من كل وادٍ عصا

بواسطة | 22 أغسطس 2019 | مقالات | 8 تعليقات

من كل وادٍ عصا
 تعقيباً على نص: المدير
 الذي يفكر.. بقدميه
المنشور
 في موقع السنابل
للأخ والصديق الكريم
مهند النابلسي من الأردن
إبراهيم يوسف – لبنان 

نتيجة بحث الصور عن من كل وادي عصا

تتشابه حروف الكتابة العربيّة في رسمها، ولولا استخدام التنقيط الذي وضعه أبو الأسود الدؤلي في صدر الإسلام، لاختلطت علينا الحروف وما عرفنا أن نميّزها من بعضها البعض، وقد جاء في لسان العرب أنّ نَفِدَ بالدال من غير نقطة تعني: انتهى الشّيء وفَنِيَ وخَلُص، ويقال نَفَدَ الشيء نَفَدًا ونَفَادًا. وقد وردت الكلمة في القرآن الكريم بهذا المعنى:  قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفدَ كلمات ربي. “والهوى لَحْظُ شآميةٍ رقّ حتّى قُلْتَهُ؛ نَفَدا”.. بالدال.

ألله يْهَوِّنْها علينا وعلى أهل الشام، ممن سبحوا طويلا في برك من الدماء، فتهجّروا وتشتتوا وماتوا وعاشوا كل المهانات.

وأما نَفَذَ بالذال؛ والنقطة؟ فتعني التخلص من الشيء ومجاوزته، ونفذ الشيء ينفذ نفاذاً ونفوذاً، فعندما نقول نفذتُ من فلان؟ أي تخلصتُ منه وتواريتُ عنه، ومن ينفذ من مأزقٍ أو خطر يقال: بأنه نَفَذْ، وفي قوله تعالى: يا معشر الجنّ إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا، لا تنفذون إلاَّ بسلطان. ونفذت الطعنة أي جاوزت الجانب الآخر.

وتأتي النافذة المطلّة على السماء والشمس والريح في نفس السياق. مُتَّكى اللوعة والفراق وجمر النار، والضنى والصبر على الغياب وشدة الانتظار. كلّه؛ بتعبير بيرم التونسي وزكريا أحمد والسيدة أم كلثوم؟ في الثلاثية العربية الخالدة، التي ينبغي إضافتها إلى كتاب الأغاني. وْحَطِّيْتْ إيدي على خدّي، وْعَدِّيْتْ بالتانية غيابك ولا جِيْتْ، يا رِيتْني عمري ما حَبِّيْتْ. 

https://www.youtube.com/watch?v=9H-25_JUkZc

لكن حكايتك (فاجأتني) يا عزيزي مهند..؟ وكنتُ في المرة المقبلة سأنوب عنك بالحديث عن السينما وفيلم “شوكولا”؛ فقد سحرني العمل حينما تابعته على إحدى القنوات منذ فترة وجيزة، بتأخير بلغ عقدين من الزمن على هذا الإنتاج البديع.

وتقع أحداث الفيلم في قرية فرنسية، تحيا بوداعة وسط طبيعة خلابة، وأجواء تحكمها التقاليد القديمة؛ عارضَ سكانُها في البداية تصوير الفيلم في قريتهم. الأمر الذي عزَّز العمل لاحقا وساعد على نجاحه، وهكذا عصفت بالقرية الهادئة رياح التغيير، بعيدة من مشيئة بعض السكان والعُمْدة؛ حينما قدمت ڤيان مع ابنتها لتنكد هناءة العيش فيها، وهي تفتح حانوتا لبيع الشوكولا في الساحة المقابلة لمبنى البلدية، ويبدي رئيس البلدية تحفظا ونقمة ملحوظة على الوافدة والدكان الجديد، الذي يلعب دورا محوريا رائدا، يؤدي إلى حدوث تغيرات جذرية في حياة القرية، لم تكن لتخطر إغراءآتُها في بال أحد.

فشكل ومذاق الشوكولا؟ استقطبت اهتمام أهل القرية واستبدّت بهم هواجسهم، وهم يعتقدون ويشيعون همسا أن الشوكولا إكسير للحياة العاطفية الحميمة تتجلى فاعليتها؟ عندما يختلي المحبون بالمحبين! ولم تكن دكان ڤيان وحدها الكارثة التي دهمت القرية وزرعت في أرجائها أجواء العشاق؟ حينما رست في ميناء البلدة سفينة صغيرة يقودها روكس البحار الجميل الذي يلعب دورا عاطفيا مؤثرا مع ڤيان. وهكذا تتوالى الغيرة والصراعات العاطفية التي لم تعرفها القرية من قبل.

يروي الفيلم المتاعب الناشئة، والمقارنة بين أمان الماضي الذي كانت تحياه البلدة، والمتغيرات الطارئة التي تعصف بالحياة الجديدة بعد قدوم سفينة روكس ودكان فيان. ويهدف الفيلم في اعتقادي أول ما يهدف..؟ إلى عدم التسامح والنتائج السلبية، التي تحدث بفعل التأثير على قناعات الناس المختلفة، ومنعهم أن يعيشوا الحياة على راحتهم، وهو ما يحصل في الفيلم، عندما يقرر رئيس البلدية بلا توكيل رسمي من أحد، كيف تكون حياة الآخرين، تلك التي تتنافى مع قناعاته.

وينتهي الفيلم بحسرة شديدة ومشهد مدهش قل نظيره؟ والعُمْدَة يدفعه هوسه الأخرس ليتسلل ويقتحم الدكان، ويعوم بمنأى عن عيون الآخرين في بحر من الشوكولا، يتلمّظها بفمه وشفتيه ولسانه وكيانه، حينما تعصف به صبابته ورغبته المحمومة إلى ڤيان، بعد نفاق طويل في خداع نفسه وعواطفه، وهي واقفة فوق رأسه تراقب المشهد وترأف بحاله وشكله المزري، يتخبط بثيابه في فردوس من الشوكولا المغري، وَتَعِدُهُ أن تكتم سرَّه ولا تخبر أحدا بما جرى فلا تهتزُّ صورته.

وأما الحمار فحيوان وديع وخادم أمين ونشيط. مسالم ومظلوم يستحقّ أن نرأفَ به ونأسفَ لسوءِ أحواله. استبدَّ به الناس وأنكر صوته المؤمنون! وارتضى لنفسِهِ أعمالَ السُّخرة والسُّمعةَ المُسْتباحة، دون أن يشكو ويتذمَّر أو يبيّت العداوة لأحد. 

مخلصٌ لأصحابِه؛ صَبورٌ على الشدائدِ والشتائمِ والجوع، فلا يصح أن نمعن في إهانته ونقارنه بأغبياء البشر! ما دام يختارُ سلوك الطريق الأسهل، فيحفظها جيداً ولا تغيب عن ذاكرتِه مهما طال الزمن! في حبِّه هوس يبلغ حدّ الجنون، فلا يراوغ كالعُمْدَة ولا يضمر الخصومة لأحد. يحمل قلبه على راحتيه فلا يُبدي للسِّوى إلاَّ المؤازرة والمودة والسلام. لكن؛ عندما تتحرك عواطفه تخونه إرادته، وتعلو عقيرته بالحداء فلا يكتم أمره، ويلحق محبوبته ورغباته تتجمع بين ساقيه. 

لكن “مهنداً” الصديق الكريم ممن يَدْعُوْنَ للرفق بالحيوانات وسائر المخلوقات؟ ظلم الحمار ونال منه وأنكر عليه مؤهلاته كالآخرين..!؟ فحينما رصدوا مالا في إحدى الجزر، لشق طرق تسهِّل السياحة، ومرور العربات وتعزّز مداخيل البلاد..؟

استقدموا عروضا باهظة الكلفة لتلزيم المشروع..؟ فاختلط الحابل بالنابل وتداخلت السياسة مع الاقتصاد والمنافع الشخصية والرشاوى، ووقعت خلافات حادة بين الشركات، والنافذين (بالذال) من ساسة البلاد كيف وأين يشقون الطرقات..؟ وهكذا توقف تلزيم وتنفيذ المشروع نتيجة للخلافات المستحكمة؛ كما الحال مع ساستنا المرتكبين في لبنان..!؟ 

حينما حسم رئيس الجزيرة الجدل القائم، واتخذ بنفسه القرار المناسب دون اللجوء إلى الخبراء؟ فأمر رئيس وزرائه أن يستقدم حماراً فيسوقه أمامه، ليلعب دور الخبير ويشق الطرقات حيثما يمشي الحمار! وهكذا يا صديقي كفى الله المؤمنين شر الفساد والمنافع والخصام. ألا ليتنا نفعل ما فعله رئيس الجزيرة، ونحذو حذوه في لبنان بل في معظم بلدان الجوار.

كاتب لبناني

8 تعليقات

  1. مهند النابلسي

    روعة سردية آخاذة تشطح بنا لتخوم السينما والسياسة والرفق بالحيوان المسالم الجميل ولي الفخر بأني حفزتك بمقالي الاستفزازي الواقعي لكتابة هذا السردية الجميلة…

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      الأستاذ مهند النابلسي
      الصديق الكريم
      والناقد.. اللماح

      معظم ما تكتبه في مختلف المجالات… يستحق الاهتمام
      وما تبديه من الآراء والتعليقات يا صديقي
      يستأهل درجة عالية من الاحترام والإعجاب
      يعطيك العافية يا رب ويخليك بهالهمة. مع خالص مودتي

      الرد
  2. د. أحمد شبيب الحاج دياب

    من المعروف أن أهل بلدتنا شمسطار (شمس الجبل)
    كانوا في غالبيّتهم “مْكَاريّة”،
    أيّ أنهم يستخدمون الدواب، وبشكلٍ خاص الحمير،
    للتجارة بغلال القمح والشعير والقطاني والتبن وما شابه
    فينقلون هذه البضاعة من حوران أو hلبقاع
    إلى قرى كسروان وغيرها من مناطق جبل لبنان..
    كان الحمار رفيق درب المكاري وأنيسه في رحلاته الطويلة.
    ولهذا فقد نشأت علاقة احترام ومحبّة بين الحمار وصاحبه
    فكان يتكلّم كلٍّ منهما بلسان اللآخر
    فيصدح بالغناء والعتابا معبراً عن لواعج قلب رفيقه،
    أمّا هو نفسه فيكتم حبّه وغرامه وسهد لياليه شوقاً واحتراقاً
    تفادياً للفضيجة وكلام الناس والحمير الحمير منهم بصورة خاصة.
    هذا ما يفسّر عواطف أهل بلدتنا الجيّاشة دفاعاً عن هذا الحيوان الراقي الذي يتمتّع بأطيب الصفات وأحسنها. أمّا مسألة اللبيط والشنهقة والعنفصة وغيرها فلها مسبّباتها المشروعة: كإمعان المكاري بلكز حماره وضربه أو اشتداد جوع الدابة وعطشها. ولكن أمر الشنهقة والعنفصة والتكشير عن الأسنان في آنٍ معاً سببه الحقيقي أتان أنعم الله عليها بعيونٍ خلّابة ذات ريفٍ أسودٍ طويل و”بقدٍ” ميّاس وخدٍ جميل؛ تقترب من حمارنا القوّي فتسلبه ما بقى له من عقل بعد الشغل المتعب وقلّة أد\ب الصبيان في التعاطي مع أصحابهم من الحمير.
    تحيّاتي للأستاذ الحبيب ابراهيم يوسف نصير المظلومين والغلابى الذي يهوّن على قارئه نكد هذه الدنيا.
    والشكر مو صول أيضاً للأستاذ القدير مهنّد النابلسي
    الذي يأخذنا معه ف”يفشّ” لنا “خلقنا” من البعض
    ويقول لهم مالا نقوله نحن مداراةً وسكوتاَ و…….
    وكلّ ذلك بصورٍ تلهب الخيال وكلماتٍ تناسب المقال

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      حبيب قلبي دكتور أحمد

      أرجأت ردي على تعليقك للأخير لكي أتبحبح بالكلام، فأوليه وأوليك العناية التي تستحقان. لكن حجم الردود والتعليقات لا يصح أن تتجاوز بحال بعض عشرات المفردات، وإن تجاوزت هذه الحدود فلا يجب أن تتعدى المائة كحد أقصى. أما وقد تجاوز ردي على التعليق بعض مئآت الكلمات..؟ فلا ينبغي أن يبقى في حيز التعليق ليتحول إلى مادة مستقلة للنشر قريبا. لكن مشكلتي ليست هنا..؟ المشكلة في الحقيقة أن بحوزتي عشرات النصوص، المركونة في جوانب الحاسوب التي تنتظر دورها للنشر.

      الرد
  3. إيناس ثابت

    أكتب تعليقي في صباح رائق إلى حدٍ
    ليس ما يعكر صفوه
    لأن عقلي انغمس في سحر الشوكولا
    وما دار حولها في حديثك عن الفيلم

    فهذه الشوكولا المغرية بمذاقها ورائحتها
    تتوسل بوحا يناجي نبض القلب
    أبعد من طعم الشوكولا وما يغري
    حتى أنني غفلت عن بقية جوانب النص

    فالشوكولا لها مفعول السحر
    على القلب واللعاب معا وسائر الحواس
    وأمام سحر مذاقها أنا طفلة ضعيفة
    يضيع صوابها من مجرد النظر إليها
    فتغويني أشكالها المميزة المختلفة
    وألعق عن أصابعي ما تبقى من أثرها

    والشوكولا هذه الحلوى العجيبة
    التي تشاركنا لحظات الفرح والسعادة
    تستحق أن نكتب عنها القصص الطويلة
    ونصوغ حولها الحكايات
    مادامت تمنحنا بعض لقاءآت الفرح
    ولئن لم تتوفر باقة الزهر لمن نحب..؟
    فالشوكولا وحدها تفيض بالسعادة وتكفي

    الرد
  4. إبراهيم يوسف

    لأنتِ يا عزيزتي باقة الورد من بلاد فارس، وعطره البلدي من سياج كرومنا، وأنت أغلى أصناف الشوكولا السويسرية الفاخرة. ألف شكر لك على رقة التعليق، وخالص محبتي وتمنياتي لك بمزيد من الحضور.. ومن فرح النجاح.

    الرد
  5. إسراء عبوشي

    نحتاج لهذه الفكرة ببلادنا من المحيط إلى الخليج
    كم هو سردك آخاذ يسلب العقل ويطوقه بالسحر بهذا الاسلوب وروعة المحاكاة

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      “بانَت سُعادُ فَقَلبي اليَومَ مَتبولُ”.. هذا
      من أيام سعدي يا ست إسراء
      شكرا على تشريفك… ومرورك الكريم

      الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.