وسطى الأباخس

بواسطة | 13 يناير 2019 | قصص قصيرة | 4 تعليقات

(القصة القصيرة مبنية على انفجار الشيء المكشوف)

عبد الله العروي


وصلت الرسالة المشفرة –العاجلة- إلى المكتب الخاص:”توصلنا برسالة مجهولة العنوان و المصدر، تحمل عبارة :

إليكم مني وسطى الأباخس.انتهى!!

وتوالت البرقيات المشفرة السريعة …توصلنا بصورة من جهة مجهولة تحمل إشارة غامضة!

توصلنا بـ…..

نظمت حملة واسعة للبحث عن مصدر الرسائل، شعر الجميع بصعوبة المهمة الجديدة،..فالرسالة الغامضة، والجهة الموجهة إليها مهمة: رئيس المجلس البلدي، برلماني، رئيس حزب، مدير مؤسسة، رجل أعمال، نقابي كبير وزير مهم، عميل محلي، مقدم ، مثقف أكاديمي رسمي معروف، مسئول رياضي كبير، رجل سلطة من الوزن الثقيل…

–       إنها تمس كل فعاليات المجتمع…عليكم بوضع حد لهذه المهزلة! ..

–       قيل لهم بزمجرة! .

جلس هو في ركن المقهى الذي خاصمه منذ مدة، في محاولة منه للتخلص من آفة السكن في المقاهي !

وحاول  ألا يفكر في أي شيء ! لكن هيهات فهذا المخ اللعين لن يدعه يهنأ ولو بثانية واحدة من السلم!

شغله حاله الفاقد لأي لون أو طعم! و أصبح عاجزا عن كتابة سطر واحد فكر: سأتصالح مع هذا الركن(المعنكب) بمحاولة كتابة شيء ما.طلب من النادل ورقة واخرج قلما كان يحمله ليملأ به شبكة الكلمات المتقاطعة وشرع يكتب:

((قال لي في وصيته الصوتية، التي تركها قبل رحيله عن هذه الأرض : أنت تسمعني الآن، وأنا بعيد عنك..لم اترك لك ثروة و لا عقارا..تركت لك كلمات أحبها..خذها..املأ بها صمت فضائك!:”الانتهازيون..لهم منك..وسطى الأباخس..السطحيون لهم مني وسطى الأباخس”!…..))

وفكر: لعل العنوان المناسب هو “وسطى الأباخس” عنوان غامض..فيه طعم الغواية و الاستفزاز وتابع الكتابة:

“ابتسمت لكلماتك-أيها الغائب-إنها جميلة وتخيلت نفسي أسير في الشارع و أنا أصيح في وجه الجميع :” لكم مني وسطى الأباخس…” و الناس يهرولون هاربين من وسطاي المشهرة في وجه مؤخراتهم..* تتحول ابتسامتي إلى قهقهات مسموعة  تثير انتباه المنتشرين حولي..وأتخيل أصحاب الكراسي الوثيرة، يكتشفون في ذلك الصباح وسطى الأباخس تنتظرهم  فوق كراسيهم، مما ينتج عنه أزمة وطنية سببها انتهاك حرمات كبار القوم! و ستطارد وسطى الأباخس و يلقى عليها القبض بتهمة الإخلال بالأمن النفسي لأناس مهمين جدا في الجغرافية المحلية،و سيحكم عليها بالشنق وهو شنق بالمنشار—أف—أي أحس بالألم في وسطى أباخسي، أتحسسها فإذا هي بخير..وكأنها تقول لي: أنا لهم بالمرصاد..ولن يستطيعوا بثري، فأنا نبتة في كل أجسام الشعب…..”!

أرسل نصه إلى جريدة وطنية، فنشرته له في غضون أسبوع واحد ..وكان جد محظوظ ! ! مع تنويه يقول فيه المحرر:”هذا نص أزعم أنه مختلف..في استفزازه طعم لطيف! و الحقيقة أنه لم يكن لا محظوظا و لا طعم نصه مختلفا..بل كان علقما كما سنرى فيما بعد…

لم يطلع هو بعد على نصه المنشور، فقد زاره ضيوف الليل البهيم، وحملوه إلى حيث استضافوه، محققين معه حول موضوع الرسالة المجهولة، فقال لهم:”لست الوحيد الذي يمتلك وسطى الأباخس..ولكن لن ابخل عليكم بها، فإليكم مني وسطى الأباخس… ” فأدموا أنفه !بعطف شديد..

وخلال الأيام التالية كان الناس يمشون في جنازة  رجل قيل انه مات مقتولا ! يلفهم الصمت وهم رافعين وسطى الاباخس…. 

الأستاذ عبد الجليل لعميري – المغرب

4 تعليقات

  1. دينا تلحمي

    الأستاذ القدير عبدالجليل لعميري

    ماذا تقول ..؟
    عندما ترى صورة مرعبة ومؤلمة ، لمعلم يمني يقوم بواجبه في تدريس طلابه رغم حالته الصعبة و المرثية ، يقف أمام طلابه حافي القدمين ولسان حاله يقول :” يا أبنائي لقد ظلمونا حقنا من تولوا أمرنا ، ولن نكون بقدر سوئهم ولا بمستوى انعدام ضمائرهم في حرمانكم من التعليم ، فاعذروني إن كنت أمامكم بلا أحذية ، فقد سرقوا لقمة عيشي ، وعيش أطفالي قبل أن يسرقوا أحذيتي ..”

    تقابلها صورة أخرى لأطفال في مخيمات النازحين والشتات ، يرتجفون من البرد
    ويتخذون بضع ألواح خشب يتكومون حولها متوسلين أن يدخل الدفء لأجسادهم
    العارية ..وما الجرم الذي ارتكبوه سوى أنهم ولدوا في أرض ليست لهم ، ويتحملون أوزار
    حكومات وسياسات لعينة ..

    وشكراً لك

    الرد
    • عبدالجليل لعميري

      الاستاذة دينا مودتي…سؤال حارق يعري حالنا المكسور…ماسينا كثيرة وكبيرة …والابداع شهادة حزينة على هذا الواقع المؤلم…شكرا

      الرد
      • إبراهيم يوسف

        أربكني التعقيب على العنوان
        فما بالك بالتفاصيل..!؟

        هذا المصطلح يستحق
        أن يتحول إلى قَضِيَّة..!
        تلامس مفاعيل نكد هذه الأمة

        هكذا آثرت أن أقول مافي نفسي
        بلا اختصار.. أو تقتير

        أرجو أن أنشر نصا
        بهذا المعنى في القريب

        الرد
  2. عبدالجليل لعميري

    استاذي الكريم سي يوسف…تفاعلك نص اخر يحرضني على المزيد من الابداع…انتظر جديدك المبهر…

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.