وهم السعادة

بواسطة | 21 مايو 2020 | مقالات | 3 تعليقات

لا يعيش الإنسان الا بالأمل في شيء ما يمنح لوجوده معنى، فما إن تعي الذات ذاتها حتى يغمرها التمني و يجدبها سحر تجرية الحياة الواعدة بكثير من النعم وقليل من البؤس ، على هذا الوهم يعيش الكائن البشري ويحيى في مواجهة غير متكافئة مع حقيقة الموت، اليقين الوحيد الذي تفرضه الطبيعة وتسلم به الذات كرها، اذ ان وعي الذات لا يقف عند هذا التمني بل يستدعي سؤال الوجود في نفس اللحظة سؤال المعنى بين الكينونة و العدم ، مما سيخلق عند الفرد توترا داخليا قد ينسف توازنه النفسي و يفقده الرغبة في ارادة الحياة عند أول رزية قد تصيبه اثناء تجربته المعيشية ،هذا ما يجعلنا نتأمل نحن البشر بحيرة فكرة الحياة ونتملى حقيقة الزمن الذي تعيش فيه الذات بين (الكون-العدم). فهل يمكننا ان نقول في خضم هذا التمزق و الشتات أن السعادة وهم نسينا انه كذلك ؟

اعني بوهم السعادة تجربة الإنسان المحايثة للمعيش ،التي تشده شدا لهذه الحياة وتَحُثُّ الذات على قبول الاستمرارية والمواجهة العفوية لفكرة الموت ، او كما يقول ج.ج. روسو في كتاب اصل التفاوت بين الناس ” ان حب السعادة هو المحرك الوحيد للأفعال الانسانية “.

لم يتمثل الأب الأول (ادم) السعادة في الحس في اللذة و الشهوة ، كالاستمتاع بخيرات الجنة ومؤانسة الانثى (حواء)، بل كان معنى السعادة عنده في شيء اخر ، إنه المعرفة المطلقة من جهة و الانتصار على الموت من جهة اخرى يقول تعالى ِ “فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ” (“سورة الاعراف الآية 21- 22 ) ..

بهذا المعنى الأصيل للسعادة قد يخيب املنا اليوم ونحن نتحسسها في غير مكانها ، وفي غير ما كان الأب الأول يتشوقها .

حقيقة الموت تباغتنا في كل حين ظلت كالغراب كصخرة سيزيف تلاحقنا جيل بعد جيل تجهض هذا المطلب، لكن يبقى وهم السعادة محرك من جنس شيطاني لا يفتأ يفارقنا، باعتبار الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي الوجود ويفهم حقيقته المؤلمة ، لهذا يخلق لأجل تبديد الخوف والتحايل على هذا المنقلب (الموت) تصورات ومعتقدات متعددة ( كالأديان ، السحر ، الاسطورة ، الفلسفة ،العلم… )إنه فضول لأجل المعرفة وارادة الخلود والتملك.

طيف السعادة اذن رغم الفشل المعلن ظل ملاحق للإنسان عبر الزمن ،لكن بصور مزيفة مشوهة حيث اصبح المفهوم عند الجمهور يحيل على الجسد و اللذة الحسية التي تحفزها فيه المخيلة ليستحيل كل من المال ، الحب، النجاح، الانتصار، الشغل ، الملكية الخاصة وغيرها من العوارض نوعا من انواع السعادة التي تقوم بشكل متعسف مقام السعادة الاصيلة هذا ما سيتنبه له الخاصة من الناس (الانبياء- الحكماء- الفلاسفة – العلماء…) بالكشف عن زيفها و سرعة تبددها في الزمن هذا التلون الماكر للسعادة اللحظية سيقابل بنباهة الوعي الانساني الذي يرفض الوهم و لا يقبل الا الحقيقة .

يؤكد الانبياء من خلال الاديان أن السعادة حقيقة ضيعها الانسان هناك (الجنة)وانه لا سبيل اليها هنا (الدنيا) الا بالعودة الى هناك و الانفصال عن الجسد ا الفان الذي يعيش على الخطايا و الالم، لفسبيل السعادة هو بتطهير النفس من الهوى و الاعتراف بالنقص امام الخالق الذي سيمنح السعادة الدائمة او يمنعها لكن بعد الموت .

اما الفلاسفة فقد ارهقهم البحث في السعادة وطريق تحصيلها بين من يتنصر للفرد و يعتبره هو القادر على تحقيق سعادة فردية ذاتية من خلال الـتأمل العقلي و السمو الروحي ، و هناك من يعتقد بها في الجماعة “المدينة او الدولة “فلا سعادة خارج الجماعة .

يؤكد ارسطو في” الأخلاق الى نيكوماخوس” أن السعادة هي فعل يتطلب الجهد والمثابرة وليست ملكة فطرية، بل هي غاية في ذاتها وكل ما عداها من أفعال ليس سوى وسيلة لتحقيقها، وذلك لأن السعادة تطلب لذاتها ولا توجد غاية أسمى منها. ما دامت السعادة مطلوبة لذاتها فإنها تصبح مرادفة للفضيلة التي يحددها “أرسطو” في الحكمة والاعتدال، الأمر الذي يجعل السعادة رهينة بتحكم العقل والإرادة لكونها لا تتحقق إلا في إطار الفضيلة التي هي جد واجتهاد بدل أن تكون لهوا ومتعة .

اما الفيلسوف الالماني امانويل كانط فيعتبر ان السعادة هي مجرد مثل اعلى للخيال و ليست مفهوما قابلا لصياغة عقلية تسمح لنا بتمثل صوري لها ” ذلك ان السعادة هي مثل Idéal أعلى ، لا للعقل بل للخيال ..” اسس ميتافيزيقا الاخلاق.

تتعد التصورات و يبقى المطلب السعادة بعيدا عن متناول البشري باعتباره متبدد في الزمن لحظي يستحيل من المرغوب بشغف الى العادي من المثير الى المُمِلّ فتعاود الانسان نفس الرغبة في السعادة وكأنه لم يتصل بها يوما ، انها طبيعة البشري المتوغلة في متناقضات لا نهاية لها .

يحكى عن العالم الفيزيائي أينشتاين الذي نصح بالبحت عن السعادة في الحياة البسيطة المتواضعة التي تجلب الطمأنينة و الهدوء.

اذا كان البحث عن السعادة الدنيوية قد اثبت التجربة استحالتها ، فربما يمكن الاعتقاد بصعوبة القبض على السعادة حتى بعد الموت من خلال التصور الذي يقدمه الدين عنها اذ ان الجنة الدائمة قد تنقلب نارا دون حضور نوع من الشقاء و العذاب -جدلية الحضور و الغياب بين الشقاء و السعادة – الذي يعطي لها معنى ، هنا استحضر اشارة رائعة لأيمن العثوم لهذا التصور في روايته ” تسعة عشر” صعوبة تحصيل السعادة هناك بالبرزخ رغم الوعد بالجنة لأن الملل و العادة تضيع للذة و تبدد السعادة فيستحيل موضوع سعادة موضوعا للشقاء .

تجربة السعادة اذن تتبد ى كوهم يجري خلفه البشري من أجل اضفاء المعنى على المعيش ومواجهة فكرة الموت المصير المؤلم، الذي يجعل كل فعل و غاية مجرد عبث ،ما دمنا فقط مقذوفات في الوجود يبتلعها الزمن و تتلاشى كالغبار تذره الرياح كحلا لعين الشمس فيستحل هباء وكان شيء لم يكن، لننظر كأفراد الى الماضي في تجربتنا الشخصية بكل الآمال و الألآم الافراح والاحزان النجاح و الفشل… سنجد ان العمر مجرد لحظة حضور ، السعادة فيها كالشقاء متحدين وكأنهما وجهان لعملة واحدة لا معنى لأحدهما دون حضور الاخر.

ربما تمكن الانسان كجنس متفوق من تحقيق ما كان يسعى اليه الاب الاول ادم وهو الخلود بمعنى من المعاني كأسماء و احداث ، من خلال البيان (اللغة )التي هي ذاكرة الذاكرة و هي وعي والوعي بالوجود بحيث اصبحت هي صانعة المعنى المشترك للبشر و حمالة ترياق الخلود كروح و عقل يسكن التاريخ ويلاحق طيف السعادة ، فيكون الانسان عظيما بفكره رغم هشاشته كجسد.

جواد كوفي استاذ لمادة الفلسفة و الفكر الاسلامي

3 تعليقات

  1. إبراهيم يوسف

    “من حدود الأمس يا حلماً
    زارني طيراً.. على غُصُنِ

    أيُّ وهمٍ أنتَ عشتُ به…؟
    كنتَ في البالِ.. ولم تكنِ”

    https://www.youtube.com/watch?v=q5F2cIG-oX0

    كان روسو يغادر منزله
    وهو في عجلة من أمره
    حينما استوقفه خادمه
    وراح يطرح عليه فيضا
    من الأسئلة
    عن الكينونة والوجود…. والقدر
    وماهية الحب والحياة والموت

    وكأني بروسو يضيق بالأسئلة
    ويقول لخادمه بمودة وعتب

    دعك من أرسطو وكانط
    وباسكال ونيتشيه وفولتير وروسو
    وابن رشد، وابن طفيل.. والفارابي
    هؤلاء عقَّدوا وداعة الحب في قلوبنا

    ويطلب من خادمه برفق أن يتوجه
    للحديقة ليزرعها خضارا
    فهم أشد حاجة للخبز…. والطعام

    ما دمت مؤمنا يا صديقي؟
    فينبغي أن تكون
    سعيدا بهذا الوهم… الجميل
    لأنك لن تصل بنا
    إلى مطرح نهائي نستقر فيه

    وهذه بطبيعة الحال
    وجهة نظري ورأي.. وحسب

    كل عام وأنتم بعافية.. وخير

    .

    الرد
  2. إبراهيم يوسف

    وإلى جانب الطعام بحاجة
    لمن يساعدنا كيف نتخلص
    من كوفيد 19
    لتعاودنا السكينة والهدوء

    الرد
  3. جواد .ك

    نعم و مجرد تصور ومعتقد قد نجد فيه نوع من العزاء او ربما بلسم لما يعيشه الانسان من تمزق و تشتت بين الفرح و الحزن ;بين المعنى والعبت..تحية لك ذ ابراهيم على هذا المرور العطر ..عيدك فرحة مستمرة.

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.