عمر بن كلثوم وتميم البرغوثي في ربوع لبنان

بواسطة | 17 ديسمبر 2019 | شعر | 4 تعليقات

كْفَرْ دَبَشْ قرية آرامية صغيرة، سكانها يعبدون آلهة الخصب، ويقدّمون القرابين للبعل الذي يحي الأرض بعد موتها بأمطاره المباركة وثلوجه المقدّسة.  اسم البلدة كْفَرْ دَبَشْ يتألّف من كلمتين آراميّتين  كْفَرْ  وتعني البلدة أو القرية  ودبش وتعني الدبس فهي بلدة الدبس.

 تقع بلدة الدبس على “كعب” سفح صنّين المتّصل بسهل شرقيّ “شمس الجبل”[1] وتنتشر بيوتها على تلّةٍ ترابيةٍ خصبة توشّحها شتّى أنواع النباتات البرية التي تفوح منها روائح عطرية، تذكّر سكّان البلدة بما ينقله لهم الكهنة من طيب عطور جنة الفردوس التي طرد آدم منها لمجرّد تذوّقه تفّاحة حواء اللذيذة.

 تلال كفر دبش صالحة لزراعة الحبوب، ونصب كروم العنب والتين والزيتون وأشجار الجوز واللوز والرمّان والكرز. اشتهرت كْفَرْ دَبَشْ قديماً بصناعة دبس العنب وأنواع التين المجفف الذي يفوح بعطر المردكوش. كما تميّزت عن باقي قرى البقاع بنبيذها الفاخر وعرقها الذي إذا خالطه الماء سمع له هديراً تذوب لرقته قلوب السامعين.

 في منتصف الطريق بين زحلة وبعلبك تقع بلدة بيت شاما المشهورة بجمال صباياها ووسامة شبابها. وعلى آخر الدرب الترابية المنبسطة بين بيت شاما وكفردبش تنبع عين ماء صافية عذبة تصبّ في جرن منحوت من حجر صنّين الرخامي الملوّن الرائع، ولهذا فقد سمّيت بعين الجرن. فإذا مررتَ بقرب هذه العين يلفت نظرك تواجد الحمير الهادئة  تنعم بالشمس والعشب والماء وجميع ما أنعمت به السماء. وترى الصبية يتهارشون مع الكلاب التي تحرس بعض القطعان السارحة في الوادي القريب.

 يوجد قرب نبع عين الجرن خمّارةُ تقدّم أفضل أنواع النبيذ والعرق وغيره من خمور العنب. صاحب الخمّارة شاب وسيم من بلدة الدبس يدعوه أهالي المنطقة  بديبو السرغاني لأن جده لآبيه،  ولسببٍ ما، هاجر من بلدة سرغايا في الجبل الشرقي إلى بيت شاما ثمّ استقر به المقام في كفردبش. ليس هذا فحسب إلّا أنّ ديبو السرغاني وهو قصّاب معروف بنَفَسِهِ الطيّب في ذبح الأغنام، وتقديم الكبّة والكفتة والمجرمشة وأصناف الشواء  التي تفوح منها روائح الفلفل وأنواع البهارات المختلفة التي يوصي ديبو عليها فتأتيه مع التجار من بلاد الهند البعيدة. ولا يعود سر طيب مذاق ما يقدمه ديبو من اللحم الضاني للأعشاب البرية أو البهارات التي يتبّل بها اللحم بل لمعرفته الجيّدة بمراعي الغنم المميزة التي تعطي الشواء طعمه الطيّب ومذاقه الشهي.

يتكلّم ديبوا مع أهله باللغة الآرامية التي تقارب اللغة العربية وتشترك معها بكثير من الألفاظ والتعابير. ولكنّه قد أتقن لغة البدو من رعاة الأغنام الذين يبيعونه من مواشيهم أو يبادلونها معه بجرارٍ من الخمر وكوالك من الدبس . لم يكن ديبو يحب الكسب والربح رغم حاجته الدائمة للمال، ينفقه في هوايته وشغفه بتربية الخيل وممارسة ألعاب السباق والفروسية في حقول سهل البقاع الفسيح. وكما يقال عنه فديبو من أهل الكيف، وأصحاب الكأس، ومحبّي العتابا والميجانا وأغاني البدو والحضر والفلّاحين على حدٍ سواء. أمّا اليوم فديبو في الثامنه والعشرين من عمره، ولم يزل عازباً، وقد طالبه والده الياس السرغاني بنقل محصول العنب العبيدي المشهور بحلاوته إلى المعاصر الفوقا مع رزم الحطب، لعصرها وغليها في خلاقين الدبس قرب عين حمده. إلّا أنّ ديبو لم يطع والده هذه المرّة – خلافاً لطبعه الطيّب باحترام والديه  والعطف عليهما وتنفيذ كلّ ما يطلبانه منه- فقد وصله رسول يُعلمه بوصول صديق طفولته، الشاعرعمرو بن كلثوم التغلبي، إلى البقاع وإقامته قرب سرغايا على رابية يلفّها نهر يحفوفا كحزام من الحرير على خصرٍ أهيفٍ لصبيّةٍ حسناء من أقاصي بلاد الروم.

أمّا معرفتي بديبو فتعود لتنقلي مع والدتي من شمس الجبل إلى “حوش الرافقة” حيث يعيش أخوالي الذين يعملون بزراعة الحبوب والخضروات على ضفتيّ نهر الليطاني الذي يجري بهدوء وصفاء شرقيّ البلدة. كانت والدتي ترتاح من عناء المسير على الطريق الترابية بين الحوش وشمس الجبل قرب عين الجرن وتنظر نحوجبال لبنان الشرقية وتتنهد بعد كلّ شربة ماء من هذه العين الصافية. كانت والدتي تمنعني من الاقتراب من تلك الغرفة البيضاء ذات الحيطان المبنية بلبن التراب والمسقوفة بالجذوع والأخشاب القريبة من العين.

كنت في العاشرة من عمري حين التفيتُ بديبو وعرفت أن والده هو اللحّام صاحب قطعة الأرض المحاذية لعين الجرن. توطّدت صداقتي مع ديبو بسرعة خيالية، خاصةً لأني وإيّاه كنّا نشترك بهواية صيد عصافير التين، الني تكثر في كروم كفردبش، وبعشقنا للشعر والغناء والرقص والدبكة. أمّا  في أيّام الشباب فقد صار جلّ كلامنا عن الصبايا الحسنوات والسيدات الجميلات فكانت هذه الأحاديث أكثر مايربطنا ببعضنا البعض ويرسّخ صداقتنا.
اليوم سمعت صهيل فرس وعرفتها إنها فرس ديبو، الصديق الغالي، قرب شبّاك غرفة بيتنا القريب من مقام النبي ساما في شمس الجبل. ما إن نظرت إليه من الباب حتى اندفع نحوي فصافحني بلهفةٍ وفرحةٍ فائقةٍ ودفعني بعنفِ “مبرّرٍ”، لكي أرتدي بذلتي الفاخرة، الوحيدة التي أملكها، وأوفرها للمناسبات المهمّة. لم أتأخر عن ترتيب أموري بمعاونة زوجتي الغالية التي كانت تفتخر بي وتحرص أن أبدو بأحسن مظهر، كما أنّها كانت لا تتأخر عن رشّ بذلتي بعطرٍ اشترته لي أثناء زيارتها لمدينة دمشق في ربيع السنة الماضية.

أخذت فرس والدي المحجّلة دون استئذانه هذه المرّة لأن  فالأمر لا يحتمل التأخّر مع ديبو السرغاني. وفي الطريق علمت بمقصدنا وبدعوة الشاعر، صديقنا المشترك، عمر بن كلثوم للسهر بضيافته في مضارب قبيلته  في البقاع.

كنت أعلم أيضاً أن الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي، يقضى صيفه -هذه السنة – في بلدة الكرك، المعروفة بكرك نوح لأنها قد تشرّفت بوجود ضريح النبي نوح عليه السلام فوق أراضيها. أوقفت فرسي عن المسير ونظرت نحو ديبو وطلبت منه السير إلى الكرك علّنا نلتقي به فيرافقنا في ليلتنا هذه في ضيافة عمر بن كلثوم. سرّ ديبو بهذا الاقتراح وما كان منه إلّا أن صدح صوته بالانشاد  والغناء حتى كادت فرسه ترقص معه على نغمات أهازيجه.

قضينا ليلتنا السحرية هذه في جوٍ من المحبة والإلفة، اقتربت فيها نجوم السماء منّا مصغيةً لشدونا ومحاوراتنا التي تميّزت بالظرف وحسن الإلقاء. سمعنا من عمر بن كلثوم بعضاً من معلّقته الشهيرة، ولكن كرمه ونبيذه الفاخر جعلنا في سكرٍ ما بعده سكر. وما انتبهنا إلّا وكلٍّ في فراشه يحاول أن يتذكر ما جرى. أمّا أنا فكنت أسمع السيّدة أمّ كلثوم تنشد هذه الأبيات من قصيدة الأطلال للشاعر إبراهيم ناجي:

وانَتَبَهْنَا بعدما زَالَ الرَّحِيقْ
وأَفَقَنَا ليتَ أنَّا لا نُفِيقْ

يقظةٌ طاحَتْ بِأَحْلَامِ الْكَرَى

وتولَّى الليلُ، والليلُ صديقْ

وإذا النورُ نذيرٌ طالعٌ

وإذا الفجرُ مُطِلٌّ كالحَريقْ

وإذا الدُّنُيا كَمَا نَعْرِفُها

وإذا الأحبابُ كلٌّ فِي طَرِيقْ

نعم، وإذا الدنيا كما نعرفها: وجدت نفسي، أحمد شبيب، في بلدة شمسطار (شمس الجبل) اللبنانية سنة 2019 للميلاد. مع هذه الاستفاقة، بدأت من جديد، رحلة الهمّ أحياناً كثيرة تتخلّلها جلسات صفاءٍ أحياناً قليلة: حاجتنا للماء والكهرباء، وحكومتنا الطرشاء (عن مطالبنا) …..
ولكن الوقت لم يطُلْ إلّا وقد نظمت مجاراةً لمعلقة عمر بن كلثوم، وكأني ألقيها إمام الملك عمر بن هند، مطمعةً ببعض أبيات المعلّقة حين يناسب الحال ويصحّ المقال:

“وَكَأْسٍ  قَدْ   شَرِبْتُ بِبَعْلَبَـكَّ
وَأُخْرَى  فِي  دمشِق وَقاصرينا”

وفِي بيروتَ كَمْ أَتْرَعْتُ كأسِي

وكَمْ أَفْنيت من عمري سنينا

ولو خيّرت في حبٍ جديدٍ

جعلت بدارها قلبي رهينا

ولو أفنيت دهراً في هواها

ما كفاني الدهر شوقاً أو حنينا

مهفهفةٌ يَضُوعُ السِّحْرُ مِنْهَا

بِلَحْظٍ  قد جُنِنْتُ بهِ جُنُونَا

عَرُوسُ الْغِيدِ يَا بَلَدِي تَجَلِّي

وَصُبِّي مِنْ خُمُورِكِ وَاصْبِحِينْا
***


وعذراً سيّدي عمر بن هندٍ

شربنا الكأس لكن ما سخينا

معاش تقاعدٍ لا خير فيه

وهل نسخو ونحن المفلسينا

ونحن المانحين إذا رزقنا

ونحن الثائرين إذ ابتلينا

“إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفَاً

أَبَيْنَا أَنْ نُقِرَّ الذُّلَّ فِينَا”

“أبا هندٍ فلا تعجل علينا

وأنظرنا نخبّرك اليقينا”

بأنّا نغمس بالخبز زيتاً

ونأكل بعده جوزاً وتينا

ونشرب ماءنا ونشيد حمداً
بباري الخلق ربّ العالمينا

ونمعن في تباري الشعر ليلاً
فلا بحراً تركنا ولا نسينا

نسامر بعضنا نثراً وشعراً
لأوزان الخليل مُكسّّرينا

ونطلق من صميم القلب ضِحْكَاً

ونكتم حبّنا سراً دفينا

سرت أيّامنا تلك الخوالي

كأنَّ الرِيحَ تَحْدُو الْعِيسَ فِينَا

وهذا يومنا في عرس نصرٍ

وما بالنصر عزّاً قد لَقِينَا

نشْرَبُ إن وردنا الحان خمراً

ويأتي ماءُنا كدراً وطينا

وهذي الماء في التحليلِ وحل
ٌ
وسمٌ قاتلُ للشاربينا

بها ما جازَ غسلٌ أو وُضُوءٌ
بأمّ العينِ أقذاراً تُرينا

فَصِرْنَا نَلْعَنُ الأيامَ طوراً
ونلعن حظّنا حيناً وحينا

ولا يلقى ملامتَنا غريبٌ
فدودةُ خلّنا مِنّا وفينا

فدعني من مشاكلنا لليلِ
يُسَتّرُ عيبنا في العالمينا

ندير خمرةً  ونأمّ ديراً
يحلل فعلنا شرعاً ودينا

فلا يكفينا بعد السكر سكرٌ
ولا نصحو لدهر الداهرينا

ولكن الأيّام لم تشأ إلّا أن ترحم قلبي الشقيّ المتمرّد المتعب، فتثور حبيبتي بيروت، وينزل معها الآلاف من أبناء الناس البسطاء يطالبون بحقوقهم بالخبز والعلم والحرية ونبذ الطائفية وكلّ تميِّزٍ وعنصرية.  وطبعاً ليس لي إلّا صديقي الشاعر العربي عمر بن كلثوم ابن أخت الزير أبي ليلى المهلهل وابن كلثوم المعروف بسطوته وبأسه. ولا بدّ لي من استكمال مجاراة معلّقته الشهيرة بعد أن استفقت من سكري الذي لم يستمرّ لدهر الداهرينا.

تَذَكَّرْتُ  الصِّبَا   وَاشْتَقْتُ   لَمَّا
وجدت  بساحِنا مجداً  مُبِينَا

فها نحن توّحدنا كشعبٍ

جعلنا حراكنا صلباً  متينا

أَيا عوناً  فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْنَا
وَأَنْظِرْنَا   نُخَبِّـرْكَ اليَقِينَـا

فقَدْ  عّجِبَتْ شبابُ العْرب مِنَّا
لحسن أداءنا في الثائرينا

نَزَلْتُمْ  مَنْزِلَ  الأَ سياد مِنَّـا
فأفرحنا العدى أَنْ تخذلونا

وَإِنَّ  الضِّغْنَ  بَعْدَ  الضِّغْنِ  يَبْدُو

عَلَيْكَ  وَيُخْرِجُ  الدَّاءَ   الدَّفِينَا

وَرِثْنَا  المَجْدَ  قَدْ عَلِمَتْ  شعوبٌ
نُحَاهِدُ  دُونَـهُ   حَتَّى    يَبِينَا

بِشُبَّانٍ  يَرَوْنَ الرَفْضَ مَجْـدَاً 
وَشِيبٍ  فِي  الحَرَاكِ  مُجَرَّبِينَا

أَلاَ  لاَ   يَعْلَمُ   الأَقْـوَامُ   أَنَّـا
تَضَعْضَعْنَا  وَأَنَّـا  قَدْ   وَنِينَـا”

أَلاَ لاَ يَجْهَلَنْ أَحَـدٌ عَلَيْنَا
فَنَعْقِلُ  رَغْمَ  جَهْلِ   الجَاهِلِينَا

بِأَيِّ  مَشِيئَةٍ  صرْتَ  بْنَ عَوْنٍ
تُطِيْعُ بِنَا الوُشَاةَ  وَتَزْدَرِينَا

فَإِنَّ قَنَاتَـنَا يَا عَوْنُ أَعْيَتْ
عَلَى الأخْصِامِ قَبَلَكَ أَنْ تَلِينَا

فَآبُوا بِالنِّهَـابِ وَبِالخَطَايَا
 وَأُبْنَـا بِالْفَخَارِ مُعَزّزِينَا 

عَلَيْنَا  كُـلُّ موسومٍ بأرزٍ
تَرَى فَوْقَ النِّطَاقِ  لَهُ غُضُونا

كَأَنَّ  ثُلُوجَنا أْحْرَزْنَ نَصْرَاً
فصرن بالدماء مضرّجينا

تباهى بنصرها في الأفقِ أرزٌ

ونام بحضنها جَذلِاً حَصِينَا

لبسناها على كتفٍ وقدٍ

تُصَفِّقُهَا   الرِّيَاحُ   إِذَا   جَرَيْنَا

وَرِثْنَاهُنَّ عَنْ آبَـاءِ صِـدْقٍ
وَنُـورِثُهَا  إِذَا مُتْنَا بَنِينَـا”
*****

أمّا الشاعر تميم البرغوثي فقد أرسل لي أبياتٍ ثمانية مجارياً فيها معلقة عمر بن كلثوم:

معين الدمع لن يبقى معينا
فمن أي المصائب تدمعينا

زمانٌ هون الأحرار منا
فديت وحكم الأنذال فينا

ملأنا البر من قتلى كرام

على غير الإهانه صابرينا

كأنهم أتوا سوق المنايا

فصاروا ينظرون وينتقونا

و أن الدهر يعرف حق قوم

لقبل منهم اليد والجبينا

عرفنا الدهر في حاليه حتى

تعودناهما شدا ولينا

فما رد الرثاء لنا قتيلا

ولا فك الرجاء لنا سجينا

سنبحث عن شهيد في قماط ٍ

نبايعه أمير المؤمنينا

ونحمله على هام الرزايا

لدهرٍ نشتهيه ويشتهينا

فإن الحق مشتاق إلى أن

يرى بعض الجبابر ساجدينا


[1] شمس الجبل: معنى كلمة “شمسطار” السريانية

ahchebib@gmail.com أستاذ رياضيات في الجامعة اللبنانية، (متقاعد).

4 تعليقات

  1. إيناس ثابت

    في اللغة العربية مفردة “علق”
    تعني النفيس…
    ومنها جاءت لفظة المعلقات
    وسميت بهذا الاسم
    لأنها من أنفس ماكتب العرب وجادت قريحته بهم
    فتعلقت” بها القلوب…”وعلقت” في الأذهان”

    وقال رأي آخر
    لأنها كتبت بماء الذهب وعلقت على أستار الكعبة
    فخرا وتشريفا للشاعر وقبيلته
    كما علقت ملحمة جلجامش في قصر الملك آشور

    وأيا كان سبب التسمية..؟
    تبقى المعلقات خالدة
    كإسم الدكتور الغالي أحمد دياب
    الخالد في أرواح محبيه
    وأنا واحدة منهم..

    الرد
  2. إبراهيم يوسف

    النص يا صديقي كاميرا يابانية أصليّة بمواصفاتٍ عالية الدِّقة، تلاحق المشهد وتنقله عبر الزمن، ليعيدنا بفيض من الخواطر والحنين، إلى الكروم والبيادر على حافة الماضي المجيد، يوم استدرج زوجته ليكشف المستور قائلا لابنه قولته المشهورة “بَيَّنوا شعيرات بُوْكْ يَسْعَدْ “؛ بلهفة من وجد ضالته بعد تنقيب وتفكير طويل.

    أما عن الشأن الشعري فحدِّث وَتَوَسّع بالحديث، بلا اعتراض مني ولا تعليل، عندما (فرَّق) المثلث الأحمدي بيننا، وجمع شمل أحمد شوقي مع أحمد رامي وأحمد شبيب، في قصائد ثلاثية الأبعاد بالأمس القريب.

    حينئذ لم ينل الأحمد الأخير، إلاّ نصيبا مغمورا من قاعدة المثلث المنكود، ذي الساقين المتساويتين، أما اليوم وقد اختلف الأمر كثيرا؟ فنحن أمام مثلث “أمويٍّ” آخر بمقاييس جديدة، يمثل أول من يمثله التغلبي الخالد عمرو بن كلثوم، كقاعدة شديدة الاتساع في المثلث الحديث. وفي الضلعين الآخرين يتساوى بصدق دون مغالاة، كل من تميم البرغوتي وأحمد شبيب دياب، وأنا صادق بحفاوتي بالقصيدة، وقناعتي وتبرئة ذمتي أمام الجميع.

    ولو سألتني رأي قبل نشر القصيدة؟ لاقترحت عليك مطلعا مغايراً، يستقيم معه الوزن والمعنى على نحو مختلف بسيط، فتشعر معه بنكهة اليوسف أفندي، يكتظ به ثديُ يافعة بدوية تعود بك إلى الأيام الخوالي وبهجة الشباب الجميل، وفستان بلون المخمل الأزرق، من أيام العز وموسم الحرير، لو انك استبدلت مطلع قصيدتك كما يلي:

    ألا هبّي بصَدْرِكِ… وارْضِعِيْنا
    ولا تُبْقِي بثديكِ عَصيرَ *المندرينا
    سمراءُ إذا ما عَاشَرْتَها فَجْراً
    أيْقَظَتْ في حناياكَ العُمْرَ الدَّفينا

    لكنني لو أكملت وتجاوزت المطلع إلى المضمون؟ لفضحتُك وفضحتُ البرغوتي، ومعكما قاعدة المثلث عمرو بن كلثوم. ومع هذا يا صديقي؛ سأشهد على نفسي بالغيرة والوضاعة والحسد، عندما أرى في استنساخ القصيدة، ما يستحق أن يعلق على أستار النبي ساما، جار الرضا وشفيعنا ومن يرأف بنا يوم الحساب العظيم.

    ونسخة طبق الأصل عن المعلقة الجديدة مكتوبة بخط اليد، ممهورة ومصدّقة من وزير الخارجية، ملصوقة على بوابة قصر ڤرساي في بعبدا، حيث تتدفق في بُرَكِهِ وباحاتِه نوافير الماء البارد النمير، في القصر الذي يعيشُ فيه حَمْو الوزير العتيد، ونحن في الضاحية نموت من شدة العطش، وتقتلنا روائح المياه الآسنة في الطريق.

    *أما المَنْدَرين أو اليوسف أفندي Mandarine، فثمرة شتوية من فصيلة الليمون، لها طعم مميز. جديرة أن نمزمزها معا في صحوة العمر الأخير. يقول عنها في تفسير الأحلام ابن سيرين (السخيف): إنه إذا رأى شخصا في المنام يقوم بجمع ثمارها “الفاسدة”؟ فيدل ذلك على أن الشخص سوف يفقد حياته، وفي أحسن الأحوال؟ سيمضي بقية عمره يعاني مرضا عضالا حتى يموت. وفي أمكنة أخرى يقول ابن سيرين، ما يُخجل ويُعيب؟ كمن رأى أن أمير المؤمنين “يطأه” – بلا مؤاخذة – وإن المفعول به ينال على يد الفاعل الخير العظيم.

    في مثل هذا الموعد من كل عام، موعد ولادة المخلص. هلليلويا؛ الليلة يولد يسوع المسيح. كل عام وأنتم يخير. انتهيتُ من التعليق في مساءٍ ساحليٍّ بارد، ولم يبق إلاّ التمني لكم بشم الهوا ورجوع “يَفْتاح” المظفّر المجيد.

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      من دهنو سقيلو؟ على ما يقول المثل الشعبي
      هذه في الحقيقة رسالة وصلتني من النمسا
      لمناسبة عيديّ الميلاد ورأس السنة أعادها الله
      على الجميع مقرونة بليالي الأنس في ڤيينا
      في رحلة باردة للغاية لكن نسيمها من هوا الجنة

      وهكذا فقد اخترت من رسالة د. أحمد شبيب
      ما يجوز أن أنشره فحسب
      وما لا يصح التصريح عنه في اعتقادي..؟
      فقد حجبته.. خفرا من الصديقات الكريمات
      نظرا لحساسية الحديث عن الجنس اللطيف

      أو البهدلة في السجن؟ بسبب التنديد بوطاوة
      بعض القائمين على مستقبل البلاد… والعباد ..
      فالأوطان العظيمة بحق؟
      ينبغي أن تُحْكَمَ من الأبطال لا من الأقزام

      فلتسامحني يا صديقي وتعفُ عني
      على قراري بنشر ما اخترته من باقة
      رسالتك الجميلة وأهملت ما فيها من الشوك
      فحجبته لمقتضى الأحوال
      دون أن طلب منك المشورة والسماح

      لكنّ ذوات الغنج والدلال
      حماهن الله وحماك.. وأيَّدَك
      فسدّد على درب الخلاص خطاك
      لم يبق لي منهنّ إلّا بنت الحلال
      كمعذبتي وصفيّتي.. أمّ العيال

      أما أنت يا صديقي..؟ فأستاذ الجميع
      بمطالع القصائد ومكامن المواجع
      في البداعة والوداعة وفن الرضاعة
      واكتساب الحديد للصحة؛ وللمناعة

      المصطلي من البرد بمواقد الشتاء
      ودفايات العرب.. القدماء
      والحضن المنيع ومستودع الأسرار
      والمرأة المثيرة المعطاء

      “فإذا الشتاءُ أتى يجرجرُ ذيلَهُ
      والليل ينفث برده.. ويجوبُ؟
      فاهرع إلى ذات الدلال وضمَّها
      فهناك بالحضن الحبيب.. تذوبُ”

      أما أنت يا صديقي الغالي؟
      فأدرى بحالي
      وما يدور في فكري وخيالي
      فوالله لو وضعتَ ذاتي على ورق..؟
      لرقّ وتفطَّر له الفؤاد
      أشد رقة من الورق الشفاف

      ولو أنزلته في تسجيل؟
      لحضرت معه ثلة من الملائكة
      وعلى رأسهم جبريل
      وطير أبابيل يرمي أولاد الحرام
      في الدنيا والآخرة بحجارة من سجيل

      لكن سفن المتبي وكرام آل شديد
      تجري دونما
      يشتهي الشراع أو تبتغي الريح

      يعطب الصخر السفن ويغرقها في المحيط
      وأنا على قدر ما بقي لي من العزم والقوة
      كأوديسيوس من الإغريق.. يعود إلى إيتاك
      على متن شراع يعاكس الريح
      بحثاً عن برّ الأمان وأيّ برٍ لا بِرَّ فيه؟

      بيروت مدرسة الزمان.. وأم الشرائع
      تاجرة محترفة
      بفن السياسة والمراوغة والخدائع
      المال فيها مسروق وضائع
      ولو كان في عمق المصارف والودائع

      تظاهروا درءاً للفساد
      واستعادة ما نهبوه من الأموال
      فضاعت ودائع الغلابى الفقراء

      أصدقائي أيها المغضوب عليهم
      أتوجه إليكم.. إليكم وحدكم
      ميلاد مجيد وكل عام وأنتم بخير

      أحبائي من الضّالّين الضائعين
      المجد ليس لكم.. المجد لهم
      المجد لهم في الأعالي.. هم أقرباء الله
      وأحبابه ومحازبوه
      دعوهم هناك في نعمائه
      ولا تنزلوهم إلى مستوى البشر
      البشر العاديون
      البشر الضالّون

      إن أمعن في ظلمنا المتعسفون على الأرض
      فلن يرحمكم سكان السماء
      لهم المسرّة لهم وحدهم… وليست لكم أبدا

      عام مجيد لكم وحدكم
      ومعكم جمهوركم
      اللهم احفظ عونهم أولا
      وتولّ صونهم أجمعين

      لا سيّما باسيلهم المفدّى
      يخطر مزبطرا فيضيق به الأفق
      ولا يتسع له المدى

      وحسّانهم المعجب بنفسه
      اللهم زد في وزن كتبه، وارفع
      شأن من كان من حسبه ونسبه

      اللهم بارك المبعوث من لدنك
      والقادم من الولايات..؟
      وأدم رضاه على المكلّف والمكلَّف
      والمؤلّف والمؤلّف
      اللهم بارك الزيارة
      وساعد تجار الوزارة
      وزِدْ في أموال أصحاب التجارة
      بكل الجرأة والوقاحة والجسارة

      اللهم بارك حكيم معراب الحبّاب
      ودولاب هوا المختارة
      يندب حظه وينعي كلبه

      اللهم احفظهم بحفظك وأيّدهم بتأييدك
      يا أرحم الراحمين
      وعام مذلة وتعتير لي ولكم أصدقائي
      المغضوب عليهم وأحبائي الضالّين

      لكنني أوصيكم ألاّ تقنطوا من ثورتكم
      ودافعوا عن شعبكم ما قدرتم
      والسلام على من اتبع طريق المودة والهدى
      وضلَّ عن سبيل الغواية والرذالة والهوى

      الرد
  3. د. أحمد شبيب الحاج دياب

    الصديقة الغالية إيناس ثابت
    نجمة الصبح المنيرة
    لست ضليعاً في معاني العربية، ومغاورها التي تحرس كنوزها صلحاء الجان وأهل العلم والفقه والثقافة من بني الإنسان. ولكنّي أثق بك وبكلماتك المسبوكة من خشب الأرز وعطر اليمن وياقوت بلاد ما وراء التهر.
    العُلَّيْق، يا صديقتي القديرة،والمعروف أيضاً بالعلندة (بالإنجليزيّة: Ephedra) ، يُعتبر نباتاً عشبيّاً مُعمّراً، ينمو على ضفاف السواقي والجداول في الهضاب والأودية اللبنانية كما اشتهرت نبته في فلسطين وغيرها من البلدان العربية. وكما أعلم عنها فهي تتعلّق بثياب الأطفال الصغار وتشدهم إليها حين يحاولون الابتعاد كما أن ثمارها تكون، في بدايتها، كبوشاً حمراء اللون حامضة الطعم وحين نضوجها يتحوّل لونها نحو السواد. وطعمها يميل إلى الحلاوة أكثر. يستمتع الناس بقطافها أثناء نزهاتهم البريّة و بمذاقها الغريب ومنافعها التي لا تحصى.
    والتعليق في ال”سنابل” مثله كمثل العلّيق له ثمار حمراء وسوداء كما أنّ له أشواك صغيرة تقوم بوخذ من يقترب منها فتتشبّث بثيابه وتنتف منها وتعلق عليها في أحيانٍ كثيرة .
    أمّا ما تعلّقين به من كلامٍ رائعٍ على كتاباتي:
    فلا علاقة له بشوك العليق بقدر ما يقدّم لي وللقارئ
    من كبوشٍ حمراء وبنفسجية وسوداء نستمتع بمذاقها وببهجة ألوانها وعمق معانيها.
    كلّ عام وأنتِ بخير وعافية وسعادة مع جميع الأهل والأحبّة وأنا واحد منهم

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.