في العهر الأدبي وهويّة الشاعر

بواسطة | 19 أغسطس 2020 | مقالات | 7 تعليقات

بعضهم يرطن بالانكليزية
وبعضهم ما زال يغرّد بالفرنسية
وأخرون لا يكادون ينطقون إلّا بفصحى شيخ الأسلام ابن تيميّة
وآخرون يمتهنون البكاء،

ولا ينتحبون إلّا باللكنة الفارسية
ومنهم من يتألّم
ويجلد نفسه ووطنه بسياط النقمة.

حين قلت أنّ “روحي عربية”

وأنّي متفائل بثورة تشرين اللبنانية،
تحرّكت فيهم لواعج الانسانية
وعذابات الشعوب الشقيّة؛
عاتبوني على مجاعات أفريقيا
وحرمان الصومال،
وقضية اليمن،
ومصائب ادلب وأحوال كركوك
ولمّا عجزوا:
قالوا “فلسطين”

وكأنّي قد خنتها أو بعتها
أوكأني أنا من احتَلَّ أرضها وشرد أهلها منها
ثمّ قمت فأتممت معاملات تسجيلها لنفسي في دائرة بعلبك العقارية.
ومنهم من يتّهمني بمحارق لم يقم بها هتلر زمانه.


كالوا لي كل الشتائم بالتعصّب والعنصرية وما شابه…
ولم يقصّروا.
وتعجّبوا كيف لا أهتمّ بقورش،
ولا بكسرى على إيوانه.
واستشاطوا غضباً حين لم أرفع القلنسوة مثلهم لكبير الكهنة.
وهكذا بدأت ألطم وجهي على خيبتي بهم جميعاً
ولعلّهم يلطمون صدورهم على خيباتهم بي
ويرددون مرثياتهم السرمدية المتوالية!
ويا للهول!

تركت الجميع إلى غرفتي المتواضعة
ونظرت في صندوق الفرجة قليلاً (اللابتوب)
ثم جلست إلى الزاوية “أترنَم من لغة القرآن”

مع مظفّر النوّاب في وتريّاته الليلية.
*****

هذه رسالةٌ إلى شاعرٍ أرادَ بَيْعَ هويّته:

تحياتي أيها الشاعر، وبعد:

كيف يبيع أحدهم الهوّية
وهي مكوّنات دمه،
وخصائص جيناته،
وبريق عينيه،
وخفقات قلبه،
ولهفات روحه.


تمهّل قليلأً أيها الشاعر
وعدّ بتاريخك نحو الماضي
وتذكّر من أي بلدةٍ أتيت
بل ما هو أول معبدٍ مررت به

قبل أن تُولَدَ بقرون كثيرة؟
وأية لغة نطقت بها الشعر لأول مرّة؟


هل يمكنك التنكّر لزينون الصوري
؟
أو لنيقوماخوس الجرشي؟
أو لثابت بن قرة؟
لا بل أنت أيها الشاعر أتيتَ قبل ولادة الرهبان
ْ
وقبل مشايخ الحديث والتفسير وفتاوى التزّمّت؛
قبل ابن تيمية وابن كثير والخاقاني

وقبل القمّي وابن عبد الوهّاب الأخير
وكلّ مَنْ مٍنْ بعده كفّر وأنذر
ْ

قبلهم جميعاً بدأتَ بأبياتك الأولى

يومها لم تكن تنطق العربية
ولم تكن لهجتك قد تكونت بعد


ومن هم هؤلاء النكرات من “سخام الأحزان”؟
من أمراء وملوكٍ تزينوا كالعاهرات “بأعلام الدول الكبرى”
؟
تمكنوا من خليجنا فحكموه؟
وهل يحبس البحر وتُحْكَمُ الرياح والأعاصير؟


أنت أيها الشاعر

أنت لسان أمتّك
وقلبها الخافق
وعقلها العميق
أنت مجنونها

وأنت نبيّها.

هي قررت أن لا تخرج منك،
فكيف لك أن تخرج منها.


بوركت تلك الروح الصافية المحبة للخير والجمال، بين خافقيك.
أيها الشاعر

انظر في خبايا روحك العميقة
روح الانسان الذي هو أنت
وتكلّم

فأنت نبيّ مثل جبران،
ومجنون مثل قيس،
وحكيم مثل زهير ابن أبي سلمى،
وفيلسوف كالمعري رحمه الله وطيّب ثراه.

ولعلّك من شهداء الفكر؟.

مع هؤلاء تجد هويتك الحقيقية
!
دع هويّتك الزائفة، المفروضة عليك،
تنزوي في نفسك في مكانها اللائق بها،
وتحاسب معها ساعة تشاء،
ثمّ ننتظر قصيدةً لك لنسمع بقية الحكاية.

ahchebib@gmail.com أستاذ رياضيات في الجامعة اللبنانية، (متقاعد).

7 تعليقات

  1. إيناس ثابت

    الدكتور..والصديق العزيز أحمد دياب

    الشعر الأصيل لا يبلى ولا يفقد زهاء ألوانه بمرور الزمن…ولا يموت، والشاعر الأصيل يحمل في كفيه سحر الكلمة وبراعة التعبير وفي قلبه ضميره الإنساني والأخلاقي.

    الرد
  2. أحمد شبيب دياب

    الصديقة الغالية الكاتبة إيناس ثابت
    لا يمكن للشاعر أن ينتمي لطائفةٍ أو عقيدةٍ معيّنةٍ أو زمنٍ معيّن،
    وعليه أن يخرج من انتماآته الضيّقة إلى رحاب الانسانية بقِيمها السامية وإلى فضاء الزمن المنساب من جيلٍ إلى جيل.
    ولا بدّ للشاعر أن يزهر في حضارة معينة يرث فيها من سابقيه،
    فإن لم يبدع ويبني مدماكاً جديداً في بنيان الشعر ،
    فما هو إلّا حالة عابرة سرعان ما يختفي بريقها ويخبو لمعانها.
    أمّا سحر الكلمة وبراعة التعبير فهي الموهبة وتطويرها …. ولن تتألّق الموهبة إن لم يغمر الحب قلب الشاعر فيحمل بين جوانحه قيم الإنسانية في الحقّ والخير والجمال والسلام..
    شكراَ لك الكاتبة والشاعرة الصديقة إيناس ثابت على مرورك العطر وكلمتك الطيّبة البليغة والمعبّرة عن ماهية الشعر الأصيل.

    الرد
  3. إبراهيم يوسف

    كتبت تعقيبا على نصك لأفضفض عن نفسي
    لكنني لم أراع فيه الاختصار
    واستغرقت في الحديث بمودة إليك
    ولم أدر إلاّ والتعليق يتجاوز الألف كلمة
    وبالتالي لم يعد صالحا لباب التعليقات
    وبناء عليه رأيت أن يتحول إلى رسالة
    لا تخلو من تنوع على غير انسجام

    أرجو أن أدققها وأنشرها قريبا بعون الله
    كما أرجو أن تتحمل سيئآتها
    ما دمت تتجاوز السيئة… إلى الحسنات

    الرد
  4. إيناس ثابت

    هذا الركود في النصوص كما في التعليقات والردود، لا يحركه أحد كما يحركه الدكتور أحمد شبيب وصديقه اللدود الأستاذ الصديق إبراهيم يوسف.

    الرد
  5. أحمد شبيب دياب

    الصديقة الكاتبة إيناس ثابت
    تحية طيّبة وسلاماً وبعد
    لا شكّ أنك أطلقت السهم فأصبتِ كبد الحقيقة،
    ولكن المقاتل قد يحتاج إلى مبارزةٍ حقيقية،
    والتوقّف ولو قليلاً عن مصارعة طواحين الهواء بدون طائل.
    أمّا الصديق “اللدود” الأستاذ ابراهيم يوسف
    وهو في حقيقة الأمر الأخ والشقيق الذي يطيب لي “معاركته” في نواحي الدار،
    فقد أتحفني وأذهلني بمقاله الرائع ” نساء الله …”
    وأصاب منّي ما لم يصبه من قبل،
    فسكنت وسكتُّ حتى يزول عنّي عمله السحريّ هذا.
    و لا زال الطبيب الروحاني ينظر في كتبه العتيقة ليجد لي ما يذهب عنّي ملوك الجنّ الذيين سلّطهم عليّ صديقي “اللدود” من خلال مقاله الساحر.
    خالص مودّتي وتقديري مع باقات الورود وقوارير العطور
    أحمد شبيب

    الرد
  6. إبراهيم يوسف

    أهلا الصديقة العزيزة إيناس
    يعطيك العافية…. ويقويك

    “قد أتاكَ يعتذرُ…. لا تَسَلهُ ما الخبرُ
    كلما أطلتَ له؟ في الحديث يختصرُ”

    كنت يا صديقتي قد كتبت نصا طويلا يستجيب لرغبتك، ويعزز الحوار مع د. أحمد والآخرين من خلال صفحة التعليقات. لكنني وأنا أعيد قراءته بعنياية، بعدما تركته أياما لتدقيقه ومراجعته؟ صرفت عنه النظر بعد تعب ليس بسيطا.

    ذلك؟ لكي لا يدخل بيننا “الشيطان” ويعيدنا للمتاريس. لكنني لو تلقيت ضمانة صريحة تؤكد نشره ؟ فإنني سأعيد تدقيقه وتهذيبه وتقليم أظافره فلا يخدش ولا يخرمش. أو أعود إلى الجاهلية..؟ لوأده فلا ينشر بلا أسف عليه.

    الرد
  7. أحمد شبيب دياب

    الصديق الغالي الأستاذ ابراهيم يوسف
    بعد التحية والسلام أعود لتأكيد اعجابي بمقالك “نساءُ الله رسالة پانورامية”
    في جميع مندرجاته،
    ولا يسعني سوى أن أرجوك تبقي هذا العمل على صيغته الحالية الرائعة، دون أيّ مساسٍ به، حفاظاً على طبيعته الجميلة الصادقة التي لا تحتوي إلّا الوطنية الصافية والمواقف الشجاعة والكلمة الخلّابة واللفتات الساحرة
    مع ألف تحية حبٍ وتقديرٍ
    أحمد شبيب

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.