ضريبة المحمول

بواسطة | 10 يوليو 2018 | قراءات | 7 تعليقات

قراءة في نص
عندما يقتلك الحنين

للكاتب الصديق
إبراهيم يوسف

لعل هذه القراءة المتواضعة تفي ببعض المطلوب، ما دامت عربون صداقة طويلة بيننا لتحظى بقبول القراء والمشاركين في التحرير، بعد أن حوَّلتُها من تعليق طويل فات وقته إلى مادة مستقلة للنشر. مع خالص تحيتي ومودتي وتقديري واحترامي للكاتب الصديق، الذي أرجوه ألاَّ يتوقف أو يَهِن أو “يتكاسل”، ومن الإنصاف أيضاً أن أتوجه بالشكر العميق وأنوه بكل مواقع النشر، ممن يتولون رعاية المبتدئين والمحترفين جنبا إلى جنب بلا مفاضلة أو تمييز.

صباح مزهر بكل ألوان وأطياف الطبيعة البكر، يقتنص الجمال ويملأ الأنفاس بعطرها، ويدفع النفوس الراضية المطمئنة إلى التفاؤل ولو قست عليها القلوب، بفعل الحنين إلى مستقبل كان ينبغي أن يتحول إلى الأفضل، وأن يكون من أهم مقوماته ما يسعف ويريح.

هذا النص ليس كباقي النصوص التي عرفتها للكاتب الصديق إبراهيم يوسف من لبنان، صاحب حلقات السرد البديعة، في العلم والمعرفة والشعر وأدب الرحلات والقليل من السياسة، وصاحب النصوص التي تواصلت فلم تنقطع، مذ عرفته من عقد من الزمن أو ما يزيد، ليتحدث هذه المرة عن محطة بارزة من طفولته بعفوية خالصة، تتسم بمقارنة الحاضر بالماضي والاختلاف في أسلوب الحياة وطريقة التفكير، مع تطور الزمن وفيض من العبرة وتجاربه الغنيَّة.

عندما يقتلك الحنين..؟ جوقة مشاعر متنافرة حينا ومتآلفة أكثر الأحيان، تغرز مديَّتها في مجاهل الذاكرة ومتاهاتها، وتستخرج من طياتها نفائس أحداث غابت مع العمر، بتحريض من رغبة ذاتية تسيطر في استرجاعها على مختلف المشاعر.

ما أمتعها من لحظات يا إبراهيم، تسترجع من غياهب الزمن، ما تغيَّر بفعل الزور والبهتان والزمن المنكود، لتتلاشى معه الصور المشرقة حد الزوال، والمحزن المحبط يا صديقي أن تنشط في خريف العمر وفي الأوقات القليلة الباقية، كل الأسباب التي تربطنا بالماضي، وتتوالى صوره بلا حواجز أو حدود؛ ليحكي العقل في الظاهر والباطن لغة الحسرة والحنين، ببساطة خالصة وانسجام بلا مثيل.

“مُضناك جفاه مرقده وبكاه ورحَّم عوده.. حيران القلب مُعذبه مقرُوح الجفن مُسهِده”. مقارنة الماضي بالحاضر تستنفر النفوس وتحرضها، وتقودها إلى الكشف عن فائض من مخزون الفكر وشتى الكوامن، فتدغدغ أرواحنا بكثير من الوداعة وأحلى المشاعر، أو تدفعنا إلى مزيد من الحفر في خلايا الذاكرة، واستحضار كثير من تفاصيل الزمن القديم.

ليس ما نواجهه اليوم يا صديقي إلاَّ بعض ما عاناه آباؤنا وأجدادنا من قبل، ولو بأسلوب مختلف، لتبقى صورة الحاضر ليست واضحة بعد أو مكتملة المعالم، مع كثير من الترقب والحذر الشديد. إنه تفاوت واختلاف الأجيال وصراع الحضارات المتغيرة باطراد، أو قل هو الصراع على الحياة نفسها، لا سيما ونحن نحاول صهر الأحاسيس والمفاهيم في بوتقة ضيقة واحدة.

رسمت بنصك يا صديقي لوحة ملونة معبرة بأدق التفاصيل، ولو أنك لا تلتزم بالمألوف في نهج الكتابة، كما هي العادة التي يتوسلها سائر الكتاب ممن قرأنا لهم وتعودناهم.. لعل السبب الأهم يبقى في إبراز ماهية الصورة وجماليتها، حينما تستعيد إلى الذاكرة لغة سردية ساحرة بأسلوب مختلف، وتصويراً آليا بالكاميرا والقلم، وأنت تمعن في استحضار الماضي، فتقارن وتعادل وتحلل وتناصر.. فتخاصم، ولا تعادي أبدا مهما كانت الدوافع والأسباب.

إنه خليط من كل هذه المشاعر في النظرة الناقدة المبصرة والمنتصرة في النهاية. بل هي سيرة ذاتية آسرة لشدة ما تتسم به من العفوية والتجرد والصدق، والقلم النظيف يكتب ملامح الزمن الماضي بكفاءة عالية، بسيئاته وحسناته على حد سواء. هذه اللغة المميزة وأنا أطالعها سأعرف من يكون صاحبها على الفور.

نحن يا صديقي من جيل واحد وعمر متقارب، وفروقات تكاد لا تذكر في التعاطي وطريقة التفكير. لعل ذات المشاهد رأيناها معا..؟ ولو كل منا رآها من زاوية مغايرة. اختلفنا أو اتفقنا لا فرق، فخلال مسيرتنا طالت أو قصرت، مرّت علينا ذات العوامل والتطورات، إلى أن وصلنا إلى مرحلة الخطوات السريعة وقفزات بعيدة لم تكن في الحسبان.

بتنا نسابق الزمن بالمزيد من المجهود الشاق؛ الذي لا يستريح ولا يهدأ، فلم يعد لدينا ما يكفي من الوقت ولو لقليل من الراحة واستراحة المحارب، كالإسترخاء في كرسي على شاطىء البحر ونحن نضع على رؤوسنا قبعات من القش، وإلى جانبنا “ترانزستور” وفي أيدينا كتاب.

قسرا أو طوعا نحن نعيش عصرالاتصالات المخيفة، وزمن الألكترونيك والأجهزة المحمولة الذكية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتنا، بل حالة مسيطرة على كل أنظمة حياتنا، ووجدنا أنفسنا معها نندفع إلى الزمن المعولم، الذي يقل فيه إنتاجنا وتنهار معه اقتصاديات بلادنا، وربما أخلاقنا أيضا، وتتحول فيه الحدود المفتوحة إلى انزلاقات أمنية، تتلاعب فيها أيد معادية شريرة، تتنقل بأريحية بين سائر مقومات البلاد لتنال منها وتقوضها، حيث يصبح فيه المواطن الإنسان في درجة متدنية جداً، بفعل ما تنقلب عليه كل أسباب ومقومات هذه الحضارة المنكودة.

ربما تأخر إدراكنا لماهية ما يجري، ولم تعد تجدي ولا تنفع كل أسباب التململ والاعتراض والإغراء لما صرنا إليه، وبات الأهم في حياتنا هو البحث عن بعض الأمان والاستقرار، وهكذا اضمحلت عواطفنا وتكورنا على أنفسنا، وربما تمنينا أن تموت مشاعرنا، ونكتفي بما يملأ بطوننا ويثير غرائزنا من مختلف الحاجات.

سيكون على الأجيال المقبلة التنقيب عن أسباب العيش البسيط؛ لتستعيد سعادتها من جديد..؟ هذا الجيل ابتدأ يخسر معظم مقومات حياته في العيش الكريم، وفقد معها قيم الحماية الذاتية أمام تفشي البطالة وهبوط المداخيل، والفشل أقله في تأسيس بيت الزوجية وآمال المستقبل، فالأمن والشعور بالاستقرار النفسي مبعث العزم على العطاء والإنتاج واستمرار دورة الحياة.

أما جيل اليوم فهو محبط في أدنى الدرجات، يتراءى لنا أنه يعيش سعيداً بما هو عليه من أسباب الراحة، وما بين يديه من أسباب التواصل خلال الساعة والدقيقة والثانية ورمشة العين، وهذا ما قتل في القلب الحنين.

هذا البشري الآلة يدور في حركة رتيبة قاتلة، كحيوان يتولى إدارة ناعورة ينتهي دائما من حيث ابتدأ، وهمه الوحيد أن يحصل في نهاية النهار على ما يكفيه من العلف. ويبقى الأسوأ أن ينقلب هذا البشري على عاداته، وسائر تقاليده وتاريخه وأصله وفصله، متفلتا من كل أسباب المسؤولية وأعباء الحياة. لقد بدا حال الجيل في نظري كمن ارتدى ثوبا ليس على مقاسه، فضاع جسده الضئيل في داخل الثوب المستعار.

التكنولوجيا ووسائل الاتصال الاجتماعي والشبكات الإلكترونية، وتقلص حجم العالم والانجراف إلى أتون الانفتاح الخارق من حدود المسموح الحميد إلى حدود المذموم الخبيث، ليبتعد أول ما يبتعد الإنسان العربي بالذات عن هويته ونظم حياته، ويتحول الجار إلى غريب، والأخ القريب يتحول إلى خصم أو عدو، والأهل إلى عبء وتركة متعبة… هناك من اجتهد واخترع وجعل بين أيدينا إمكانات تسهل التواصل، لكنها تقلص بركة العمر وأمن الحياة، وتسيطر على العقول بطرق ذكية فتفصلنا عن عالم الحقيقة، وتدفع بنا إلى عالم الوهم والمجهول.

مرورك بالذاكرة على كل هذه المحطات المختزنة، لتنبش في الماضي وتقارن بينه وبين الحاضر، بكل جمالية لغوية وألم لا يُدانى أو يُدارى، فتبدو الصورة على وضوحها وكأنك تتحدث عن عالم لا يمت لعالم اليوم بصلة، ينظر إليه معظم جيل اليوم نظرة استغراب لا تخلو من الوقاحة وسوء التربية، حتى مصطلحاتنا اللغوية تبدو غريبة عليه، وتحولنا في عالمه إلى هياكل عجيبة تسبب له الانزعاج بصرير حركتها.. من يدري لو حالفنا الحظ وعشنا وقتا أطول..؟ سيقننون علينا هواءنا ومياهنا التي نشرب.

أحفادنا اليوم يعيشون عالما متحولا ويتحدثون لغة لا نفهمها، فيتغامزون استخفافا بمعرفتنا وأميتنا الألكترونية، ويضحكون من طرق لفظنا لبعض المصطلحات…. الحقيقة أننا من عالم غير عالمهم، لهذا فالمعاملة الانسانية تتبخر وتتلاشى، والشعور بالوداد يتهاوى والقيمة الانسانية في مسارها تكاد تصل إلى أدنى المستويات، بتنا شتاتا وأجيالاً متنافرة. هذا ما بلغناه بكل الأسف.

رغم طول النص وتشعبه “وخروجه عن المألوف”، فقد شدني إلى القراءة بحرارة وعمق وحماسة عالية، وكثير من المتعة الحقيقية، وأعادني وسط كل الانشغالات إلى ملامح عريقة من الماضي البعيد في حكم الأعمار الانسانية، والقريب في حكم التاريخ والتحول في هذا الزمن اللعين.

لا غرابة أن تتراجع كل الصحف ثم تتلاشى وتضمحل حتى تموت، ولا غرابة أن يرفع على شواهد قبورها عبارة نريدك أن تصمتي إلى الأبد، فما من معنيٍّ ومسؤول يريد عيونًا تتلصص على عريه وجبروته وفساد أخلاقه وممارساته، إذن فلتمت الأصوات وتسكت الآلات وتتعملق طواحين الفاسدين والمتعصبين، ليضج الطريق بالعنف وفظاعة الأحقاد وما يحدث في هذا العصر المريع.

أقول أخيرا للكاتب الصديق..؟ لكي لا يقتله الحنين فليواكب الزمن ولو قسرا إن كان لا بد له أن يستمر وأن يعيش، فرغم كل سلبيات التحول تبقى بين ضلوعنا سعادة ساكنة في أعماق ذواتنا وقد شهدنا ثورة عالم كأنما هو ضربٌ من الخيال، فهذا التحوّل رفع آفاقنا من جانب، ولكنه أطفأ جذوة قلوب كانت تختزن موروثا مجيدا.

التغيير المتسارع كأنه مركبة منطلقة بسرعة جنونية، غالبا ما يُدهوِرَها عند المنعطفات حجر صغير في طريقها، أو حصاة تقلب المركبة فتسبب كارثة في معظم الحوادث التي نصادفها، ومع ذلك يستمر الناس باستخدام السيارات وارتكاب حماقات الطيش والسرعة.

لا أريد أن يقتلك الحنين إلى الماضي يا صديقي الحبيب، ما أريده فحسب أن تتوقف آلة القتل والمظالم، إن لم يكن على مساحة الكوكب، فحيثما أمكن، وحينما تأزف ساعتنا يا صديقي حبذا لو نبتسم لمن حولنا. أرجو أن يحدث الأمر بلا ألم، فنغمض عيوننا ونمضي في سلام، دونما أسف على ما فات، وربما كنا على موعد مع خلاص لم نبلغه من قبل .

الروح تنأى ولا يُدرى بموضِعها = وفي التُرب لعمري يَرفثُ الجسَدُ
والعـيش كالماء يَغشاه حـوائـِمنا = فصادرون وقومهـم إثـرهـم وردوا
ومدُّ وقـتي مثل الـقـصر غايـته = وفي الهـلاك تـساوى الـدُرّ والبـَرَدُ

[ratings]

هيام فؤاد ضمرة – الأردن

7 تعليقات

  1. شوقي يوسف

    Un commentaire à la mesure d’un oncle que j’admire sans limites.vous avez le même don d’écriture que lui.Pour cette raison vous formez,vous et Ibrahim,un couple qui mérite l’applaudissement.je ne connaissais que votre nom.Maintenant je vous connais réellement.Bravo.

    الرد
  2. شوقي يوسف

    اتمنى ان يقوم عمّي بالترجمه لك كون لغتي العربيّه”مش ولا بد”

    الرد
  3. إبراهيم يوسف

    الأستاذة الصديقة
    هيام فؤاد نور الدين ضَمْرَة
    من الأردن

    “كفى بكَ داءً أنْ ترَى الموْتَ شافِيَا
    وَحَسْبُ المَنَايَا أنْ يكُنّ أمانِيَا
    تَمَنّيْتَهَا لمّا تَمَنّيْتَ أنْ تَرَى
    صَديقاً فأعْيَا أوْ عَدُواً مُداجِيَا
    خُلِقْتُ ألُوفاً لَوْ رَجعتُ إلى الصّبا
    لَفارَقتُ شَيبي مُوجَعَ القلبِ باكِيَا”

    القصيدة بكاملها يا صديقتي، جديرة أن تترنمي بها بصوتكِ الخلاّب العميق يأتيني من” الآبار أحيانا.. وأحياناً يُنَقِّطُهُ ليَ المَطرُ، نقيَّاً هكذا كالنَّارْ.. كالأشجارْ.. كالأشعارِ ينهمرُ”. ولا أفشي سراً حينما أعترف أنه أربكني ذاتَ حين، وتعثّرتِ الكلمات على لساني وأنا أردُّ على صوت ساحر يأتيني من البعيد..! من لم يصدق فليسمعْكِ بأذنيه وقلبه وأنتِ تنشدين شعراً أو تقولين كلاماً .. أيّ كلام..؟ أنتِ ستُّ الكلّ وأنت والله أستاذتي وصديقتي ومن أعزّ الناس على قلبي وفكري يا هيام.

    حاولتُ أن أكونَ وفيّاً مثلك ولم أنجحْ، ولهذا لا أدَّعي الوفاء بالقدْر الذي ابتغاه المتنبي طيَّب الله ثراه. لكنني لن أكتمَ ما في نفسي من الغيرة والحسد ليس بسبب الصوت فقط..؟ بل على حضورك الواسع إلى جانب كثير من الأدباء والشعراء المُبدِعين، وبعض أولي الأمر في محافل السياسة والاجتماع. لكنّ هذا الوجيب المتواصل سيتعب قلبك ويضنيكِ. فانتبهي لمحبيك وانتبهي جيداً لقلبكِ يا هيام.

    وبعد؛ “كرَّم اللهُ وجهَ صاحبِنا” يا هيام.. يتعاطى مع الآخرين كأنهم طلابُ مدرسة ابتدائية في صفِّه، وعليهم أن ينصتوا إليه دائماً، وأن يستأذنوه في الدخول إلى الحمام..! – لكنَّ نعجة تتمسكُ بالوفاء لمفترسِها – وأنت تدركين بلا ريب ما ومن أعني..؟ لهيَ نعجة غبية بلا إدراك ولا مكانَ لقول المتنبي في غبائِها ووفائِها على الإطلاق. بعض الأغبياء وأنا واحدٌ من هؤلاء ممن توهّموا لبعض الوقت، أنهم قادرون على تغيير طباع الناس..؟! قلت ما في نفسي واكتفيت.. فسامحيني يا هيام.

    الله يكرمك وأنتِ تخصِّصين موضوعاً مستفيضاً في الحديث عن نص “عندما يقتلك الحنين”. أما ملاحظة الخروج عن المألوف فقد تلقيتُها مراراً يا عزيزتي. سأحاول ما استطعتُ في المستقبل البقاء في نفس السياق، إلاَّ لبعض الضرورات التي تمليها طبيعة الموضوع. ولو أن بعض الأصدقاء ممن يواكبون ويهتمون لما ما أكتب، يجدون في هذا الأسلوب محطة للراحة من عناء السفر، يتناولون فيها بعض القهوة والعصير، كما يحلو لهم أن يقولوا قبل استئناف رحلتهم من جديد.

    أهلاً وسهلاً بكِ على صفحات السنابل يا هيام، مقيمة مكرَّمة بيننا تكتبين وتنشرين بحرية عالية السقف وتمارسين رقابة ذاتية على نفسك، مع هامش واسع من حرية التعبير عن الرأي، حتى يكاد الموقع لا يحذف من المقالات إلاّ الناشزة المسيئة، والتي لا تتمتع بالحد الأدنى من المقومات والمستوى المطلوب.

    قَدْ غِبتُ عَنْهُمْ وَمالي بالغياب يدٌ”
    أنا الجناحُ الذي يلهو به السَّفَرُ

    يا طَيِّب القلبِ يا قلبي تُحَمِّلُني
    هَمَّ الأحبَّةِ إن غابوا.. وإن حضروا”

    والله زمن ياهيام..!؟ شكراً جزيلاً لكِ على تشريفك بالتعقيب على الموضوع، وأنا ممنونك مرة أخرى على التواصل من جديد، وأشهدُ لوجه الحق أنني مدين لك بتقديس علاقة “الخبز والملح” والعشرة الطويلة الطيبة بيننا. التي لم تهنْ يوماً عليّ ولا هانت عليك، ولو تغيَّر الزمن وتغيَّر الناس من حولنا فتبدلتْ أوضاعهم إلى الأحسن أو الأسوأ.. لا فرق..

    وما دمنا نؤمن أن الموت ليس عدماً أو نهاية أبدية، وأن بداية على نحو ما تنتظرنا..؟ وأننا ولو لم نلتقِ على قصر المسافة بيننا..؟ فإننا سنلتقي في مكان مختلف وحياة أخرى ونتصافح بحرارة ومودة، وأقبِّل رأسك العالي علو جبين الشهداء الميامين من أسرتك الكريمة، فأنت من أعز الخلق وأكرمهم عندي يا هيام.

    إبراهيم يوسف

    الرد
  4. إبراهيم يوسف

    الأستاذة هيام ضمرة

    الدكتور شوقي طبيب أعصاب وموضع ثقة طبيَّة مُقَدَّرة. لكنني أرجو والرجاء أعلى مرتبة من التّمني، أن تبقي بصحة ممتازة فلا تحتاجين معها إلى خدمات الأطباء. وهو إلى جانب عمله الطّبيّ علماني يكتب في التاريخ، ويطاوعه التعبير بالفرنسية على نحو أفضل، أحبَّ أن يتوجه إليكِ ليقول في تعقيبه على الموضوع:

    التعليق بمستوى عمِّي الذي أعتزُّ به بلا حدود. أنتما تتمتعان بذات الموهبة يا سيِّدتي، وتشكلان معا فريقا يستحق حرارة التصفيق. في الواقع كنت أعرف اسمك فحسب، أما الآن فصرت أعرفك وأعرف شخصك الكريم. أحسنت كثيرا يا سيِّدتي.

    أرجو أن أكون قد نقلت التعقيب ولو ببعض الدقة. شكرا لك هيام مرة أخرى والشكر أيضا للدكتور شوقي على تدخله اللطيف في التعليق على الموضوع.. عيوني أنت والدكتور شوقي. أنتما من أغلى أهلي.. وأحبتي.

    الرد
  5. هيام فؤاد ضمرة

    رد على رد الكاتب ابراهيم يوسف

    أتمنى لهذا الصباح أن يكون خاصاً لأقصى درجة، أن يكون عابقاً بالفرح حد الانتشاء، أن يكون أجمل من توقعنا وأسعد من حجم أحلامنا.
    ما أضعفنا أمام الكلمة الجميلة يا استاذي الرائع ابراهيم يوسف، تلك التي تمس فينا إنسانيتنا قبل عاطفتنا، لا أسميها أبداً هشاشة، بل هي رقي إنساني باذخ يعتاش على عزف الأوتار في مكنوناتنا، فما نحن إلا كتلة من مشاعر رهيفة حد الشفافية.
    فاجأتني رسالتك المنشورة على موضوع القراءة الانطباعية للنص الإبداعي خاصتك ” عندما يقتلك الحنين” في السنابل على ما فيها من شفافية خالصة ومشاعر دفاقة، ويراعك الذهبي يواصل مسيله محدثاً نسيجاً ابداعياً متناسق التشكيل في لغته وسلامة تكوينه وجمال عرضه، يشدّ القارئ المتذوق إلى أقص الحدود.
    فحين الكلمات تتحول إلى معزوفة سيمفونية عابقة بالمؤثرات، لا تستطيع العين أن تمنع مجراها عن تلقي مسيل الدمع الذي يأتي عفوا، فهكذا نحن أمام معتركات تأثرنا تميل قلوبنا للخشوع واستنفار العبر..
    لقد كتبت يا صديقي فأشدت ونوهت، واعتليت وأنشدت، فكانت كلماتك البلسم الشافي والعطر الصافي الذي ينشر شذاه بكل أريحية، وكان صدقك بالمواجهة كمثل قطعة الكرستال التي تتألق بالضوء لتمنحنا خليط ضياء غزلته الألوان المحررة والانعكاسات الجذابة، ساحر إلى أقصى حد.. بل إلى حد الابهار!
    ترحيبك بي أسعدني واستقبالك الكريم لي وتقبلك لقراءتني طمأنني، ورضاك كافأني بالأجمل.. فالشكر الجزيل لارتفاع قامتك وتمدد أفنانك وانتشار فوحك
    وكم أتمنى أن أجد الكلمات المناسبة التي تليق بالدكتور شوقي يوسف ابن أخيك لأشكره على ما أورد بتعليقه الجميل المضيء بأجمل المعاني، فأقول للدكتور شوقي أن عمه قامة أدبية عالية يليق بها الأرقى والأبقى، ولست إلا طالبة بحضرة إبداعه الزخم والمتميز، أحاول جل جهدي الحذو على ارشاداته وأتحسس طريقي في محاولة الولوج بالقدم اليمنى إلى الابداع بكثير حذر، حتى لا يكون أثري ملوثاً للذائقة الابداعية.. أشكرك جزيل الشكر أن منحتني حق ثنائية الفريق مع أستاذي ابراهيم يوسف، وهذا والله ترقية أعلى وأسمى مما آمل.. فألف شكر لحرارة التصفيق وأنا سعيدة بمعرفة كل من يمت إلى أستاذي ابراهيم بصفة قربي أو صداقة، فحسبي من هذه المعرفة رقي أصحابها من رقي علاقتهم بالمبدع المتميز الذي أكن له التقدير والاحترام الشديدين.. أسمى آيات التحية والتقدير والامتنان
    وسلمت العيون التي ترى الجمال في كل شيء صادق أمين

    هيام فؤاد ضمرة

    الرد
  6. هيام فؤاد ضمرة

    سيدي الكريم الدكتور شوقي يوسف..
    كان لمداختك أثرها الطيب على نفسي فالكلمة الانسانية الجميلة لسحرها تأثير كبير، كمثل نسائم تمر عن روض مزهر يتندى في صباح ينشر فيه شعاعات وليدة للتو، فتحمل في أرجائها العطر الفواح، فتنثر أجمل عبق تتفوح به الأماكن بعطر شخوصها.. قد كرمتني بوصفك وجميل لطفك وكريم خلقك، وسعادتي لا توصف بمعرفتك ومعرفة المزيد من هذه الأصالة المرتبطة بالرباط اليوسفي العابق.. فألف شكر مصحوب بأرقى تحية وكثير احترام وتقدير

    هيام فؤاد ضمرة

    الرد
  7. هيام فؤاد ضمرة

    الصديق الكريم
    الأستاذ ابراهيم يوسف

    “قال: السماءُ كئيبة.. وتجهَّما
    قلت ابتسم.. يكفي التّجهم في السّما

    إن الصبا ولى فكيف تبسمٌ؟
    والشيبُ يظهرُ في المفارقِ مُرغما

    مالي وغيري إن تبسَّم أو بكى
    والكل حولي كالبيادق والدمى

    إن الخسارةَ لا بمالٍ إنما
    بالعمرِ يمضي كذبةً مُتألما

    إنَّ البشاشة في الحياة طفولةٌ
    فإذا كبرتُ لسوفَ أبكي مُرغما”

    نعيش الحياة رغم متاعبها، ونحن ندور فيها بحركة دؤوبة قلما ترتاح وتهدأ، فقوة الشباب فينا كانت المحرك القوي، الذي يجعل أرواحنا تلتهب شغفا بكل جديد، وتتماهى نفوسنا فرحاً بكل نجاح يتحقق، كما لو ان الحياة ربيع دائم طالما سقيناه أجمل أيام عمرنا، وتمضي السنون في غفلة منا لنجد أنفسنا فجأة على المنعطف الأخير، وقد نالنا كلل الجسم والوهن الشديد، لتتباطأ خطانا ونحن نواجه عالماً متسارعاً نكاد لا نلحق به رغم محاولاتنا المُجِدَّة
    التي تقطع الأنفاس.
    https://www.youtube.com/watch?v=KaL7QxVOkTU

    هذا حال عالم اليوم يا صديقي.. قطار حديث يجري بسرعة قياسية ويلتهم المسافات وأعمارنا بسرعة عجيبة، والقطار الذي عرفناه قديم للغاية، يستغرق عمرا بحاله ويواكبه ضجيج ودخان بين سائر المحطات قبل الوصول إلى المحطة الأخيرة. إنه عالم التكنولوجيا الحديث الذي نقل العالم نقلة نوعية عظيمة في زمن قياسي قصير، ليتقلص العالم ويبلغ حجم جهاز لا يتجاوز حجمه حجم الكف، وإذا بنا أمام نافذة تطل على عالم مختلف وتتجاوز المسافات والحدود بسرعة الخاطر أو ما يزيد.

    أجهزة ذكية تمنحنا المعلومة وتفتح آفاق التواصل الآني، تخترق خصوصيتنا، وتمعن في تباعد أفراد الأسرة الواحدة، بل وتجعل الجميع ينهمكون إلى حد بلغ الانشغال عن التواصل وجها لوجه… ووسائل النقل الجوي باتت سريعة كالبرق، ومتاحة كما السيارة في سهولة استخدامها. عالم متحول ومتغير المظاهر والقيم والمفاهيم الاجتماعية والاقتصادية، ولا ندري إلى أين نصل ومتى يتوقف هذا الجري السريع ..!؟

    أشكر ترحيبك بي في موقع السنابل، والفضل الأول والأخير لنصك الذي استفزني للكتابة بجمال عرضه وأسلوبه. سيشرفني فعلا عالم تطوافكم الزاخر بالأدب والمعرفة بجوانبها الغنية المتنوعة، ولا يسعني إلا أن أنقل عبر هذه الزاوية المحدودة، خالص تحياتي ممزوجة بكلمات الشكر والامتنان لأسرة تحرير الموقع.

    شكرا لك ولقلمك مقرونا بالاحترام والتقدير، وإنه لمن دواعي سروري واعتزازي أن أتناول نصا من نصوصك بالقراءة والتحليل وأنت الأستاذ والصديق والموجه الأمين. كلماتك تاج على رأسي أعتز بها ما حييت.. ألف شكر لك. أسأل الله لك التوفيق والسداد في مسيرتك الأدبية النشطة الغنية، وتحية عاطرة وأنيقة تليق بقامتك وحسك الأدبي العميق.

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.