موت ستالين

بواسطة | 23 فبراير 2018 | فنون و سينما | 4 تعليقات

سخرية “سياسية” شائنة فريدة من نوعها:

فعندما يسقط الدكتاتور الطاغية “جوزيف ستالين” ميتا، يتأجج صراع قوي لا يرحم على السلطة بين زملاءه المقربين وهم الثلاثة تحديدا: دويبي جورجي مالينكوف (جيفري تامبور)،  نيكيتا خروتشوف (ستيف بوسيمي)، ورئيس الشرطة السرية السادي المتنفذ لافرينتي بيريا (سيمون راسل بيل)، ويحدث بينهم توترات ومشاحنات وشجارات ومناقشات بطريقهم “التنافسي” الضاري لاحتكار السلطة والاستئثار بها، كما تجتمع مؤامرات قصر الكرملين مع سلوكيات هزلية متأججة واجرامية، يتطرق هذا الفيلم “السياسي” الساخر والكوميدي الجرىء، لتداعيات البيروقراطية السوفيتية الفاسدة والمتهالكة، وقد قدمه مخرج متميز (الاسكتلندي أرماندو ايانوتشي) مع مجموعة من الممثلين المتألقين، وهو من انتاج بريطاني-فرنسي-بلجيكي. *يبدأ الفيلم مع راديو موسكو وهو يبث اداء اوكسترالي متميز لموزارت، وبمجرد الانتهاء يتصل جوزيف ستالين (أدريان ماكللولين) شخصيا برئيس المحطة الاذاعية (باري كونسيداين) طالبا منه تسجيلا حيا حديثا للقطعة الموسيقية…وبما أن الأداء لم يتم تسجيله بعد، يقوم مدير المحطة المرعوب باعادة مراحله مرة ثانية، جالبا على عجل مجموعة من الاناس العاديين والعمال وربات البيوت من الشارع، بغرض تكرار التصفيق والمؤثراتت الصوتية للجمهور، ثم يضطر لرشوة عازفة البيانو الشهيرة الساخطة “ماريا يودينا” (اولغا كوريلينكو)، وجلب قائد جديد متقاعد لادارة الاوكسترا، بعد تعرض القائد الحالي “سبارتاك سوكلوف” (جوستين ادواردز) للسقوط سهوا على دلو الحريق في الرواق وفقدانه لوعيه…

*ثم يأتي تباعا كل من خروتشوف (ستيف بوسيمي) بعد ان يكون بيريا هو اول الحاضرين ليستبدل الملفات السرية، يليهما باقي أعضاء اللجنة المركزية الحاكمة، باستثناء وزير الخارجية “فيتشلاف مولوتوف” (مايكل بالين)، الذي تمت اضافة اسمه دون علمه لقائمة المناوئين في الليلة السابقة، بعد ان علق ساخرا بوجود ستالين، وشعر ان تعليقه “غير ملائم” وقد لاقى ربما استياء ستالين المتربص بهم جميعا، بالرغم من ظهورهم متناغمين بجلسة الفودكا ومزاحهم الهزلي مع بعض، ثم غرقهم بنوبة نوم وشخير، فيما بقي ستالين يشاهد لوحده فيلم الويسترن الشهير من اخراج جون فورد وبطولة جون واين…  

*وسرعان ما ظهر فصيلان متنازعان مكونين من كل من “بيريا ومالينكوف وخروتشوف ووزير العمل كاغا نوفيتش (ديرموت كراولي)، مع بقاء باقي اعضاء اللجنة المركزية محايدين تقريبا، ولكنهم ينحازون تدريجيا نحو مالينكوف لأن موقفه ومركزه القيادي في هرم اللجنة هو “الأقوى”.

*يبدأ بيريا بممارسة نفوذه، فيأمر باغلاق المواصلات من والى موسكو، بعد ان يتكفل حصريا بجميع الصلاحيات والواجبات الأمنية والمدنية من الجيش الأحمر، فضلا عن قيامه سرا وبعد وفاة ستالين باستبداله المسبق لكافة اعداء ستالين باسماء اعدائه الشخصيين المنافسن لنفوذه، محتفظا بملفاتهم السرية ليوم الحساب، معيدا “مولوتوف” لقائمة الأصدقاء المتحالفين.

*يذهب خروتشوف الى منزل مولوتوف محاولا استمالته والحصول على دعمه، ولكن هذا الأخير باعتباره مخلصا “للستالينية”، يعارض بعناد اي انشقاق حزبي، تماما كما شعر بيريا عندما برءه من شكوك ستالين في الليلة السابقة، وقد استبق بيريا الأحداث واشترى ولاء مولوتوف باطلاق صراح زوجته الموقوفة (ديانا كوبك) من الحبس الانفرادي، ويحاول أن يرضي ابنة ستالين ايضا باطلاق صراح خطيبها المعتقل لكنه يكتشف متأخرا أنه قد اعدم… كما ينجح بيريا بأخذ الاجماع الفوري على تسمية “مالينكوف” كرئيس اسمي لمجلس الوزراء خلفا لستالين، على امل ان يبقى بيريا يتحكم بكافة التفاصيل خفية من وراءه…هكذا يتم في الاجتماع الأول للجنة المركزية العليا بعد وفاة ستالين، يقوم بيريا بتقوية نفوذه ومركزه بتوكيل خروتشوف لمهمة انجاز ترتيبات جنازة ستالين، كما يبادر استباقا وخبثا باقتراح العديد من الاصلاحات الليبرالية، واصدار عفو عام عن الكثير من المساجين السياسيين (المحكومين سلفا بالاعدام)، وفيما يبدو فهذه الاصلاحات والاقتراحات هي نفسها التي بادر خروتشوف وسبق ان طرحها في خطط مسبقة، ويشعر خروتشوف عندئذ بأنه مجبر بمناقشة هذه الاجراءآت والاقتراحات على مهل، ولكن مالينكوف وبيريا يأمرانه بتنفيذها فورا دون تردد.

*وفي محاولة ذكية لتقويض شعبية بيريا، يأمر خروتشوف كافة القطارات للدخول مع مجاميع البشر الى موسكو، كما يسمح لألآف المشيعين الذين يرغبون في رؤية جثمان ستالين المسجى في الكرملين…على امل اثارة اللجنة المركزية وخلط الأوراق وكسب الشعبية، ولكن حراس بيريا الذين يديرون الحواجز ويأتمرون بتعليماته، يطلقون النار عشوائيا على الحشود المتزاحمة فيقتلون 1500 شخص، فتقترح اللجنة ببرود القاء اللوم على بعض ضباط الجيش الأقل مرتبة، مما يتسبب في انهيار اعصاب بيريا وتفجر ثورة غضب وتهديده لكل اعضاء اللجنة بشكل غير مباشر لكشف وثائق سرية تفضحهم وتجرمهم واحدا تلو الآخر، ذلك لأنه يعتقد بأن تحميل المسؤولية والقاء اللوم على أجهزة الأمن لتسببها بالمجزرة، سيعتبر في نهاية المطاف ادانة مباشرة له، وهكذا يشعر بيريا وكأنه انتصر عليهم وتتعزز ثقته بنفسه وباجرائاته الحالية والمستقبلية للاستئثار بالسلطة والتنكيل باعداءه المناوئين لتسلطه وتغوله، ولكن تهديداته هذه اخذت على محمل الجد واشعرت الجميع بالخوف والقلق، باستثناء “مالينكوف” الذي ما زال يعتقد بجدية ولاء بيريا ونزاهته.

*أخيرا يطلب خروتشوف من مالينكوف توقيع الأوراق اللازمة ولائحة الاتهام التي تسمح باعتقال وادانة بيريا واجراء محاكمة فورية تمهيدا لاعدامه على عجل فيما يبقى مالينكوف مترددا،  ثم يجد خروتشوف وحلفاؤه “بيريا” مذنبا بالخيانة والاعدامات العاجلة كما بمئات الجرائم الجنسية المخزية في محاكمة سريعة متوترة على عجل، فيتم اعدامه بعد توقيع مالينكوف على لائحة الاتهام، وتحرق جثته ويتم بعثرة رماده، ويعطي خروتشوف ستالينا (ابنة ستالين) تذكرة طائرة في اتجاه واحد الى فينا، مؤكدا بأنه سيتولى شخصيا رعاية شقيقها (المريض/ العصبي) لأنه من الصعب اطلاق صراحه مباشرة، خوفا من قيامه بفضح تفاصيل المؤامرة على الملأ والعالم!

 

ملخص نقدي:

*يقدم الكاتب المشارك/المخرج القصة المشوقة بشكل مبتكر ومشاغب ومتوازي، ولا يترك للمشاهد فرصة لالتقاط انفاسه لكثرة زخم الأحداث المتتابعة، كما يقدم النكتة السياسية الساخرة لفصل حاسم من تاريخ الاتحاد السوفيتي، واحيانا بشكل مؤلم وصادم، مما قد يحقق له شهرة عالمية على مستوى اخراج الفيلم السياسي.

*يبدأ الفيلم بحالة استحواذية من “الذعر الشرير” الساخر والمتأجج، وهذا يستمر بنفس الايقاع حتى نهايته المتصاعدة…ونشعر كمشاهدين وكأن “الخوف يتصاعد تدريجيا مع رائحة كريهة من جثة متعفنة”(وربما المقصود جثة ستالين لا غيره)، حيث يبرع المخرج “أرماندو ايانوتشي” بتقديم رعب سياسي ساخر وفريد من نوعه.

*تعرض هذا الفيلم للعديد من الملاحظات الناقدة التي شككت اساسا بدقته التاريخية، التي يبدو وكأن المخرج/الكاتب قد ضحى بها جزئيا للمحافظة على قوة السرد الدرامي السينمائي المشوق، حيث علق بأنه وبقصد قد خفض من السرد الواقعي العبثي لمجرى الأحداث بغرض تقديم عمل أكثر اثارة وقابلية للتصديق، علما بأن الخبراء المتخصصين قد اشاروا للعديد من المشاهد الضعيفة الدقة تاريخيا، والتي قدمت ربما لتبرير ادوار وتداخلات الشخصيات المقربة من ستالين، وقد قاد ذلك لغياب عناصر الفكاهة السوداء المتأصلة في جوهر السلوك الستاليني الغريب الحافل بالشك والارتياب، كما انتقد البعض قلة احترام ضحايا الستالينية وعدم تبجيلهم، وكثرة التركيز على السلوك الاستبدادي “الشاذ والنرجسي”.

*واستغرب حقا من عدم تقديم السينما الأمريكية والغربية عموما نمطا سينمائيا ساخرا بحق من الزعامات الأمريكية تحديدا والغربية عموما، والسعي لاظهارهم بطريقة تحفل بالتفهم والتعاطف مع النقد الحذر، متجاهلين مسؤولياتهم المباشرة عن الكوارث التي المت بشعوب العالم: مثل القاء القنابل النووية على هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين بحجة محاولة انهاء الحرب، واغتصاب فلسطين لمصلحة اسرائيل والصهاينة، والحرب الكورية التي ادت لتقسيم الكوريتين، ثم مرورا بغزو العراق وآفغانستان، واخيرا بدور الغرب وامريكا وبعض العرب التآمري بتدمير بلاد ما يسمى الربيع العربي (وتحديدا ليبيا واليمن وسوريا) وتشجيع انشاء “القاعدة وداعش والنصرة”…الخ. لذا فاني اعتقد ان هذا الشريط يصب في حملة احياء الحرب الباردة التي عادت لواجهة التوتر والتنافس العالمي، وهذا يفقد الفيلم الكثير من قيمته الفنية ويضفي عليه سمة “التحيز والشيطنة”!  

*نال هذا الفيلم اشادة نقدية عالية على موقع “الطماطم الفاسدة” العالمي وتجاوز ال90 بالمئة.

كاتب وباحث وناقد سينمائي جرىء وموضوعي وهو "اردني من أصل فلسطيني" وعضو رابطة الكتاب الاردنيين والاتحاد العربي لكتاب الانترنت. عمان – الاردن Mmman98@hotmail.com

4 تعليقات

  1. مهند النابلسي

    حقا لا اوافق اطلاقا على مقولة “قل كلمتك وامشي” واجدها بلا معنى وخاصة عندما يتم تجاهل كتابتك حتى ذات الطابع السياسي السينمائي “الترفيهي مثل هذه المقالة على سبيل المثال” ويبدو الأمر محبطا تماما عند امة بني يعرب وكأنك تكتب في الهواء هكذا والحكي يضيع بلا مغزى…ولابد من القول بصحة مقولة اللعين موسى دايان بأن العرب لا يقراون كما الاحظ هوسا وشغفا خاصا مبالغا به بالكتابات الأدبية الشعرية وهواجس الذاكرة المنسية ناهيك عن الاعجاب المطلق بالكتابات السياسية البحتة كما الاحظ في موقع الرأي الاخر اللندني لعبد الباري عطوان وما حدا يحكيلي غير هيك فأنا والله وصلت لحالة القرف وسلامي للصديق جبار الخواطر العظيم ابراهيم يوسف “المبدع المستنير” ولادارة هذا الموقع الفريد الذي يبدو كنجمة في سماء العرب الحالك الكئيب ونهاركم جميعا سعيد وربنا يجيب المعروف المستديم آمين…

    الرد
  2. شهربان معدي

    أستاذ مهند الراقي.
    بل أروع وأرقى ما نقرأ لحضرتك..
    كتابة انسيابية موضوعية..
    هادفة.. بنٌاءة، كتبت بقلم محترف
    نفتقر لها فى عالمنا العربي
    الذي يعج كما تفضلت حضرتك
    بالشعر وبكل أنواع الأدب..
    ولكننا نفتقر لروٌاد، وخبراء في مجال النقد السينمائي، العالمي، والمحلي، بوركت جهودك أستاذنا، صاحب الذائقة الراقية، والقلم الطريف، والإضاءات الرفيعة المستوى.

    الرد
  3. إبراهيم يوسف

    وللناس فيما يعشقون مذاهب. هذه المرة يا صديقي قل كلمتك واسمعني بقبول، لا سيما وأنني أحمل لك مكانة عميقة في قلبي، وأغبطك على هذه الملكة الواعية القادرة على مشاهدة مختلف الأعمال السينمائية من النصوص والحوارات إلى المخرجين والممثلين والمصورين والموسيقيين، وكل ما يتصل بدقائق العمل السينمائي في تطويع وتحليل المضمون.

    من جانبي على الأقل، وأنت أخي وخير من يعرف أنني أحسدك مذ عرفتك، ما دمت تتفوق علي وتبزني أقلّه في السينما والخيال العلمي، فأنت صاحب ملكة فكرية وذاكرة حادة في هذا المجال، قل نظيرها بيننا وربما تكون من أبرز الوجوه التي تجاوزت المستوى المحلي. لكننا ونحن نكتب لنرضي ميولنا، كما يصرّ في مواقفه صديقك وصديقي الدكتور شوقي.

    هذه الميول التي يرضيها ويحفزها، أن يشارك الآخرون في التفاعل معها. (لكنني)؛ “في أمَّةٍ.. تَدَارَكَها الله غَريبٌ كصالحٍ في ثمود”. أما عبد الباري عطوان فلا مبرر لعتبك عليه، حينما لا تكون السينما من أولويات اهتمامه.

    بالرغم من كل ما قلتُه لك بإحساس صادق وأمين، وفي غمرة العمر الذي يجري..؟ فنحن يا حبيب قلبي يا مهند، لا نملك أن نملي رغباتنا ونَدْفع بالسِّوى، على شم الهوا في حقل لا يملكون الميل على النزهة في ربوعه، وليس ما يدفعهم إلى الحصاد من حقل لا (يُقَدِّرون) قيمة قمحه وخيره. وأخيرا فأنت تعرف جيدا أن طفلا يقود حصانا إلى الغدير ليشرب. لكن بلدة بأهلها أعجز من أن تسقي حصانا لا يشعر بالعطش.. ولا يريد أن يشرب.

    الرد
  4. مهند النابلسي

    صديقي العزيز الوفي الفريد “ابراهيم” والله بالحق اعجز عن شكرك وتقدير روعة كلماتك وعباراتك فقد وضعتني في مقام رفيع ربما لا استحقه…وقد تضمن ردك كل ما يمكن ان يقال حول هذا الموضوع فأنت بالحق نبراس هذا الموقع المضىء دوما…ويسعد صباحك البيروتي الجميل…

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.