ماري أنطوانيت ورد الإعتبار

بواسطة | 10 أكتوبر 2021 | من التاريخ | 0 تعليقات

كان Friedrich ll ملكُ ألمانيا وقيصرُ الإمبراطورية الرومانية المقدسة ملكا فارسا، تشكلت بقيادته الحملة الصليبية السادسة (١٢٢٦). فاوض صلاح الدين بجدارة ملحوظة، وكان فوق ذلك رؤيويا ملما بالقانون والفلسفة، أدخل على الإدارة السياسية للإمبراطورية قدرا من النظام والعدالة لم يكونا متوافريْن في أنظمة الأرض عموما. لقِّب فريدريك بمعجزة العالم، فبعده بقرون اشتعلت الثورة في فرنسا ولم يكن نظامها قد بلغ بعد فسادا بلغتْه الحكومة البريطانية أو اللبنانية اليوم. وقد ساهم في إعداد الحطب وانتشار النار عدد من رجال الطبقة الوسطى الذين فرضوا بذكائهم وسعة أفقهم مطالب على الدولة الفرنسية أكثرَ راديكالية مما لم تكن تتصوره الحكومات الأوروبية، بينما كانت حكومتا النمسا وبروسيا قد أوجبتا من مئات السنين وتحت ضغط الفلسفة، نظاما من الكفاية والعدل افتقرت اليهما فرنسا البوربونية الغارقة حتى الإختناق في “بحر من الإسترخاء واليسر اللاتينيين”.

لم يكن النظام القضائي – بوصلةُ العدل – إلا انعكاسا للفساد العام، يمارس فيه القضاة مهامهم مدى الحياة، ثم يورِّثون مناصبهم. وكان الملك وفقا للتقليد البوربوني المشرّعَ الوحيد الذي يُصْدر المراسيم الملكية المنصفةَ حينا والمجحفة أحيانا، كما يُصْدر أوامر الإعتقال في بلاط منتفخ بالنبلاء المتحاسدين بلغت مصاريفه عُشر إيرادات الدولة. في هذا الإنهيار المتسارع والمتوقّع أفتى Montesquieu والكونت Mirabeau بتعزيز الهيئات الوسطى بين الملك والشعب، وذلك بهدف كبح مخاطر السلطة المطلقة كالمجالس المحلية أو مجالس الشورى أو البرلمان الذي يمكن أن يعارض المراسيم الملكية أو يُصدّقها حسب توافقها أو تناقضها مع القوانين العادلة. لقد شكل الكتّاب المتنورون إيديولوجيا الثورة الفرنسية وفكرَها العامل على هدم مبادئ الإذعان التي ترتكز عليها السلطة المطلقة، والتي كانت الكهانة أولَ معاقلها. فالفكر الديني يعتبر الطاعة أوّل الفضائل، ويعتمد أساسا على مبادئ الإذعان، ليس فقط للسلطة الدينية وإنما أيضا للسلطة السياسية بغض النظر عن فسادها وسوء سمعتها. لقد حارب فولتير تحالف السلطتين وكان له مع بعض الفلاسفة الفرنسيين فضلُ تعرية النظام الديني وخلخلةِ السياسيِّ وإسقاطه.

وُصِفت ماري أنطوانيت في قاموس لارووس وفي الوثائق ذات الصلة أنها كانت “أشهر ملكات فرنسا وأبغضَهن عند الناس، قبل أن تصبح أكثرَهن إعجابا فقد أعاد لها التاريخ شيئا من اعتبارها كملكة شهيدة، كزوجة وأم فاضلة. لكنها مع ذلك كانت قليلة الميل أو القدرة على فهم ما يحيط بها من أحداث رسمت مصيرها المأساوي”. أمّا وقد قرأتُ ما حملته اليّ ابنتي مايا من كتابات موثّقة عن ملكات فرنسا ومحظياتها، قلتُ أكتبُ عن هذه الملكة للسنابل بعدما ردّت لها الدراسات التاريخية شيئا من اعتبارها، وبعدما تداول اللبنانيون على صفحات التواصل الإجتماعي مقولة نُسبت إليها، وفيها بعضٌ من البَلَه قياسا لمستوى الملكة وكفاءاتها الذهنية، وكثيرٌ من الخفة قياسا لصرامة الحقائق التاريخية. فالملكة هي الإبنة ما قبل الأخيرة لFrançois l du saint-empire ملك النمسا من زوجته الإمبراطورة Marie-Thérèse d΄ Autriche. وقد زُوّجت وهي ابنة خمسة عشر ربيعا من العاهل الفرنسي باقتراحٍ ملكي وقرار إمبراطوري لا خيار فيه ولا نصيحة. ومن البديهي ان تغرق العروس النمساوية الصغيرة باليسر الفرنسي وأن لا تتكيف مع أتيكات فرساي التي خلّفها لويس الرابع عشر، وهي اللعوب التي تربّت على الحرية واللامبالاة وعدم الإكتراث بهموم الدولة وشجونها. ففي ١٩ نيسان من عام ١٧٧٠ عُقد قرانُها بالوكالة قبل أن تتوجه قافلتها الأسطورية الى فرنسا، وعندما وصل الموكب الى مدينة كيل على شاطئ الرين، قفل النمساويون عائدين الى فيينا، واستأنف الموكب الفرنسي تحركه باتجاه باريس. أُكّد زفافُ الوكالة بزفاف رسمي أُقيمت فيه مأدُبة فاخرة، أفرط فيها العريس بالأكل ثم استغرق في النوم حال دخوله فراش الزوجية. ومضى عشرة أشهر قبل أن يغامر لويس بالنوم مجددا الى جانب زوجته. كتبت ماري الى أمها الإمبراطورة تشكو حظها العاثر وتعرب عن دواعي قلقها من قصور زوجها العِنّين. وساد رأي أن في علاقة الزوجين جهلا متبادلا وتناقضا عميقا في الطبائع فقد كانت الملكة على وصف ول ديورانت “رشيقة، سريعة الخاطر، خفيفة الحركة، لعوبا، مندفعة، جياشة، طائشة، مسرفة، مؤكدة لذاتها، متكبرة، ملكة دائما. وكان الملك بطيء الحركة، بليدا، مترددا، رزينا، هادئا، كادحا، مقتصدا، متواضعا، عديم الثقة بنفسه، كل ما فيه يقول إنه ليس ملكا، يحب النهارَ وعمله وصيده وتهوى الملكة الليلَ والرقص ومائدة القمار”. رأى بعض الأطباء أن تناقض الصفات كوّن الى جانب التربية المتعصبة كتلة نفسية غالبة هي وراء حالة الضمور الجنسي، وكيفما كان الرأي فإن العجز الموصوف يهدد مستقبل عائلة بوربون إن لم يهدد مستقبل واستقرار الأمة الفرنسية، الى جانب تهديده الطموحات الإمبراطورية لماري تريزا، التي أرسلت على وجه السرعة Joseph ll  ابنها البكر ليجد حلولا للمشاكل الطارئة التي تهدد مستقبل العلاقة النمساوية – الفرنسية، والتي تعمل الملكة النمساوية بكثير من الدراية على ترميمها وإنعاشها.

زار جوزف امبراطورُ الدولة الرومانية المقدسة قصرَ فرساي متخفيا، اجتمع مع العاهل الفرنسي الذي أحبه وأبدى فيه رأيا جريئا يعترف صراحة بضعف الرجل لكنه على كل حال – يقول الرسول – ليس رجلا أبلها فهو يتحدث بشكل معقول، وقد اعترف لي ببعض الصعوبات التي يشكو منها. لم ير جوزف في ما انْتُدب لإصلاحه عيبا طبيا ولا عقبة كأداء أمام الزوجين إلا عدم اهتمام الملكة بموجبات العمل الجنسي وعدم رغبة الملك في بذل نفسه. إنهما بتقديره زوجان من الأخطاء الفادحة. لكن الأطباء خلافا لرأيه أجمعوا على ضرورة إجراء جراحة لأن القُلفة سميكة جدا بحيث تستعصي على التمدد بالحدود اللازمة للإنتصاب. رفض ولي العهد جراحة شبيهة بالختان ثم رضخ متأخرا لمبضع الجراحين. وقبل أن يعود الى بلاده اجتمع جوزف بأخته في قصر فرساي ورأى فيها كما كانت في النمسا “صبيةً ساحرة، نبيلة، صغيرة، طائشة بعض الشيء، ولكنها فاضلةٌ فيها ما يكفي من الجرأة ورهافة الحس”. ثم نصحها بقليل من الخشونة أن تسوط الملك كما يُساط الحمار. والحق أن قوله قد أشكل عليّ بين متعدد معانيه الممكنة، وكان رأي الدكتور شوقي يوسف الخبيرُ بمجازات اللغة الفرنسية أن النصيحة دعوةٌ لأن تلعب الملكة دورها الكامل في الإثارة الجنسية. وهكذا بعد سبع سنوات من العجز الجنسي تحرر العاهل من عاهته وتحققت معجزة الختان، ففي الساعة العاشرة صباحا من يوم الإثنين الواقع في الثاني عشر من شهر آب أغسطس دخل لويس على الملكة حالَ خروجها من الحمام وبقيا معا ساعة وربع الساعة أو خمسة أرباع الساعة بتعبير لارووس، ليختلط في هذا الوقت الطويل كثير من مخزون مائهما.

في العاشر من شهر أيار عام ١٧٧٤ توفي لويس الخامس عشر واندفعت الحاشية نحو ولي العهد فوجدته يبكي ويقول: احفظنا يا إلهي لقد حُكِّمنا ونحن صغيران. ولم تكن ماري في هذا الوارد من طلب الحماية الإلهية، فقد انصرفت بقليل من الطيش الذي لاحظه جوزف الى كثير من اللهو والترف ولعب القمار. ولاستنزاف مزيد من خَفْض الحياة ومباهج الدنيا، كانت تُقدّم ساعة الحائط لتدفع الملك البدين الى فراشه، فليس ما يدفعه للنوم إلا عقارب الساعة. لم تُؤخر الملكة إقامتها كثيرا في فرساي، فقد استقلت في بيت كانت تشغله عشيقة لويس الخامس عشر، وسكنت فيه بعيدا عن رقابة القصر وعن الطقوس الإحتفالية للملوك. في هذا البيت الذي يبعد قليلا عن قلب القرار الفرنسي عاشت الملكة بين وصيفاتها وصديقاتها في قرن كامل من الوفرة (Corne d’abondance) وكانت باستثناء “السيدة” التي تزاحمها على خزانة الدولة (الثورة الأميركية) أكثرَ أعضاء البلاط سَفَهَا في الإنفاق، حتى لُقبت بسيدة العجز المالي. وكان من أشهر صديقاتها وأقربهن منزلة Marie Theérèse de savoie والتي قيل إنها كانت على علاقة مثلية معها. وكان الكونت السويدي Axel von Fersen الذي خدم في البلاط الملكي من عشاقها الكبار ويقال أنه أقسم تحت هوس الحب الجارف للملكة أن يبقى الدهرَ عاشقا وعازبا. وقد احتفظ هذا الديبلوماسي المولّه بالرسائل السرية للملكة ولم يُتلفها، لكنه موّه بعض المقاطع أو السطور منها بحبر مختلف عن الحبر الملكي بهدف صون شرف الملكة أو على تقديرٍ آخرَ بهدف حماية مصالحه الشخصية. وتستعد دار ميشال لافون الأدبية لجمع الرسائل الستين في كتاب سيصدر على الأرجح في ٢١ من شهر أكتوبر الحالي إن لم يكن قد صدر الآن، مع تفكيك ما يمكن تفكيكه من المقاطع المشطوبة أو المُسَوّدة، وذلك باستخدام الأشعة السينية للتحليل الطيفي. ويرافق الكتاب الموعود تعليقٌ مهني على الرسائل لمؤرخةٍ من ذوات الإختصاص اللائي يعملن لحساب هيئة المحفوظات الفرنسية. وربما يرقى محتوى الكشوفات الجديدة الى ما يمكن اعتباره أسرار دولة.

كانت ماري في بيتها الجميل والمنفرد مأخوذة بأفكار روسو، الذي يدعو لضرورة العيش في الهواء الطلق حيث يتلاءم المرء مع عفوية الطبيعة. فأنشأت حول البيت قرية صغيرة أقامت فيها مطحنة للحبوب، مصنعا للألبان، وبرجا للحمام… واستقدمت من الفلاحين عائلات شيدت لها أكواخا من القش ليكتمل المشهد الحقيقي للطبيعة الريفية. ثم استقبلت في عرَصَات قريتها الهادئة كسوق الجمعة التي تقيمه بعض القرى اللبنانية سوقا يتهافت اليه مزودو المزرعة بحاجاتها من العطارين وصانعي القفافيز والقبعات وبائعي المواد الغذائية… وراح إحساسها بالحرية ينسيها واجبات الحكم التي لو اهتمت بها “لكان اهتمامها نزوة أكثر منه واجبا وبصيرة”. ومع ذلك فاجأتها أحداث الشغب التي أظهرت لها عداء سافرا منذ فضيحة الجواهر التي هزت سمعة النظام الملكي وطالت الكنيسة والملكة على السواء. فقد كان الكاردينال Louis-rené de Rohan أسقفا بسيطا بالرغم من طموحاته السياسية، استعملته عصابة من المغامرين المكرة كان على رأسهم Madame de la motte سليلة طفل غير شرعي لهنري الثاني. أقنعت هذه السيدة المتعطشة للثروة الكاردينالَ بقدرتها على التوفيق بينه وبين الملكة في شأن سياسي، وحددت له معها موعدا ليليا في غيضة فنيس في فرساي، حيث كلّفت إحداهن أو مثلَّت هي نفسها في ظلام الليل دور الملكة مبدية رغبتها بامتلاك عقد محدد يحمل ٦٤٧ ماسة يتعذر ولأسباب قاهرةٍ أن تقوم مباشرة بشرائه، وعلى الكاردينال أن يكون وسيطا يحمل كتابا ممهورا منها. اشترى الكاردينال الجواهر بالتقسيط وسلمها لضابط الملكة الذي لم يكن ألا واحدا من العصابة. باعت مدام دى لاموت الجواهر في انكلترا، ولمّا لم يتمكن الكاردينال من إيفاء الدفعة الأولى من ثمنها، لجأ مالكا العقد مباشرة الى ماري أنطوانيت. أمر الملك بسجن الكاردينال ولم يتأخر حتى أمر بتوقيف مدام دى لاموت. وخلافا لما يتوقعه المرء المنصف، وقف رجال المملكة الى جانب الكاردينال معتبرين أنه ضحية لمكائد الملكة التي أدينت من الرأي العام الفرنسي. لكن البرلمان برَّأ الملكة والكاردينال وحكم على دعيّة هنري الثاني بالجلد ثم وسَمها بالحديد الحامي.

في ربيع عام ١٧٧٥ اندلعت حوادث الشغب، فاندفع رجال غوغائيون كالثوار اللبنانيين في حركة ١٧ تشرين يدعون للتمرد، يقطعون الطرق، يعتدون على المارة، ويحرقون بعمى شعارهم (كلن يعني كلن) المؤسسات الخاصة والعامة، ويستحضرون على المحطات الفضائية وفي ظروف مشابهة، ما رسخ في أذهانهم عن ماري انطوانيت بقولها الجارح والأبله “إذا لم يكن لديهم خبز فليأكلوا البسكويت”. أحرقت العصابات الفرنسية المزارع والمخازن والحقول، رمت مخزون غلالها في نهر السين، وتجمع المتمردون حول فرساي. أمر الملك بخفض سعر الخبز خلافا لرأي Turgot وزير المال، الذي أكد أن التدخل في قوانين العرض والطلب يفسد نقطة التوازن بينهما ويعطل إختبار القوانين. وكان الوزير اقتصاديا بارعا له — على وصف أحد شعراء البلاط — عقلُ Françis  bacon وقلبُ Marquis de l’Hopital، فقد عمل Turgot جادا ضمن خطة تقضي بخفض الإنفاق وتنشيط الإقتصاد، بإصلاح الزراعة، وتنظيم عملتي العرض والطلب وبالتالي التحديد التلقائي لأسعار السلع. ألغى الملك أمره بخفض السعر، فسارعت الحشود لنهب المخابز. قتل الجنود اثنين من قادة التمرد ووصلت في نفس الوقت غلالٌ أجنبية الى باريس، ما أكره المحتكرين على إخراج مخزونهم من الغلال مثلما أُكرِه المحتكرون اللبنانيون على إخراج غلالهم في حكومة الرغيف التي ألّفها في عهد ألفرد نقاش من عام ١٩٤٢ الرئيس سامي الصلح الملقب بأبي الفقراء. انخفض سعر الخبز في بيروت وفي فرنسا وخرج طيرغو والصلحُ ظافريْن من حرب الغلال. لكن ماري انطوانيت التي توجست شرا من إصلاحات وزير المال، ورضخت بداية لسياسة التقشف، عادت واستأنفت إسرافها في البذخ وفي العطايا، في سباق الخيل وعلى طاولة القمار… وبلغ إفراطها في الترف أن بيعت قلادة من قلائدها في تشرين الثاني من عام ٢٠١٨ بمبلغ ٣٦ مليون دولار. لم يلبث وزير المال أن استقال أو أقيل الأمر الذي أحزن ماريا تيريزا وأسفت للدور الذي لعبته ابنتُها، وقدّرت تقديرا عاليا نبوءة فولتير أو سُبْقَتَه التي اعتبر فيها أن سقوط وزير المال المتنور نذير بانهيار فرنسا.

كانت أزمة الخبز هذه الى جانب العداء الشعبي لسيدة العجز المالي الأرضَ الخصبة لشيوع مقولة الكعك أو البسكويت. ففي الكتاب السادس من الأجزاء الستة الأولى لاعترافات روسو التي كُتبت بين عامي١٧٦٥و١٧٦٧ وفقا لموسوعة لارووس يبدي المؤلف رغبته بتناول الخبز مع بعض النبيذ متذكرا خبر أميرة قالت فيه: ليس عندكم خبز، جيد… ليس أمامكم إذا إلا شراء البريوش. (صورة المقال: الصفحة ٢٧٤ من الكتاب السادس). في هذا التاريخ الذي كتب فيه روسو مقولته عن الأميرة المجهولة، كانت ماري أنطوانيت بين العاشرة أو الثانية عشر عاما ولم تصبح ملكة فرنسية إلا بعد زواجها في ١٦ أيار من عام ١٧٧٠ وتقول جريدة النهار اللبنانية في تدقيق تاريخي مرموق أن العبارة نُسبت أيضا الى مدام فكتوار ابنة الملك لويس الخامس عشر وفقا لبحث أجرته Véronique campion مع زميلة لها. ورجّح البحث أن العبارة التي أُلصِقت بالملكة ظهرت بعد خمسين عاما من وفاتها. وتمكن بحاثة آخرون من إيجاد مقولات مشابهة في نصوص شرقية وأخرى ألمانية من القرن السادس عشر. أما ما نُسب للملكة الفرنسية فقد تجاهله المؤرخون لخفّته ونفته مصادرُهم المعاصرة والموثوقة.

لما اشتد أُوَارُ الثورة وشعر أعضاء العائلة أن فجاج الأرض ضاقت عليهم أكثرَ من حلقة الخاتم، قرر أفرادُها الهربَ شرقا متظاهرين بكونهم خدما لبارونة روسية. وربما يكون أكسل هو من دبّر محاولة الهرب. تعرف أحد المواطنين المنتدبين للمهمات الأمنية على الملك من خلال صورته المطبوعة على العملة الوطنية. أعيد لويس البدين الى باريس تحت حراسة مشددة ولم يلبث أن لاقى مصيره الأسود على مقصلة الكونكورد، ويقال إن الحشود تدافعت لتغمس مناديلها في دمه. وأُعطيت الملكة يوما واحدا لتحضير دفاعها أمام المحكمة الثورية وهو متسع من الوقت أكثر رحابة ورحمة مما أعطاه القضاة اللبنانيون للزعيم أنطون سعادة في تموز من صيف ١٩٤٩ أدينت الملكة بتفليس الخزينة والتآمر على الأمنين الداخلي والخارجي كما اتُهمت بالخيانة العظمى لنشاطها الإستخباري. ثم سيقت في عربة مكشوفة ليرميها رُعَاع الناس بكل ما وقع تحت أيديهم من أشياء وأوساخ واستعدادا لإعدامها قُصَّ شعرُها الأشقر، وأُجبرت أمام حراسها على استبدال ملابسها باللون الأبيض الذي غالبا ما يفضله الموت. واجهت الملكةُ الأمُ مصيرها ببسالة وكبرياء. وقد ذُكر أن بعض القضاة تأثر بشجاعتها، وكانت آخرُ كلماتها (Pardonnez-moi monsieur je ne l’ai pas fait exprés) عفوا يا سيدي لم أفعل ذلك عن قصد، بعد أن داست بطريق الخطأ على قدم جلادها.

مهندس وكاتب لبناني

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.