجوائز  المجزية والمكافآت المالية)، حيث يتسلل الملل للقارىء في حالات كثيرة، لانعدام ما اسميه”البعد الجاذب” بالرواية، فالسرد اما مكرر ووصفي وخطابي ونمطي غير مبتكر، ولا يضيف القيم والمعلومات للقارىء، كما لا يصدمه بمعرفة “نوعية” جديدة، وتفسير فذ للأحداث، كما لا يراعي الوجدان الروحي والبعد الوجودي للقارىء، حيث ينغمس الكاتب بقصصه ونرجسيته متجاهلا الآخرين، كما أن البعض يقحم بنصه الروائي او القصصي المنولوجات الشخصية والهلوسات وعذاباته المتراكمة، ناسيا أن القارىء شخص آخر ربما لا يعنيه كل هذا اللغو والحشو والاستطراد… مركزا نصب عينيه (فقط) للحصول على ثناء النقاد وحصد الجوائز الأدبية “المتكاثرة” هذه الأيام، وكمثال فقد حضرت مؤخرا فيلما ايطاليا شيقا (الجنوب لا شيء) يتحدث عن تداعيات وممارسات المافيا بالجنوب الايطالي، وبشكل هامس ومعبر وبميزانية متواضعة، ودون أن  نشهد قطرة دم واحدة او مشهد عنف حقيقي، والفيلم “الذكي” يتحفنا بلقطات “خلابة” تستحق ان تكون لوحات فنية معلقة، كما يتحدث عن “ثقافة الصمت” التي تزرعها المافيا لتخويف وابتزاز السكان المحليين، وكيف نجحت البطلة المراهقة بالتخلص منها!

وكمثال على الابداع الروائي، اسوق تجربة الروائي والمفكر المصري يوسف زيدان، برواية “جونتنامو” (على سبيل المثال) ، فهو يذهل القارىء “ببحث ذهني مضني” وبمعلومات غريبة وصادمة عن واقع المعتقل الشهير، ويلقي الأضواء على “المعاناة الرهيبة” وشتى الممارسات وردود الأفعال وبطريقة “حيادية” موضوعية، كما يثري المعرفة والوعي بكثرة التفاسير الدينية المدعومة بالنصوص القرآنية، ويكاد يدخل القارىء لدهاليز هذا المعتقل الرهيب، وكأنه يصور فيلما سينمائيا شيقا بكاميرا “فيديو” لا تغفل عن ادق التفاصيل والممارسات الشائنة، ولا يتجاهل الغوص للمشاعر والانفعالات والحسرات والهواجس مهما كانت غريبة وغيرمتوقعة، هكذا تنجر مأخوذا لاكمال الرواية بشغف وفضول… 

تتطرق الرواية لتفاصيل سجن واعتقال شاب سوداني “بريء” في معتقل “جونتنامو” الشهير (لسبع سنوات)، وتتناول جملة أحداث “شيقة” ومواضيع “غير معروفة” وطروحات “غريبة”وجدلية منها: ظروف الحبس الانفرادي، الضرب المميت المسكت، حادثة الانتحار الثلاثي، سر”النابالم” كسلاح سري للسجناء، قصة “محب الحور” التونسي، ممارسات الطالبان: حجب النساء والعبث بالغلمان (باتشابازي)، ممارسات شياطين الانس والجن، قصة “زوبعة” امرأة ابليس الولود، الولد البوسني  ومارد الجن، الأفعال الغرائبية بسورة الكهف: قتل الغلام وخرق السفينة واقامة الجدار…خطب الجمعة وصراعات السجناء مع بعضهم ومع الحراس، فحش الحراس والحارسات وقسوتهم واذلالهم المهين الفاضح للمعتقلين، ممارسات “الزنجية” الفاتنة سالي، ولوج عمود النهار في باطن الليل، فوهة البركان المهتاج، خيانة “مهيرة” وهروبها  مع حارس جزائري، أنفاس المكان، أيام “سارة” الشقراء الجميلة المتفهمة…ثم تفاصيل الاقامة المؤقتة بلندن، ومنحة الأربعين الف دولار! أما الغريب فهو عدم احتواء النص الروائي لأية ممارسات تعذيب خاصة (كما ورد بالاعلام مؤخرا حول قيام وكالة المخابرات الأمريكية باتباع وسائل تعذيب جديدة “غير نمطية “)…فكيف غاب ذلك عن ذهن ومخيلة الكاتب الحاذق؟!