الى  

الخال عبدالله قاسم 

وقد جاور الأسطورة عشرين عاما في قبرص 

كانت المحكمةُ الإلهية تستعرضُ في مصرَ تفاصيلَ القضية، عندما صرخ الإلهُ الأصغرُ في وجه رئيس المحكمة: إنَّ محرابَك فارغٌ. شعرَ الإلهُ الكبير بإهانة بالغة. انسحب واستلقى على ظهره، لتحملَ معه الأرضُ عبءَ الإهانة. كان قلبُه حزينا. كان قلبه حزينا جدا جدا. غرق في مهانته وتصدَّعَ فيها، الى أن وفدتْ إليه أفروديت وتعرَّت أمامه فالتأم صَدْعُه، تحسَّن مزاجُه، واستأنف أعمال المحكمة. أما بغماليون Pygmalion فبقي، بالرغم من فلسفة العري La nudité التي وصفها الدكتور شوقي يوسف على موقع السنابل، حزينا مستلقيا على ظهره. فقد اكتشف أن الجسدَ قليلُ الصقلِ وأن العجلةَ تركت فيه شوائب خلَّفها على جسد النساء خالقون أوائلُ. لينعشَ مخيلة الآلهة ويشحنَ بالإثارة طاقة الرجال، صمم جُرما صغيرا، خزَّن في خرائطِه فكرا خلاقاً، وثروة سحرية من المعرفة النائمة في عروق المادة. رَسْمٌ وتصميمٌ جديدان، أعاد النحات خلقهما في مناجم المرمر. كسَرَ رمَّم وأضاف، كما كسر من بعده مايكل أنجلو “وفنانون كبارُ لا يملكون عملا فنيا يقدمونه للناس، إلا أن يكون متضمنا في الحجر الطبيعي داخل قشرته الزائدة”. رمم بغماليون وأضاف حتى اكتملتِ الأنثى بين أنامله، مرمرا لاءم متعة العين وطموح الهندسة. قليلَ الحرارة كان المرمرُ، لحما ساكنا يشبه العاج. أصلح به النحات عيوب الطبيعة ورتق فجواتِ الجسد ثم عمَّق أسراره حتى لا تتوقف الرغبات. 

شكلٌ هندسي وخطوة، على رأي بيتاغور، تجاوز بهما النحاتُ عتمة المعارف التي رواها مسلمُ والبخاري في الصحيحين عندما زعما “أن من صوِّر صورة، كُلِّفَ يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ”. تجاوز بغماليون وعيدَ الرواية الدينية إلى فضاء إقليدس، حيث يتكوَّن في الفضاء المفتوح مشروع يشبه “طريق الأصول”،  الكتاب الذي قرأه بطليموس واستعصى عليه فهمه، فقال أقليدس متأسفا على قصور الفهم:  لا طريقَ ملكيَ للهندسة. 

اختمر “طريقُ الأصول” في صدر نحات فريد، فأثمر تمثالاَ راح يغمره بالهدايا التي تفرح النساء، أزهارا وأصدافا وعقودا براقة من الكهرمان، الذي ذرفته أخواتُ فايتون Phaéthon حَزَنَا عليه. هدايا تليق بالكائن المحتمل الخارج من عذابات الصخر.

أفروديت تُستقبل في عيدها على شاطيء قبرص الساحر، كما استُقبِلت أوّل مرة. بَخُورٌ يملأ الجزيرة. بحرٌ يزخر بزبد الميلاد. وأشجار الآس تُظلِلُ دُوريا ونحاتا يحتفلان بعيدها. 

كان التمثال في صحنه جميلا، أجملَ مما كان. قبَّله بغماليون وتراجع مذهولا. دفقاتٌ من النبض تجري في المرمر الصلْد، وحرارةٌ تَسْري فيه تقاربُ حرارة الشمع الذائب تحت الشمس. ثمة إذاً من دخل الحياة تواً. هذا لا ريبَ عملُ أفروديت وقد كشفت سرائر القلب. طوّقه بذراعيه، متلمساً مادة رغباته. فعلت الحُمرةُ وجه سيدة دعاها غلاتييه، كان قد أنجز خرائطها تحت الشمس، وعزَّزها بالإضافات، ثم كان من نفخ فيها دون أن يهدد أمن البيولوجيا وسلامة النوع. خارج عن الحظيرة والسَّرب، يملك إزميلا وذاكرتين، واحدةً ثاقبة تعمل تحت الضوء، وثانيةً متوترة تخطط في صمت الليل، تعشق مناطق الخطر ومخاطر الجموح. 

ليشحن بالإثارة طاقة الرجال، أضاف للنوع تقنياتٍ جديدةً، وقيما لم تكن في النساء، قيما ذاتَ حمولةٍ زائدةٍ مطعّمةً بروح الفلسفة، جعلت مفاصل الجسد لينة مطواعة كمفاصل الكلمات المسكونة بحروف المدِّ واللين. أضاف النحات وآلف بين المشاهد المتنافرة، فتجاوب  المرمر مع الدراسات الحالمة، وركن الى من هندس المسارب وعدَّل دلالة المواقع فيه. أقرَّت أفروديت براءةَ التعديلاتِ الجديدة المتماهية مع الطبيعة في انتشائها وقداستها. مدّت غلاتييه بالحرارة، وضَمِنتْ لها خصوبة رحمٍ ناريٍ صُنع من مرمر أبيض، أنجب بافوس Paphos كما تُنجِبُ أرحامُ الطين اللازب، وكان التاليَ والدائمَ بالحضور، غيَّر بغماليون موقعَه بين الساقين، ورفعه قليلا نحو السُّرَّة ليتفرَّد الإنسان بامتياز الحب وجها لوجه. رفعه في البدايات التي لم تعرف المحظور و “عمَّقه في الداخل حتى لا يُقبضَ عليه ولا يُحاز” ثم عدد وظائفه التي تأخذ كل ليلٍ إسما. 

وكرَّتِ القرون، مئات القرون. وتعززت المهاراتُ الفنية لمدارس النحت، حتى وصل اليَّ ذات يوم وأنا في ربيعي العشرين، حجرٌ ضاقت عليه قشورُه. مضارعا صيَّرتُه بين يديَّ، أو خلتُه ــ على رأي أمٍ حكيمة لم تُحسن وفادته ــ مكافئا لما أنجز النحاتُ الفرنسي أوغست رودان Auguste rodin في تمثاله ” المفكر ” le penseur وفي أعماله المطلة بكمالها من المتحف الباريسي، ولما أنجز بغماليون في أساطيره المقصية المؤولة وغيرِ المؤولة. شركاءَ كنا في الزخرفة والهندسة والمجاز بهم سويا عزَّزنا وظيفة الجسد الذي يصنع أدبا يرشح دوماً بمعانيه.

كتابات أخرى للكاتب