في حارتنا العتيقة

بواسطة | 25 سبتمبر 2019 | قصص قصيرة | 7 تعليقات

في حارتنا العتيقة

خواطر قلم.. متواضع

مهداة لأستاذي الرائع

إبراهيم يوسف الغالي

في حارتنا العتيقة، حيث كانت تغّفو على صوت هدهدة الأمهات الرخيم، وتصحو على صوت هديل اليمام وسقسقة عروس التركمان! هناك كُنّا أطفالاً نلهو تحت كل سماء.. نتأرجح بالغيم المارق، ونفتح أيدينا الصغيرة على اتساعها ونُصلي لتمطرنا دمىً وكعكبان..

كنا نتوسد أركية الفرح الأخضر ونلعب “لعبة دور يا صحن السُكّر” نملؤه خيّرا وسكراً ونذريه حفنات حفنات على كل بيوت الحارة. هناك كانت حارتنا العتيقة غارقة من الرأس حتى أخمص القدميّن بلهو الأطفال، وحرير أحلام العذارى يمشطن أهّداب أحّلامهن بأنامل الطهر والنقاء ويطرّزن المناديل الشّامية، وجهاز العروس على نور قمر صار بدرا، وينّشُرن القمح المصوّل على سطوح البيوت الحجرية..

كُنّا هناك.. في حارتنا الغافية باكرا.. نسّتقبل في البواكير موكب الشّمس مع صياح الديكة ونهيق الحمير ونُباح الكلاب وولادة القطط! ونتلهف لمواسم الزيّتون كلهفة الأرض للمطر الأول، لكي نجني الغلة ونخزنها في خوابي الزيت قبل قدوم الشّتاء.

كنا أطفالا، كباراً وصغاراً، نجلس القرفصاء حول طبق القش وتتسابق أيدينا الصغيرة على ما يسّره الله لنا من قوتٍ راضين قانعين! ثمرات التين البياضي كانت التحلية؛ نخطفها من قرطلة جدتي أم حسين وبضع حبات توت نقطفّها من توتة عمي أبو صالح التي طالما نصبنا تحّتها الفخاخ، لنصيد طيوراً من الأوهام.

هناك في حارتنا المنّسية كان يعود عمي بو يوسف من حقلهِ، والشمس تشرق من كفّيه والمنكوش يبتسم على كتفه، هل ثمة أحدٍ أخبر عمي بو يوسف، “جار الرضا” بأنّه زرع في قلب كل من عرفه غابة أفراح؟ وجارتنا الخالة أم سعيد المرأة الصلبة كالرجال! كانت تزغّرد كالصبايا في الأعراس وتلوِّح بمحّرمتها المنّقوشة في المناحات وتّبكي كالأطفال! هل أدركت يوماً بأنها زرعت في قلب كل من عرفها “قصّفة حبق!”

نشتاق..! لنسيم الصّبا للدبكة الشمالية ونخوة الشباب السمر! نشّتاق لرائحة الحناء في عيد الأضحى المبارك، لطاسة الرعبة التي حُفِرت عليّها آية الكرسي، وفعلت ما لا يستطع أن يفّعلهُ أمهر الأطباء؟ عنّدما سقط أحد الصبية عن السطح! نشتاق للمّة نساء الحارة  تحت عريشة الدالية يرتشفن القهوة “الوقت عنّدهن ليس من فضة ولا من ذهب!” كن يتركّن لنا نحن الصغار الحبلَ على الغارب، لنلعب لعبة الغُميضة ورجل الجمل المكسورة، نتعارك كديوك رومية ونتصالح خلال دقائق معّدودات، ثم نعود لنلعب كجراء صغيرة تكتشف الأشياء من حولها بأفّكارها الساذِجة كأفّكار العصافير وأحّلامها البريئة كأحلام الفراشات! 

أين رحلتِ يا حارتنا العتيقة؟ من لطّخ ملامحك الجميلة بألوان الخريف..؟ وقصّ ضفائرك الطويلة وسرق وجّهك، الذي كان أجمل من وجّه السّماء..!؟ من أجتثّ شجرة التوت من جذورها وطرد عروس التركمان وقتل فراخ اليمام وكسر صحن السُكّر..؟ ولماذا أصبح الناس اليوم يعيشون في سيرك إسّتعراضي عام يشمل الكبير والصغير! يُصفّق الواحد للآخر دون أن يعرف الواحد الآخر أو يحب الواحد الآخر! أهذا ما أغّضبك يا حارتي العتيقة؟

ألأننا كُنا صغارًا، رفيقنا الصدق والطهر! ولم نرتدِ قط تلك الأقنعة الملوّنة التي يلبسها بنو البشر الآن! في كل مناسبة قناع وفي كل وقت قناع! نعم كُنّا صغارًا لنا وجه واحد بدون أي قناع! ولكننا اليوم..! وبعد أن كبرنا، أصبحنا نغيّر الأقنعة حسب متطلبات المكان والزمان، ننشد لكل واحد موّاله وعلى هواه لا كما يُمليه علينا الواجب!

لماذا أصبحنا صِغارًا وكبارًا؟ نكرّر كل ما نسمعه على ألسن العامة كببغاوات غبيّة دون شفافية أو موضوعية! ألهذا السبب رحلت حارتي العتيقة وتغيّرت ملامحها الأصيلة؟ أتُريدنا أن نعود صغارًا كعهدها بنا! ليّتنا نعود صغارًا.. وليّتها..؟ تعود يوّما ما حارتنا العتيقة، التي تجمّدت على مشارف الزمان.. هناك..

شهربان معدّي كاتبة من الجليل.

7 تعليقات

  1. إبراهيم يوسف

    “هاتِ لي عمري فأجعله * طائراً في الأرضِ ينتقلُ
    أنا يومَ البعدِ أغنيةٌ ***** تأخذُ الدّنيا…. وترتحلُ”

    هي محطَّةُ مُبكرة وتباشيرُ حُبٍّ أو وَداعٍ..؟ نَصَبْتُها في قلبي لتتلقى إشاراتِ القلوبِ النابضة بالمودةِ والطّهارةِ والسّلام، التي تنطلقُ بصدقٍ وعفويّة وصفاء لتحطُّ في القلوب الأخرى بأمان.

    صباحُ الخيرِ يا ابنة الجليل، صباحُ رائحةِ عطرِ الأرض في الشتوة الأولى. الأرض الحبلى بمواسم التين والزيتون وطور سنين، وهذا البلد الأمين بكلِّ زَيْتِهِ وزيتونِه، بكلِّ خيرهِ وبقاعِه ونواحيه.

    سأنتظرُ قدومكِ كلَّ مرة؛ للتجوّلِ جنباً إلى جنب في حواري بلدتِك العتيقة.. يداً بيد وقلباً على قلب وأملاً يحدُوه أمل؛ ولعلَّ حبِّي وحده قليلٌ عليكِ يا شهربان؟ يا ابنة الأرض الكريمة والأصلِ الطيِّب.

    الرد
  2. إيناس ثابت

    سعادتنا اليوم شهربان..متى عادت النفس إلى طبيعتها في عالم الطفولة السحري، فتكون الأقرب من صورة الإله. لا تملك سوى حاضرها..لا يعكر صفاءها التفكير في المستقبل، أو الغرق في الماضي. تطلق ضحكتها الصافية في الفضاء..تمتزج بالطبيعة وتحتضن الدنيا كلها بين ذراعيها.

    دمت صديقتي العزيزة ومعلمي بألف خير.

    الرد
  3. Maissa Boutiche

    شهريان معدي
    كلنا متعبون من شدة الحنين الذي يؤجج الحنايا. يا ليت الزمن يعود واصير طفلة تلهو بين السنابل والزهور البرية وامرح بين المروج. تعجز الكلمات على وصف جمال نصك الموشوم بماض عتيق ولى تاركا وشمه الاخضر ينبثق من حين الا حين في كل منّا.
    يسلم النبض والحنين واليراع.
    تحياتي والورد.

    الرد
  4. شهربان معدي

    “سأنتظرُ قدومكِ كلَّ مرة؛ للتجوّلِ جنباً إلى جنب في حواري بلدتِك العتيقة.. يداً بيد وقلباً على قلب وأملاً يحدُوه أمل”
    وليتنا نلتقي يومًا ما…
    ونتجول سوية في حارتي العتيقة..
    يدًا بيد وقلبًا على قلب
    ونحظى بحضورك الكريم..
    ولأنه يعزّ اللقاء..؟
    أهديتك يا أستاذي هذا النص المتواضع..
    لوحة قديمة من حارتي العتيقة..
    تقع في بقعة خضراء..
    في شماليّ فلسطين..

    نحن كبرنا وتزوجنا.. وعمّرنا بيوتاً..
    ورحل للأبد.. غالبية الأهل والجيران..
    وبقيت حارتي العتيقة..
    وحيدة تنتظرنا.. على مشارف الزمان..

    “كانوا زغار و عمرهن بعدو طري
    و لا من عرف بهمن و لا من دري
    يقلا بجيب الريح تاتلعب معك
    و بكتب عيونك عالشتي تاتكبري
    و كان كان ياما كان في بنت و صبي
    يقلا بعمرلك قصر تاتلعبي
    و طار الزمان و بعد في كومة حجار تصرخ يا إيام الزغر لا تهربي
    و طليت عاحين بعد غيبة سني و لقيت الدنيي متغيرة بهاك الدنيي
    متل الغريبي مرقت قدام البواب و ماحدا منهن سألني شو بني”

    أترك بين يديك..
    رسالة محبة واحترام وتقدير وامتنان.
    من حارتي المنسية..
    في شماليّ فلسطين..

    الرد
  5. شهربان معدي

    “لا نبصر جيدًا إلا بالقلب
    والشيء المهم لا تراه الأعين”
    الأمير الصغير – أنطوان سانت أكزوييري.
    وهكذا عالم الطفولة النقي الصافي..
    يا صديقتي الغالية
    يلتقط عذوبة الأشياء وجوهرها بقلبه وروحه..
    ويطلق ضحكته الصافية في الفضاء..
    لتمتزج بالطبيعة وتحتضن الدنيا كلها بين ذراعيه.

    وهذه الخاطرة المتواضعة من حارتي العتيقة..
    مشاهد عشتها وأُخرى سمعتها من الجدات..؟
    ما هي إلا توثيق واستنهاض للذاكرة الجماعية القصيرة
    التي جرفتها العولمة الحديثة.. وجرّدتها من إصولها وجذورها..
    وتذكيرها بالحياة الحلوة المرّة االتي عاشها أجدادنا..
    ولكن حلّوها غلب مرّها بفضل الخير الذي كان موجوداً في البشر..

    شكرًا لك يا غاليتي
    ودمت عالية الهمّة
    وافرة العطاء.

    الرد
  6. Maissa Boutiche

    ألا أيها الحنين لم لا تستكن لم تلاحق ظلي الحاف وتورد بورد البراري الوجنتين؟
    مودتي والورد عزيزتي شهربان معدي.

    الرد
  7. شهربان معدي

    نعم.. صديقتي المايسة بو طيش الغالية
    هو ذاته الحنين الذي عصر قلبي
    ولاحقني كطفلٍ صغير..
    وصبغ وجنتاي ببراري الجليل..
    وحفّزني لكي أكتب تلك الذكريات الوردية…
    هو ذاته الحنين بعينه، لطفولتي البريئة؟
    وحارتي العتيقة..
    التي ما زالت تنتظرنا.. هناك..
    على أطراف الزمان..

    شكرًا لعطر مرورك العبق..
    وتحياتي القلبية من أرض الأنبياء
    من بلد الزيتون والغار..
    من الجليل..
    لك ولجميع إخوتي القرّاء.

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.