وداعا يابيتي الحبيب

بواسطة | 30 مايو 2019 | فنون و سينما | 8 تعليقات

وداعا يابيتي الحبيب(1999):

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/en/b/b7/Farewell,_Home_Sweet_Home_(Adieu,_plancher_des_vaches!).jpg

عبثية تبادل الأدوار وسكينة تقبل المصائر!

أعجبني هذا الفيلم الفرنسي الكوميدي القديم ، الساخروالجاد بآن واحد، وهو يتحدث عن شاب غني يقرر أن يغامر لمعرفة خفايا حياة التشرد والفقر والجريمة بالحي الباريسي المجاور (بلانشيه ديفاشيه)، فالبطل هنا  نيكولاس (ويقوم بالدور الممثل نيكوتاريلا شفيلي)، الذي يعتبر الابن الأكبر لعائلة ثرية مفككة، تديرها والدته الثرية ليلي لافينا، وهي صاحبة اعمال ناجحة ولديها جدول انشغال دائم، وتستخدم مروحة خاصة لتنقلاتها ولعقد الصفقات، أما والده فهو عجوز متقاعد مهمش، حيث يلعب الدور المخرج  الجورجي الأصل اوتار يوسيلياني (الذي هاجر لفرنسا بسبعينات القزن الفائت، وهو نفسه كاتب السيناريو)، ويبدو في الشريط كمدمن على النبيذ، يعيش منعزلا بغرفة باذخة معزولة داخل القصر، ويهوي اللعب بنماذج القطارات الحديثة، التي تدور دوما بلا هدف فوق طاولة واسعة مخصصة لها، كما أنه يملك كلبا لطيفا،  ويبدو وديا خفيف الظل ومسالم مطيع وراض بحياته، ويمارس بشغف رياضة القنص “الوهمية” على أطراف الحديقة المجاورة للقصر بالتعاون مع خادم ظريف طويل غريب الشكل والأطوار …ويبدو ضعيف الشخصية أمام هيمنة زوجته المتنفذة، التي تحشره أحيانا بغرفته لكي لا يلتقي بأصدقائها الكثر ، وكأنها تخجل منه!

يظهر ابنه نيكولاس وكأنه يملك مشاعر متضاربة حول نمط حياة اسرته الباذخ وطبيعتها المفككة،  ويظهر كمتمرد ورافض لذلك، لذا فهو يصادق شحاذا مشردا، كما أنه يعمل بكد بمقهى، ويغسل الأطباق  وينظف النوافذ بمطعم مجاور، محاولا ان يجذب انتباه ابنة صاحب المقهى، التي تفضل عليه شابا آخر مزيف يدعي الغنى والثراء،  ويلبس ملابس باذخة يلتقطها خلسة من حاويات الشوارع، ويقود دراجة نارية ثمينة مستعارة، يتنقل بها بأنحاء باريس، والشابان لا يعرفان بعضهما وان كان يلتقيان أحيانا بالصدفة!

وبليلة ما ينجح الشاب الثري بايواء جماعة من المشردين المدمنين على الكحول، ويدخلهم خلسة لقبو النبيذ الفاخر الخاص بعائلته، وينضم والده الفوضوي المدمن بدوره للجماعة، كما يتصادق مع عجوز مشرد يهوي الغناء والشرب…لكن تبعات صداقة “نيك” مع الطبقة السفلى ذات الأسبقيات تقوده بطبيعة الحال للشبهة والسجن، وخاصة عندما يتورط معهم بسرقة بقالة بالجوار، ويخرج من السجن يائسا وساخطا، وشاعرا ربما انه لا ينسجم حقيقة مع هؤلاء ونمط حياتهم المشرد البائس الاجرامي، مقدرا أخيرا حقيقة كونه ينتمي لاسرة موسرة راقية…ثم  تهب بمشاهد الفيلم الأخيرة رياح الحرية والانطلاق: فالأب العجوز المهمش المدمن يهرب أخيرا من عزلته ويلتحق بصديقه المدمن العجوز بقارب ينطلق بنهر السين الباريسي، والابن يعود تائبا للقصر بعد أن مر بتجربة مريرة، كذلك تتحرر خادمة الاسرة من التجبر وبؤس الخدمة بالقصر، وتنطلق لتعيش بحرية لتمارس هواية تسلق الجبال مع صديقتها، وكذلك نرى الشاب الأسود الذي كان يعمل “حمالا” وقد تحرر أخيرا من بؤس عمله اليومي المضني، كما تدعو الام الثرية المهيمنة صديقها وعشيقها رجل الأعمال الثري ليعيش معها علنا بالقصر، وحتى طائر اللقلق الكبير الطريف الذي تتباهى الام باقتناءه وتعرضه طليقا بحفلاتها الباذخة، نراه مستكينا يعود للعيش بقفص كبير، أما الابن “بطل القصة” فيبدو على غيرما توقعنا، وكأنه يستنسخ مكررا دور والده المدمن، وقد اقتنع أخيرا بحياته ومصيره كشاب ثري لا يحتاج ربما للعمل والكد، كما نرى الخادم الطويل “غريب الأطوار” يعود فيكرر باخلاص دوره بتفاني وشغف مع الابن، ويبدو وكأنه الشخص الوحيد الذي لم يتغير!

ثيمتان متوازيتان ومتناقضتان!

http://www.movie-film-review.com/files/images/filmimages/FarewellHSH.jpg

صمم المخرج فيلمه اللافت هذ بطريقة “هندسية”، فلجأ لثيمتين متوازيتين ومتناقضتين، وقد شكل حولهما محور الأحداث ببراعة وتمكن، وتقع الاولى ببداية الشريط، وتتحدث عن تبادل الأدوار، حيث تبدو معظم الشخصيات الرئيسة وكأنها غير راضية عن نمط حياتها وتحاول الهروب  من مصيرها، ثم تعود بشكل متواز بنهاية الشريط لتعيش حياتها المقدرة لها بحرية ورغبة وشغف، وربما يخلص كاتب السيناريو (وهو هنا نفس المخرج) لمغزى فلسفي سرمدي مفاده “أنه لا جدوى حقيقة من افتعال الأحداث وتبادل الأدوار وتزييف الحقائق”! فالأهم هو أن يعيش الانسان حياته المقدرة له،  وأن يتقبل مصيره المتاح له، وأن ينسجم مع توجهاته ونمط انتمائه “”الطبقي والثقافي”، وربما لن يلقى مثل هذا الطرح الجرىء اعجاب المفكرين الماركسيين، لأنه يتناقض مع طروحاتهم بتغيير المجتمعات تبعا للرؤيا “الطبقية” الصارمة، وربما اشتق المخرج أفكاره هذه لكونه “جورجي الأصل” وعاش فترة من حياته بكنف “الاتحاد السوفيتي” البائد، وأنا هنا لست بصدد مناقشة جدية طرحه،  لكنه نجح بالتأكيد بعرضه الشيق الممتع لقصص حية واقعية تدور أحداثها بحي باريسي يعج بالحياة والتناقضات والمفارقات، وأدخلنا باجواء طريفة وكو ميدية ساخرة عديدة، ومنه المشهد السريالي الجميل الذي استهل به فيلمه والذي تضمن المرأة الثرية وهي ترقص بغرابة وانسجام مع طائر اللقلق الكبير المطيع، وبالرغم من انقضاء عقد ونصف على تقديم هذا الفيلم الجميل، الا انه يبدو بطروحاته وأحداثه عصريا بكل معنى الكلمة!

https://encrypted-tbn0.gstatic.com/images?q=tbn:ANd9GcSmYcmRbiTgXrBqnSVfQk64IrDZM1LDRESev0hjVTwBlUgmXAiwXg
م. مهند النابلسي كاتب وباحث وناقد سينمائي جرىء وموضوعي وهو "اردني من أصل فلسطيني" وعضو رابطة الكتاب الاردنيين والاتحاد العربي لكتاب الانترنت. عمان – الاردن Mmman98@hotmail.com

8 تعليقات

  1. مهند النابلسي

    هذا الفيلم يدخلنا لمتعة معاينة تناقضات الحياة الباريسية “حلوها ومرها” وأنصح بقراءته لجميع اللذين زاروا باريس وعاشوا فيها …

    الرد
  2. عبدالجليل لعميري

    شكرا أستاذ مهند على هذه الرحلة الشيقة في عالم الحياة الباريسية. …وعلى المعرفة القيمة التي قدمتها لنا. …وشكرا للسنابل التي عرفتنا عليك. .محبتي وتقديري. ..

    الرد
  3. دينا تلحمي

    الأستاذ القدير مهند النابلسي

    لا يمكن لبذور السعادة أن تنبت في أرض قاحلة ، ولا يمكن لأرواحنا أن تتراقص وتتفاعل مع الحب والجمال وهي مكبلة بقيود العادات والدين والدمار والفساد الذي يعم مجتمعاتنا ،
    هذه فرنسا يا صديقي … بلاد الحب والرومانسية والطبيعة الساحرة ! ورغم منغصات الحياة فيها ، إلاأنهم يملكون طبيعة إيجابية ومتفائلة على مواجهة مشاكل الحياة بكل تناقضاتها بتفتح وتفكير عميق وتفاؤل بأن القادم أفضل ..!

    كل الشكر والإمتنان لك ..وكل عام وحضرتك بألف خير
    وعيد مبارك وسعيد لأسرة السنابل
    مع خالص الود

    الرد
  4. مهند النابلسي

    عظيم الشكر وخالص الامتنان للصديقين المبدعين عبد الجليل ودينا تلحمي لتعليقهما الذكي المشجع، أما دينا الرائعة فقد اضفت لمقالتي السينمائية قيمة تحليلية فريدة ذات مدلول غابت عن ذهني وفيها سر جاذبية القصة الباريسية المعبرة…وانتظر بفارغ الصبر مداخلة استاذنا الفذ العبقري ابراهيم يوسف ليضفي على الموضوع جانبا نيرا من تجاربه الباريسية العديدة…وبهذا الثالوث الابداعي اكتفي وربما لا أطمح بالمزيد وكل عام وجميعكم مع هيئة التحرير الموقرة بخير وعافية ومزيدا من الابداع…

    الرد
  5. إبراهيم يوسف

    حاضر يا سي مهند.. حاضر بقلبي وعقلي وعلى راسي من فوق.. الفوق.”لو كان قلبي معي..؟ ما اخترتُ غيرَكمُ*** ولا رضيتُ سِوَاكُمْ في الهَوى بدَلا – لكنهُ راغبٌ فيمنْ يعذّبه*** فليسَ يقبل لا لومًا ولا عذلا”.

    https://www.youtube.com/watch?v=-oKoNt0_2xA

    من يصدق يا مهند يا فارس الأفلام والمسرح، والكتب “الدسمة” تختارها بعناية من حين إلى آخر، أن عنترة يقول شعرا بهذه الرقة..!؟ هكذا وقع اختياري على الغزل التقليدي أبدأ به تعليقي، كما كانت الحال في فاتحة قصائد الماضي المجيد. لكنني أود الإشارة قبل كل شيء، أن التعليق لا ينبغي أن يقل شأنا عن الموضوع.

    أما حسرتك على فرنسية لم تتعلمها..؟ حينما تناولت بتعليقٍ لا يخلو من جفاء، قصيدة فرنسية لميسون. فأنا مثلك أشعر بتقصيري عن د. شوقي وعن ميسون، وعن كفاءتك بالإنكليزية، وتجليك في الحديث عن السينما.

    لعل الزمن يا صديقي لم يتجاوزك بعد..؟ ففي الإرساليات الفرنسية دورات لا تتوقف، وذهنك لم يزل متوقدا وصافيا.. والتعرف على مختلف الأدباء الفرنسيين، يستحق منك هذه التضحية بالوقت والمجهود.

    ومن جانب السينما..؟ لعلي شاهدت عملا سينمائيا مشابها على أطراف الماضي البعيد. تتولى “بطولته” فتاة أرستقراطية، تتشرد ليوم وليلة.. فتعيش تجربة في الشوارع، بين الناس البسطاء والفقراء والغلابى المنكودين.

    وتعود بعد تجربتها بذخيرة ترافقها في محطات حياتها لوقت طويل. لو قيض لي أن أرى الفيلم مرة أخرى؟ لأمكنني ربما أن أنافسك في الكتابة عن السينما. لكنني أشهد بالحق أنني شعرت بمتعة قراءتك المقتضبة القديرة.

    وفي إشارتك إلى الماركسيين فقد نكأت الجرح المقروح..؟ هؤلاء باتوا يتحركون بمفاصل رأسمالية، وجثمان لينين الذي يحتاج إلى ترميمٍ دوريٍّ يكلِّفُ مالا..؟ أتى مرة من يفاوض على شرائه..! “يا للعار يلحق بالمُعَلِّمين”.

    لكن قبل أن يرحل الرفيق لينين..؟ كان يبدو تائها مُشَرَّدَ العينين وغائبا عن الدنيا..! لعله كان نادما في أعماقه ويشعر بالحيف على ما بذل..؟ لا تستغرب يا صديقي أن يأتي يوم تسمع فيه، أن جمعية في قلب أميركا تدعو للرفق بحال الشيوعيين..! أمَّا أحد الأخوة من طائفة الشيوعيين المراهقين بقربي ..؟ فسبقه لسانه حينما مدحتُ أناقة بذلته، وأخبرني أنه دفع ثمنها عدا ونقدا غاليا بالدولار الأميركاني.. تماما كإخوتنا في “حركة المحرومين”.

    وكان في الحي حيثما نقطن في الضاحية الجنوبية، تعاونية للتموين يديرها الاتحاد العمالي العام.. ويعمل فيها مستخدمون يشتغلون أيام العطل والأعياد.. ويتواصل عملهم حتى ساعات متأخرة من الليل. ثم يتقاضون رواتب هزيلة لا تتعدى الحد الأدنى للأجور؛ لا تكفي حاجاتهم الضرورية ولا يقبل بها من يتمتع بهيئة الآدميين.

    وعلى المستوى المحلي..؟ فإن “المعتَّر” الدكتور بشارة الأسمر.. زلّ لسانه فضجت الدنيا بما قال، حينما استخف به الطرب وأساء لمثلث الرحمات غبطة البطرك..! وعندي في مجال مختلف آخر ما يدينني؛ لو قلته..؟ أكثر.. فأتورط كما فعل أخوك بشارة الأسمر..! لو كان بشارة مسلما..؟ لكانت الطامة أدهى وأخطر.. فتصور!

    أرأيت إلى أين أوْصَلَتْني.. يا اسطى مهند بن الأسمر..!؟ حرقوا دين الاتحاد العمالي العام فتفرفط .. وتبعثر. وبعد ذلك تطالبني أن أنبحَ على القمر..! وأعلِّق على ما تكتب، لتورطني بطول اللسان أكثر.. وأكثر.

    https://www.youtube.com/watch?v=fttZWBLh-9k

    الرد
  6. مهند النابلسي

    وبهذه الكتابة القيمة الخلابة نطوي صفحة التعليقات فلا أحد يستطيع ان يعطي بعدا شيقا سرديا “نوستولوجيا” جميلا لمقالاتي السينمائية مثل هذا الأديب الاستثنائي ابراهيم يوسف…ان كتابته تصطاد أحسن ما في الكتابة وتبلوره وتقدمه كحلوى سيريالية!

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      “إخواننا بالله في داعش أرهبوا رواد اللوڤر بالأمس” في نص أخينا عبد الجليل، حيث توجد إحدى مسلات العهد السومري من العراق القديم، وعليها حفرت أقدم شرائع البشر في التاريخ، ومنها عقوبة إحراق الحقول.

      وها هم اليوم يحرقون حقول القمح في ديالى ونينوى، ويستبيحون دماءنا في طرابلس. فهل يصح أن يكون الصباح خيرا والعيد سعيدا..!!؟ أتعبَتني والله صداقتك يا ابن النابلسي يا مهند… ولا أنفك أشكو لك ما يتعبني.

      الرد
  7. مهند النابلسي

    كلينتون ما غيرها اعترفت جهارا بكتابها وتصريحاتها بأنهم خلقوا الدواعش بالتعاون مع الاخوان المسلمين! وما زلنا نتخبط ونحزر من اين اتى هؤلاء الشياطين الخوارج الملاعين؟!

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.