لام ميم خواطر هندسية من ستّينيات القرن الماضي

بواسطة | 7 مارس 2021 | مقالات | 4 تعليقات

لام ميم

خواطر هندسية
من ستّينيات القرن الماضي 

بقلم د. أحمد شبيب الحاج دياب

في صيف تلك السنة المنصرمة من سنوات القرن الماضي، سجّلتني والدتي، رحمها الله،  في المدرسة الصيفية التي أنشأها الأستاذ “لام ميم”، تغمده الله بواسع رحمته. كان يقطن في “شمس الجبل” بيتا مبنيا من التراب والطين مسقوفا بالجذوع والأخشاب، مؤلّفاً من غرفةٍ واحدة، جعل منها “مدرسةً صيفيةً” يجمع تحت سقفها تلاميذ كلّ الصفوف. وشمس الجبل ضيعة تجثو بتواضع ووداعة في حضن جبل صنين، لا يفصلها عن سلسلة جبال لبنان الشرقية إلاّ سهل البقاع الخصيب.

لم يكن تسجيلي في المدرسة الصيفية لحاجةٍ “أكاديمية” (كما يحلو لي القَوْل اليوم)، ولكن حرصاً من والدتي كيّ تضبطني قليلاً من التيه والشرود بين الكروم والبساتين، ملاحقاً بِنُقّيْفِتي* عصافير العنب والتين. كانت، طيّب الله ثراها، تريد أن تشغلني بالدرس عن الصيد، فترتاح منّي ومن متاعبي ومن الشكاوى المتكرّرة من قبل الناطور وأصحاب الكروم بسبب تعدّياتي اليومية على أملاك الغير. 

كان الأستاذ (لام ميم)، تغمده الله بواسع رحمته ورضوانه، يدرّسنا الرياضيات ومنها مادة الهندسة، والهندسة، على ما قاله أحد معلّمينا الفضلاء في مدرسة الرمل العالي في برج البراجنة في بيروت، تنتسب إلى إقليدس الصوري العالِم الكبير، ممن تستحق أرواحهم التعظيم والتقديس. كيف لا؟ وهو صاحب “أشكال التأسيس”: الكتاب الأوّل الذي أسّس للحساب والهندسة فكان من أهمّ الكتب العلمية على الإطلاق. أمّا نسبة إقليدس إلى مدينة صور الفينيقية فتؤكدها العديد من المخطوطات القديمة، وهذه على سبيل المثال، صورة مأخوذة من مخطوطة “كتاب في أصول الهندسة” وهي إحدى مخطوطات جامعة الرياض المحفوظة تحت الرقم 1018: 

 *النقيفة: آلة بسيطة لصيد العصافير، يعدها الأطفال بأنفسهم، وتتألف من قوس من الخشب، أفضله ما كان من خشب السنديان، يُربط في طرفي القوس شريحتان من المطاط المرن، أو قصاصات من الغرف الهوائىة الداخلية  Chambre d’airللدرّاجات أو السيّارات، وينتهي طرفا المطاط الآخران بجيب من الجلد لاحتواء الحصاة. وأفضل الحصى ما كان من حجر الصوّان الكروي أو البيضاوي، تنطلق الحصاة بتأثير المطاط المشدود، وقوة عزم كافية لتصيد طيرا بحجم الحمامة.

لم أكن، في تلك الفترة أعرف شيئاً عن إقليدس، ولكنّي كنت على يقينٍ تام أنّه ذلك الرجل، صاحب الصورة المأخوذة من تمثال منحوت، يزدان بها غلاف كتاب الهندسة الذي كنّا ندرس فيه، وهذه صورة غلاف ذلك الكتاب: 

استمرّت وتواصلت قناعتي هذه حتى أتى اليوم الذي “فُجِعْتُ” فيه حين عرفت أن التمثال إنما يعود في الحقيقة إلى “فيثاغوراس” العالم الرياضي، وصاحب المبرهنة الشهيرة عن المثلّث القائم الزاوية. 

كتاب الهندسة هذا من تأليف مجموعة من الأساتذة الفرنسيين، ولذلك كان يسمّى كتاب R. D. P.  في الهندسة: Réunion de professeurs. كان الكتاب يطبع في فرنسا، ويصل إلينا بسعرٍ مقبول نسبيا، نشتريه جديداً من المكتبات أو قديما مستعملا من ساحة العازارية في وسط المدينة التجاري. كانت هذه الساحة، في بداية كلّ عامٍ دراسي، تعجّ بالتلاميذ يبّسطون كتبهم على بلاطها النظيف. يبيعون كتب السنة الماضية، ويشترون بثمنها كتب العام المقبل الذي لم يكن عموماً ليكفي، ولكن بحصة تسند خابية. 

في اليومٍ الثالث من بداية الدوام في المدرسة الصيفية، طلب منّا الأستاذ (لام ميم) تحضير لائحة بالتمارين الموجودة في أخر درس الهندسة وهو الفصل XVIII “Inégalités dans un triangle” وهذه صورة الفصل:

سهرتُ حتّى ساعةٍ متقدّمة من الليل، وتمكّنت من حلّ جميع التمارين، إلّا أن واحداً منها تطلّب منّي وقتاً إضافيا ملحوظاً، وأنا أعتمد، فقط، على قواعد ومبرهنات الصفوف التكميلية الأول والثاني والثالث إلى نهاية الفصل، الذي يحتوي على التمارين المطلوبة. إذ لا يحق لنا استخدام مبرهنات الفصول التي لم نبلغها بعد. 

وفي اليوم التالي خلال عرض التمارين، للمعالجة على اللوح في الصفّ، قام (لام ميم)، الرحمة على روحه من جديد، بحلّها جميعاً باستثناء التمرين الصعب الذي استغرقني الوقت الأطول، ورقمه 281.  وعندها وقفتُ وسألت الأستاذ: “لماذا، يا أستاذ، قمنا بحلّ جميع التمارين ماعدا الرقم 281؟”، فأجابني: أنّ حله لا يمكن إلّا بالرجوع إلى مبرهنة من الصفّ الرابع تكميلي، (وهو أعلى من الصفّ الذي كنّا فيه). كنت أعرف حقا هذا الأمر ولكنّي قلت له: ” لقد تمكنت من حلّه دون استخدام هذه المبرهنة معتمداً فقط على دروس الصفّ التكميلي الثالث وما قبله، هل تسمح لي بشرحها على اللوح؟” فأجابني جازما بصوتٍ غليظٍ خشنٍ: “لا.. لا يمكن حلّه إلاّ باستخدام المبرهنة التي أشرت إليها”، ولكنّي، ومن أجل الحقّ والحقيقة، قلت له على الفور: ” بل يمكنني حلّه على اللوح أمام الجميع”. في تلك اللحظة علت نبرته، كمن يدفع تهمةً عن نفسه، بالصوت المرتفع العالي، أو كما يأكل الفاجر مال التاجر. وراح صوته يتردد غاضبا حتى بلغ حدود الصراخ. ثمّ ركبته موجة من الغضب الشديد، فجحظت عيناه وانتفخت أوداج رقبته، وتناثر الزبد من بين شفتيه لانفعاله وتعنته، وثورته وخروجه عن حدود العقل، وهو يدق الأرض بقدمه كفرسٍ قبل إطلاق السباق.  

لزمت الصمت، وأدب التلميذ أمام المعلم. ثمّ تركت الصف وغادرت هذه المدرسة الكئيبة إلى غير رجعة. غير أنني حملت ذكرى الواقعة في قلبي ولما تزل تلازمني حتى اليوم. وأشهد بالحق على نفسي، أنني لم أحقد على الرجل بل أحببته وأشفقت عليه من عمق قلبي، وحزنت لخيبته وإحراجه أمام التلاميذ، دون أن أعفي نفسي من بعض الندم والتقريع. وهذه صورة نصّ التمرين الصعب اللعين الذي يحمل الرقم النحس 281، أطرحه أمامكم لحلّه لمن أستطاع إليه سبيلاً:

هذه كانت تجربتي الحقيقية، ولا زلت أذكر تفاصيلها، فحين وصلت إلى بيتنا قلت لوالدتي، على الفور:” افرحي يا أمّي فقد وفّرت عليكِ ثلاث ليراتٍ كنت ستدفعينها للمدرسة، لأني تركتها، فأنا أعرف في الجبر والهندسة أكثر مما يعرفه (لام ميم) بكثير، ولا منفعة لي من هذه المدرسة الصيفية”.

وهكذا عدت إلى كروم العنب والتين واللوز والمشمش، ألاحق عصافيرها المكتنزة لحماً ودهناً، أصطاد منها “بالنّقَيْفَة” ما تيسر لي، غير أسِفٍ على حياتها، وغير نادمٍ على أفعالي “المجرمة” بحق هذه الكائنات الجميلة والبريئة.

 ولعلّ الجوع المزمن، لأنواع اللحم والدهن، الذي كان يسكنني هو سببٌ في فرحتي بذبح تلك العصافير الصغيرة. ولم أكن وحدي لأفرح بالصيد الوفير، بل كانت قطتنا، الأليفة النظيفة، تشاركني الفرحة وتبدأ بالمواء فور رؤيتي فتتمسح بي مطالبة إياي بقطعٍ ممّا تصيّدت.

كان عليَ نتف وسلخ وإخراج الأحشاء من كلّ عصفور، فألقيها لقطتنا الرائعة، لتأكلها شاكرةً حامدة. كنت أعرف ذلك من نغمة موائها التي تعبّر به عن شكرها، لربّ العالمين، ولي أيضاً، وعن اللذة الهائلة بالشمّ والمضغ والبلع التي لا تضاهيها متعةٌ في الدنيا غير سرّ التفاحة اللعينة بين أبينا آدم وأمّنا حوّاء، عليهما السلام.

وكثيراً ما كان يحدث لي بعد غسيل الصيد وتنظيفه ووضعه في المقلاة، ووضع المقلاة فوق “بابور-البريموس” بانتظار إشعاله، تمهيدا للبدء بالقلي، أن أكتشف أنّي بحاجةٍ إلى القدّاحة أو عيدان ثقاب كما كنت أحتاج أحياناً للملح والزيت والخبز لمباشرة الأكل فور انتهاء القلي. وحينما لم يكن من السهولة حمل المقلاة وفيها صيدي من العصافير، ذهاباً وإياباً وحمل ما تتطلّبه الوليمة مع المقلاة، ولا يمكنني ترك المقلاة على “البابور”، لئلا تستغل قطّتنا غيبتي القصيرة، فتلتهم صيدي في غفلةٍ مني، فقد كنت، سامحني الله، أحتال عليها، فأناديها: “بيسي، بيسي، بيييسي.. ” بصوتٍ مبيتٍ بالخديعة، لكنه يفيض بالمحبة والمودة والحنان، فأجعلها ترافقني في أرجاء البيت، وتبقى تحت ناظريَّ، فأكون بذلك مطمئناً على طعامي من هذه القطة الجائعة مثلي أبدا.
كانت تلك حالتي في صيف سنة 1963 من قرنٍ مضى … وأيامٍ لن تعود.. يتبع. 

ahchebib@gmail.com أستاذ رياضيات في الجامعة اللبنانية، (متقاعد).

4 تعليقات

  1. مريم

    رغم قسوة الحياة وجفائها
    إلا أن طبيعتك الحلوة وشقاوتك المحببة وذكائك الذي تتمتع به
    وتحديك لمصاعب الحياة ، كل هذا ساهم إلى إيصالك إلى هدفك
    و وصولك إلى أعلى درجات العلم وأشرفه ..!
    أحببت هذا السرد الممتع والراقي الذي يشف عن إنسان عصامي صنع حياته بيده .
    كل الشكر لك دكتور أحمد

    الرد
  2. أحمد شبيب دياب

    الصديقة مريم
    الشكر لكِ، على مرورك العطر على صفحة مقالي وكلماتك اللطيفة الصادقة..
    تأخرتُ قليلاً على قراءة السنابل بسبب السفر وتحضيراته ومشقّته، فعذراً على تأخيري بالردّ على كلمتك الجميلة، لقد أعطيتني أكثر مما أستحق:
    فما أنا إلّا باحثٌ عن الحقيقة، راغبٌ باصطياد نُثرٍ منها.
    خالص تقديري ومودّتي

    الرد
  3. أشواق

    مساء الخير
    نص جميل جدا، يمزج بين حياة الريف الوادعة، وصرامة الهندسة، ويظهر لنا شخصيتك الفريدة، التي تجمع بين العبقرية والبساطة.
    أربكني التمرين، واستفزني أيضاً، أشهد بالحق أنك طالب استثنائي.
    قمت بحله، لكني مازلت غير مقتنعة تماماً بالحل، استعنت بقانون أن AG تساوي ثلثيAM وهكذا أكملت، وعدت واستخدمت النسبة بين الأضلاع.
    وأعتقد أن الحل أبسط من الغابة التي رسمتها على ظهر دفتر الملاحظات.
    شكرا على النص وعلى التمرين الذي أنعش الذاكرة قليلا.
    وكل عام وأنتم بخير.

    الرد
  4. أحمد شبيب دياب

    صديقتي وزميلتي العزيزة
    هنا مربط الفرس
    حسب ما قيل لنا أنه لا يجوز لصف الثالث متوسّط استخدام نظريات
    و مبرهنات من الصف الرابع المتوسط
    وعلينا أن نلتزم بهذا الأمر لذلك يجب أن يكون الحل بدون الاستعانة
    بقانون أن AG تساوي ثلثيAM
    وسأعمل على كتابة الحل كاملاً وارساله للراغبين بذلك
    أو بنشره ضمن مقال
    . الشكر لكِ على اهتمامك بالمقال
    ولهذه الكلمة اللطيفة
    لا يا صديقتي لست عبقرياً ولا أكتب إلّا ضمن هدف أو أهداف سامية ونبيلة أمررها عبر النصً.
    ومن صرامة الرياضيات ووعورة مسالكها
    أعود لأعترف أمام الخلق بأني مغرم بالدنيا عاشق لنبض الحياة ضمن اطار المحبة ومجال الدهشة أمام هذا العالم الفسيح.
    لن أخفي ما فعلت بي لمسات الطرافة والجمال وسأشرح هوايَ كما كنت أشرح أصعب الدروس ولا طيّ بعد الشرح.وهذا أديب الدايخ يعيدنا إلى الشعر والطرب الأصيل المعبًر .
    https://www.youtube.com/watch?v=7i-GxSv71Ro
    وكل عام وأنتم بخير

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.