من الجعبة

بواسطة | 30 أكتوبر 2019 | مقالات | 9 تعليقات

من الجعبة

في التعقيب على أسطورة التكوين
والثقافة الصهيونية الملفقة

لمهند النابلسي – من الأردن

إبراهيم يوسف – لبنان

نتيجة بحث الصور عن ‪carquois peindre‬‏

من جعبتي في شركة النقل الجوي التي عملت فيها عقودا طويلة، وكانت قد أوفدت فريقا من الموظفين وأنا من بينهم، في دورة دراسية للتدريب على معدات حديثة اشترتها من الشركة الصانعة. وكنا بطبيعة الحال نتبادل مختلف الشؤون الفنية ذات الصلة التي أتينا من أجلها، والأحاديث المتنوعة مع موظفي الشركة المضيفة.

في الأيام الأولى على وجودنا في الشركة، المنتجة لصنابير (Robinets) الأوكسجين والهواء والمحروقات، ومنها ما يحمل اسم المقصلة La guillotine)) التي أطاحت بعنق “ماري أنطوانيت”، زوجة لويس السادس عشر صاحب الشخصية الهزيلة. المرأة التي لم تتداعَ أو يرهبها منظر المقصلة  تتقدم نحوها بلا وجل. يقول صحافي إنكليزي شهد عملية تنفيذ الإعدام: لم أر طيلة حياتي أجمل من عنق ماري أنطوانيت تحت المقصلة.

 كنا نجلس إلى طاولة الطعام في “الكانتين”، حينما سألنا “جان كلود” مستخدَم في الشركة، وهو يرانا لأول مرة من أي البلاد نحن..؟ وحينما أجبناه أننا من لبنان لم يعرف أين يوجد هذا البلد على خريطة العالم..؟ إلا حينما أشار زميل له يشاركنا طاولة الطعام أن لبنان في الشرق الأوسط، ويقع على حدود دولة (إسرائيل).

هكذا تعرف صاحبنا “جان  كلود” أين يكون لبنان، وهكذا تشعب الحديث بيننا بحذر حينما اعترض بعضنا أن المعنية فلسطين..! وليست إسرائيل إلاّ دولة احتلال معتدية، اغتصبت الأرض من أصحابها بالقوة والخديعة. 

ورد جان كلود: إن العرب شعب يفتقر إلى المعرفة، ويحتاج لمن يعلمه أساليب الزراعة الحديثة، وهو يملك ثروات من الأرض الواسعة التي لا يحسن التعاطي معها، فلم لا يتولى إدارتها الإسرائيليون ما داموا أصحاب خبرة يحسنون التعامل مع الأرض!؟ بينما يجهل الفلسطينيون كيف تكون الزراعة الناجحة ووفرة المحاصيل!.

وساق إلينا أمثلة عديدة عن الفاكهة ومنها الليمون والفراولة المميزة التي يستوردها الفرنسيون من “إسرائيل”، والتي تَعَمّقَ الإسرائيليون في دراستها، وأحسنوا زراعتها وأحرزوا الجوائز عليها. ثم أنهى حديثه بالقول: متى غدا العرب بمستوى “اليهود”؟ سينتصرون عليهم بلا حرب ولا تعب. أو فليتصالحوا ويعيشوا معا.

وتولى الرد عليه أرفعنا وظيفة وأقلُّنا زللا بلسان أهل البلاد: ما رأيك لو اشتريتُ سيارة من مصانعكم، وكنتُ لا أحسنُ قيادتها فهل جهلي للقيادة يمنحك الحق أن تسلبني سيارتي!؟ أربك الرجل ورد: فليكن الحق للأقوى إذاً. 

هكذا كان الفرنسيون يواجهوننا دائما بمنطق الجهل، وحاجتنا للمعرفة نتعلمها على أيديهم أو أيدي “اليهود”. وكان منَّا من هم في “الجانب الانعزالي”..؟ أو من (كنَّا) نسميهم بالمارونية السياسية أصحاب الامتيازات ممن كانوا يبيتون عداوتهم للعرب، ولا يجهرون برضاهم عن إسرئيل..! ومنهم من كان مغاليا في (تعصبِّه) فيدّعي أنه يتكلم “اللغة اللبنانية” دون التلميح حتى إلى ذكر اللغة العربية؛ لكأن اللغة اللبنانية هي لغة مستقلة بذاتها..!

لكن مهندسا يساريا أخبرنا همسا، إبان وجودنا معه في غرفة الصف؟ كيف كانت “مرسيل داسّو” تعد طائراتها الحربية من نوع ميراج، فتعيد طلاءها وترسم عليها نجمة داود، ثم تزودها بالذخيرة وترسلها للمشاركة في العدوان الثلاثي على السويس أيام عبد الناصر، واقتصرت الحرب يومها على فرنسا وبريطانيا.. وإسرائيل.

أما أميركا بعد الحرب على ڤيتنام فلم يكن قد “لمع نجمها” بعد، وكان جمال عبد الناصر من الأحلام العربية المتوهجة، التي سطعت كثيرا ثم احترقت بعد أن دمرت إسرائيل معظم طائراته الحربية، تربض على أرض المطارات خلال حرب الأيام الستة، وما سمي بنكسة حزيران 67 تلطيفا لوقع المفردة على وجدان الجماهير.

 وتبقى الأمانة التاريخية المختصرة..؟ أن عبد الناصر حقق مشروع السد العالي على الأقل، وكان يطمح أن يتحول إلى ثورة زراعية وصناعية في البلاد. لكن قادة جيشه خذلوه ولا ينبغي للتاريخ أن يعفيه من المسؤولية.

وفي لبنان قامت حربنا الأهلية “نصرة لفلسطين”، وبعض عناوينها العدالة الاجتماعية وصحة التوزيع، وتقاسمت في المحصلة الطوائف الأخرى امتيازيات المارونية السياسية، وعدنا نعضّ أصابعنا ندما على ما تمخضت عنه المكاسب بفعل الحرب، حينما تعززت وتحولت الامتيازات من طائفة وحيدة إلى جملة طوائف.

هكذا بدأت تضيع “طاسة” البلاد من جديد، ونحن نعيش اليوم أزمة اقتصادية أخلاقية بفعل فساد عززته شعبوية الطوائف. الأزمة التي تهدد هذا الكيان الهش الذي ترنَّح لأسبوعين، ولا زال يمعن في الانزلاق نحو السقوط في هاوية المجهول. هذه باختصار جملة أحوالنا اليوم، ويمكن أن تقيس بمكيالها أحوال سائر العرب. 

 ولو كانت الأوطان تشرى بالمال..؟ لكن الأحرى بمعظم العرب أن يساوموا على شراء فلسطين واستعادتها بأموال لا تقدر أنفقوها على التسلح ليقاتل بعضهم بعضا..! في حين يتبرع الصهاينة بنجدة العرب المقصِّرين.

كاتب لبناني

9 تعليقات

  1. إيناس ثابت

    بقلب يبحث عن المودة بين الناس
    وفكر صاف يستدعي الماضي
    ويستخلص من جعبته ما يسلط عليه الضوء
    عن عالمنا العربي الذي يضج بالقلق والمآسي
    لكننا في النهاية
    سندرك كيف يكون الوعي مهما طال الزمان.

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      عزيزتي إيناس

      هل ندرك حقا كيف يكون الوعي بمرور الزمن..؟

      المتفائل يا صديقتي؟ من يعودُ من بلدته في الريف
      فلا يفاجئه في الليل حاجز؛ يقطع دربه في الطريق

      والمتفائل من يدخل الحمام؟ فيجد منشفة وصابونا
      ويجد في الصنبور ماء، يغسل به يديه بعد الطعام

      المتفائل من يستأمن المصعد إلى سكنه في الطبقة
      التاسعة.. فلا يغدر به انقطاع التيار
      ليأتي ويسعفه… حارس المبنى بعد حبس وانتظار

      المتفائل أيضا من يجد باب المصرف…. مفتوحا أثناء الدوام
      ويقابل موظفة جميلة تتبسم له وتصرف له راتبه.. ويكفيه!!

      والمتفائل..؟ من يعاين موقع السنابل
      فيجد في النصوص ما ينفعه ويسلّيه.. ويرضيه.!؟

      ومن المتفائلين؟ من يبتغي الخلاص
      ومغفرة ربه بلا عبادة أو تعب كبير

      والمتفائل أيضا من تَفْرَغُ جعبتُه..؟
      وتَخِيْبُ سهامُه فيراهن على السهم الأخير

      أما المتفائل الأخير فمن لا تخونه أعصابُه.. وأحبابُه وأهلُوه
      ويعتقد بأن الدنيا متواصلة.. إلى زمن طويل
      وحينما ينتهي كل شيء…؟ يبدأ شيء آخر.. يبدأ من جديد

      وأما من كان متشائما بطبعه مثلي….؟
      فيراهن على أحد الخيارين ..؟
      الفوضى فالخراب، أو العودة إلى الفساد

      “على أني أُغالطُ فيك سمعي ** وتُبصر فيك غيرَ الشكِّ عيني
      وما أنا بالمُصدِّق فيك قولاً ** ولكنّي..؟ شقيتُ بحُسنِ ظنّي!”

      أسأل الله أن يلطف بعباده ويسامحني على طويتي وسوء ظني.

      الرد
  2. Maissa Boutiche

    ولدت حرة؛ سجنت بعد التحرير.
    في الصميم 👌 كلماتك أصابت حجر الزاوية.
    احترامي لنبض قلمك الصادق.
    ميسون

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      يوم السّعد عندي؛ ما هذه القسوة
      يا عزيزتي..؟
      غيابك موحش والله… يا ميسون

      الرد
  3. عاشقة الأدب

    لا تنبش في الماضي أو في أحوال العرب
    ولا تنظر للمستقبل من ثقب إبرة
    واكتب لنا مايوازي (قال المغني)
    (ودعوة للتزلج على منحدرات صنين)
    فشعرك سيدي يكتب بماء الذهب
    ويستحق بروازا أنيقا لامعا
    ومكانا مميزا ترفع له الأعناق

    اسمع مني واترك مايثقل القلب
    واطرح عنك الهم والنكد
    فالعمر واحد ياعزيزي
    وحرام أن تضيعه بعيدا عن الشعر والغناء
    وأنت تحسن الكتابة في الفنون والاداب.

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      عاشقة الأدب

      من لا ينبش في باطن الماضي يا سيدتي..؟
      قد لا يعنيه الحاضر وما يجري من شدِّةٍ حوله
      فلا يهون هوانه؛ أو تهون عليه نفسه وأيامه
      ثم ينسحب من الطريق إلى أفق بيد الله علمه

      كنت ولا زلت راضيا عن التزلج على منحدرات صنين
      و لو أن هناك من (لامني) بشدة على: ما قال المغني
      وهناك من أطراها كذلك كالصديقة الرائعة هيام ضمرة

      أما الكتابة بماء الذهب..؟ فتلك عين المحب
      تتجاوز شهادة الحق المنصفة
      وترى من خلال الضباب الكثيف
      على مرتفعاتنا.. بين صوفر وضهر البيدر

      والحق أن من يستأهل أن ترتفع إليه الأعناق؟
      ولو مرة في الحياة.. فقمة عالية جدا.. حيثما
      نصب “الماغوط” يوما مشنقته ورفع راية استسلامه

      والإطار الأنيق من خشب الأرز، أو الأبنوس المصقول
      لا يليق إلاّ بصورة السيدة العذراء وعينيها البنفسجيتين
      كما يليق بعينيّ عاشقة الأدب.. اللتين لم أر سحرهما بعد

      الرد
  4. مهند النابلسي

    لم اكن أستوعب حقا اصطلاح “القيمة المضافة” حتى قرات مقالتك التنويرية الحافلة بالأمثلة الواقعية المعبرة فسلمت يداك على هذا الاكمال والدعم والتعقيب الفذ الذي يستحق الاستعارة والنشر بالمواقع المتعددة ليصل لوعي الكائن العربي المهدد بثقافته ووعيه السياسي فخالص الامتنان وعظيم التقدير لأروع صديق لبناني مثقف عتيق حظيت به…

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      ما من أمر عصي لا يستوعبه مهند النابلسي
      وليس ما تقوله يا عزيزي
      إلاّ من باب الطيبة والتواضع
      أنت صديق كريم وعزيز
      وابن وطن… أعز وأكرم من أوطان الجميع

      الرد
  5. د. أحمد شبيب الحاج دياب

    صديقي الغالي الأستاذ ابراهيم يوسف
    لا يحقّ لي التعقيب على أدبك وشعرك ولا قدرة لي على ذلك.
    ولكنك قطعت الميادين، ودانت لك المواقع،
    وتوغّلت كثيراً في بلاد البرد،
    وتجوّلت في شتى أصقاع هذه الدنيا
    وأنا بكل محبة استمع إليك استماع المريد لمعلّمه.
    ولكن للسياسة حقوقها…. وديونك من باريس واحد وباريس اثنين وغيرها …. آن اليوم استحقاق تسديدها، فما أنت فاعل؟
    إذا كنت تريد الفاتورة فقلّ لي وأمهلني بعض الوقت لإجراء الحسابات،
    وإن كنت تعرفها جيداً فاستعدّ لتسليم مقاليد الأدب-السياسي لأصحابها.

    أنت شيخي وأنا من مريديك في الشعر في الأدب في الحب في الجمال في علوم الاجتماع والوطنية، ولكنك، بالسياسة، ومع هذه الثورة المباركة في لبنان قد فقدت الكثير من أوراق “طرنيبك” الذي لطالما “طرنبتنا” به.
    بلا هوادة، وبكل محبة
    أحمد شبيب

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.