شَكَتْني ثُرَيَّا

بواسطة | 13 أكتوبر 2017 | مقالات | 4 تعليقات

في التعقيب

“على باب الحظيرة”

لإيناس ثابت

جميلٌ ما كتبتِه يا إيناس. إنه يذكِّرني بأمرين: “زحلة” المصيف والمدينة الرائعة، التي أنهيتُ على أطراف الماضي البعيد، المرحلة التكميلية في مدارسها، وفيها عرفتُ المراهقة والحب للمرة الأولى. واليوم تذكِّرني المدينة بفيض من الأدباء والشعراء المبدعين، وأكثرهم من آل “معلوف وعقل”، وفي طليعتهم سعيد عقل الراحل الكبير، “ووديع” من هذه العائلة “المثقفة” الكريمة.

أما الإشارة إلى زحلة *”جارة الوادي”، كما رآها وغناها شوقي وعبد الوهاب، أو”عروس البقاع”، “ودار السلام” كما نطلق عليها في لبنان؛ وإلى صباياها الفاتنات وخمرة كرومها تُعَتَّقُ في خوابي وأقبية “كسارة” تركعُ عند أقدام “صِنِّين”..؟  فإنّ” الحصري القيرواني” الشاعر الضرير في عمق وجدانه قبس من نور الباري عزَّ وجلّ، وهو يبصر بقلبه لا بعينيه جمال الله في الخلق وبهاء انعكاسه في عيون الآخرين، وهو يَصِفُ فتاة زحلية دون سواها..؟ سكرانة اللحظ والثغر والشفتين ويقول:

“صاحٍ، والخَمْرُ جَنى فَمِهِ سَكْرانُ اللَّحْظِ مُعَرْبِدُهُ
يَنْضو مِن مُقْلَتِهِ سَيــْفاً وكَأنَّ نُعاســــــاً يُغْمِدُهُ
فَيُريقُ دَمَ العُشَّــــاقِ بهِ والوَيْلُ لمَــنْ يَتَقَــــــلَّدُهُ
كَــــلاّ، لا ذَنْبَ لمَنْ قَتَلَتْ عَيْناهُ ولم تَقْتُـلْ يَــدُهُ”

https://www.youtube.com/watch?v=aAPA-HrZUGs

هذه المدينة نافستْ في الأدب والتاريخ؛ الشام والأندلس وبغداد ووادي النيل؛ ولا يتسع تعليق أو مقالة قصيرة للإحاطة بتراثها وأدبائها وشعرائها ومثقفيها. ولا يصح المرور في زحلة، دون أن نعرِّج على الصديق والطبيب؛ الكاتب جورج سليم عبد الأحد، وإلى”باقة بنفسج” أزهرت في المدينة، وبلغني عطرها من عشرات الأميال؛ حينما أهداني صاحبها مشكورا نسخة عن “باقته” الصادرة عن دار الأندلس.

وتشتملُ “الباقة المطبوعة” بين دفتيها، على أحداث ووجوه ومحطات في الأدب والسياسة والتاريخ؛ كان أكثرها طيّ الغياب؛ حتى أتى الطبيب والكاتب الصديق فأعادها إلى الظهور. قرأت الكتاب على مراحل قليلة وشعرت بمتعة القراءة، وتعرفت إلى نوادر وخواطر كثيرة كنتُ في الحقيقة أجهلُها تماما.. وتبقى زحلة الحاضرة الوازنة في الأدب والتاريخ.

وإذا كنّا قد عرّجنا في الدربِ على “عبد الأحد”..؟ وقد اتخذ من البنفسج عنواناً لكتابه؛ فمن الإنصافِ والطِّيْبُ بالطِّيْبِ يُذْكر، أن نعرِّج قليلا على “صالح عبد الحي”، الذي غنّى للبنفسج وأذهل أجيالا بكاملها، من كلمات بيرم التونسي، وألحان رياض السنباطي ومن مقام “الراست”. وصالح عبد الحي تنفّس وغنَّى البنفسج كأروع ما يكون النَّفَسُ والغناء، فلم يبقَ على مساحة الوطن العربي من لم يترنّمْ بهذه الأغنية الساحرة، التي شنَّفتِ الأسماع وفتنتْ بعذوبتها غلاظ القلوب.

وإن لم تتسع هذه العجالة من الوقت لذكر من ردَّدوها جميعا؛ فإنَّ أصحاب القامات العالية في الغناء، كعبد الوهاب وأم كلثوم وأسمهان وفيروز طغوا عليها..! فهؤلا لم يتواضعوا ليرددوا الأغنية بعد صالح عبد الحي؛ لكنهم لم ينالوا من روعة الأغنية أو يحجبوها عن الأسماع. وهذا هو الرابط إلى الأغنية كأسطع ما يكون الدليل.. هذه المرة بصوت “أميمة الخليل” وعزف مرسيل خليفة المتميز البديع:

ليه يا بَنَفِسِجْ * بِتِبهِجْ * وانْتَ زَهْرِ حَزيْنْ

والعِيْنْ تِتابْعَكْ * وِطَبْعَكْ * مِحْتَشِمْ وِرَزِيْنْ

حَطّوْكْ خَمِيْلة * جَمِيلة * فُوْقْ صُدورِ الغِيْدْ

تِسْمَعْ وِتِسْرَقْ * يا أزْرَقْ * هَمْسِةِ التَّنْهِيْدْ

https://www.youtube.com/watch?v=8bBGaU44wQI

 أما بالعودة إلى”وديع عقل”؛ الشاعر الزَّحلي العتيق تغمَّده الله بواسع رحمته، فقد نظم”شَكَتْني ثُرَيَّا” قصيدة غزلية؛ تشبه إلى حد بعيد ما قلتِه في خلاصة نص “على باب الحظيرة” المعني بهذا الرد. إلاّ أن نصك على روعته وإعجابي به لم يخلُ من حشو لا مبرر له في السياق المنطقي العام. كقولك وأنت تشيرين إلى عيني الفتى “المحتال”:”وتذوبان خلف الربوة عند شمس الأصيل..!؟”

العيون المحتالة الجائعة يا عزيزتي تلتهم الآخر، فلا تذوب أو تختفي عند الضحى أو بعد الأصيل. وتبقى الفقرة الأخيرة في اعتقادي؛ تعويضا يحمل إلى قلب القارىء وفكره دهشة ملحوظة، وإلى شفتيه بسمة  مليئة بالرضا. “شَكَتْني “ثُرَيَّا” قصيدة وديع عقل، التي أشرتُ إليها تستحق القراءة كتعقيب على  النص ولو أنّها طويلة قليلا؛ لكنها جديرة باهتمام الشباب؛ ممن تحرضهم الحياة على حلاوة العيش في دنيا الغرام:

شَكَتْني “ثُرَيَّا” إلى والدَيَّا..؟”
وقالتْ: فَتاكُمْ تَجَنَّى عَليَّا
حَسَا الخَمْرَ حَتَّى اسْتَطارَتْ هُداهُ
فَشَدَّ وَألْوى على ناهِدَيَّا
وَبِالرغْمِ مِنِّي تَرَضَّبَ ثَغْري
وَطَوَّقَ نَحْري وَلاكَ الْمُحَيَّا
قدِ امْتَصَّ شَهْدي وَزَعْفَرَ وَرْدي
وعاثتْ يداهُ بِرُمّانتيَّا
أتى كلَّ هذا وَوَلّى، فَخَلَّى
فؤادي وَقيداً وعينيَّ رَيَّا

وَظلَّتْ”ثُرَيَّا”تُغالي وَتَبْكي
فهاجَ بُكاها بُكَا والدِيَّا
وفاوَضَ أمِّي أبي في فتاها
وقالَ: إلامَ تُمادِيهِ غَيَّا
فقالتْ: سيصحو وأُسْديهِ نُصْحي
ولا ذَنْبَ إلاَّ لتلكَ الحُمَيَّا
متى جاءَ أخْلو بهِ في خِبائي
و أكْتَنُّ خَدَّيْهِ بينَ يَدَيَّا
وأمْتَصُّ مِنْ فِيْهِ خَمْراً حَسَاها
فَيْصْحو مِنَ السُّكْرِ شَيَّا فَشَيَّا

فقالتْ “ثُرَيَّا” إذا كانَ هذا
الدواءُ دَوَاهُ..؟ كِلِيْهِ إليَّا
أنا بامْتِصاصِ المَراشِفِ أدْرَى
وما اعْتَادَ فُوْهُ سِوى شَفَتَيَّا”

وهذه أيضا حكاية قصيرة مؤنسة في نفس سياق قصيدة وديع عقل، عن مغامرة من مغامرت عمر بن أبي ربيعة، وكان يُقبِّلُ محبوبته عنوة وقد انفرد بها في خبائها، حينما هدَّدَتْه قائلة له بنون التوكيد: سأنبهَنَّ الحيَّ إن لم تخرجِ..!؟ يقولُ الشاعر: وخرجتُ خوفَ يمينها؛ فتبسّمتْ، فعلمتُ أن يمينها لم تُحْرِجِ..! الله يسامحك ويعفو عنكِ يا شهرناس، كيف أضعتِ الفرصة على الصبية المكابِرة والفتى الملهوف.

بعض ما جاء في قصيدة*جارة الوادي لأمير الشعراء شوقي. لحنَّها وغنّاها عبد الوهاب إلى جانب نور الهدى وفيروز وسميَّة بعلبكي وغيرهم، ممن رددوا هذه الأغنية الرائعة:

https://www.youtube.com/watch?v=WW_vL-dEjHo

“لم ادرِ ما طِيبُ العِناقِ على الـهوى

حتـى ترفَّـق ساعـدي فطـواكِ

وتأَوَّدَتْ أَعطـافُ بانِك فِي يـدي

واحـمرّ مـن خَفَرَيْهمـا خـدّاكِ

ودخَلْتُ فِي ليلين: فَرْعِك والدُّجـى

ولثمـتُ كالصّبـح المنـوّرِ فـاكِ

وتعطَّلَتْ لغـةُ الكـلامِ وخاطبَـتْ

عَيْنَـيَّ فِي لُغَـة الـهَوى عينـاكِ

لا أَمسِ من عمرِ الزمـان ولا غَـد

جُمِع الزمانُ فكـان يـومَ رِضـاك”

 

 

كاتب لبناني

4 تعليقات

  1. د. أحمد شبيب الحاج دياب

    كم أتمنّى البقاء في عالمك السحري يا ابراهيم يوسف ولا أعود الى الواقع

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      الصديق الدكتور أحمد دياب

      من الأحلام يا صديقي ما ترقص له القلوب؛ كحلم بيرم التونسي وأم كلثوم.. فإن لم يُرْضِكَ الرقص على إيقاع زكريا أحمد ومقام “الرّاست”..؟

      فتعالَ بنا إلى الأخوين رحباني ومقام “الحجاز”، والشيخ المعمَّم علي بدر الدين طيب الله ثراه يترنَّم ب -” راجِعٌ من صَوْبِ أغنِيَةٍ ** يا زماناً ضاعَ في الزّمَنِ / أيُّ وهمٍ أنتَ عشتُ به** كنتَ في البالِ ولم تَكُنِ”.

      والله زمن؛ أين أنتَ يا رجل..!؟ السهرات من دونك ناشفة وقاحلة ولا معنى لها، كقلوب العجزة وصحراء الربع الخالي.

      https://youtu.be/fSNe1iBuPrg

      الرد
      • د. أحمد شبيب الحاج دياب

        في الرد
        على تعليق شكتني ثريا
        للصديق
        إبراهيم يوسف
        من الحكايات البدوية؛ التي لا زالت تستوطن ذاكرتي من قديم الزمان، وتراود أحلامي من حين إلى حين؛ حكاية “حميدان” ابن الضيعة “البعلبكية” يتيه في الصحراء، وهو مسافر طلبا للرزق في بلاد الحجاز، حينما أصابه عطش شديد في الطريق.
        ورأى في الأفق البعيد دخاناً خفيفاً يتصاعد في السماء، فاندفع نحو الدخان وهو في الرمق الأخير، ليجد نفسه وقد انهكه التعب وأصابه الوهن والنعاس؛ أمام بيت دقّت أطنابه فوق مرجٍ صغير، وأمام البيت أبصر صبية بدوية بثيابٍ جميلة مزركشة الألوان؛ تأمر الشمس من فرط حسنها بالأفول؛ لكي تشرق على الكون نيابة عن ضوء الشمس الشحيح.
        لم يكد حميدان يحرّك شفتيه في طلب الماء..؟ حتى وصلت اليه “شيماء” الصبية الحسناء، وبين يديها “كولكٌ” من خشب السنديان، وفيه طلب المسافر من أصفى ينابيع المياه. تنعكس على صفحة “الكولك” قسمات وجهها الساحر وخيال عينيها الناعستين.
        ووقع حميدان لتوّه في هوى شيماء، وعينيها المكحولتين الفاتنتين. لكنه من فرط عطشه؛ راح يعب الماء بسرعة ولهفة، وهو يخالسها النظر من خلال صورتها تنعكس في “الكولك” فوق سطح الماء. لم يكد يبتلع الرشفة الأولى حتى بادرته شيماء برمي “كمشةٍ” صغيرة من القش فوق الماء.
        غضب حميدان من فعلة الفتاة، وتمنى في سره لو يتحداها ويتوقف عن شرب الماء..؟ لكن عطشه الشديد غلبه على نفسه، فواصل الشرب بلا احتجاج، وصار يتوقف بين الفينة والأخرى ليبعد القش، ويمنعه من الدخول إلى فيه مع الماء. هكذا كان حميدان يشرب على مهل بفعل القش ينتشر على وجه الماء.
        شرب حتى ارتوى بحمد الله وفضل البدوية شيماء؛ وانقضى ظمأه وحاجته إلى الماء؛ ليحلّ مكان الظمأ عطشٌ من نوعٍ مختلف وشوقٌ لمعرفة سرّ البدوية الحسناء..؟ ولماذا رمت القش في كولك الماء..!؟
        وبعد لعلّك يا صديقي؛ أدركت ما يعنيه سرّ إلقاء القش في الماء، علي يديّ البدوية شيماء..؟ هكذا يا صديقي وصلتني رسالتك الجميلة، عبر الفكر والسنابل الذهبية التي لم يأتِ موعد حصادها بعد. لكن الرسالة وقعت عندي موقع الماء والبدوية في قلب صديقنا حميدان.
        وها أنا أرتشفها صافية مسكرة كالخمر الحلال؛ بلا قش يكدر صفوها بل بتأنٍ ودرايةٍ علّمتنيها حنكة التجارب والأيام. بعد أن حفرت في وجهي أخاديد العمر والتعقّل، وما لا يذكر من العلم والعرفان.

        الرد
  2. إيناس ثابت

    أكرمْتني بهذا النص الرائع… أكرمكَ ربي
    أنت معلمي… وروحي في يده.
    “إن شئتَ تقتلني فأنتَ محكَّمٌ**من ذا يطالبُ سيّداً في عبدِه”.!؟

    تأكدْ أنني سأبتعد عن الحشو في المرات القادمة وأتعلم بسرعة بفضل من ينتقدني ويقوّم أخطائي وهفواتي فلا ينبغي الخجل من الأخطاء متى كانت محقّة، وعبورا إلى الأفضل

    شكتني ثريا، وحكاية عمر بن أبي ربيعة أصابت “على باب الحظيرة” في قلبه.
    تحياتي العاطرة لأبناء البقاع عموما وأهل زحلة خصوصا… ومنهم صاحب “باقة البنفسج” صديقك الطبيب والكاتب الكريم جورج عبد الأحدوخالص شكري وعظيم مودتي للجميع، قرّاءً وكتَّاباً وأصدقاء.

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.