سيد الجحيم

بواسطة | 26 أغسطس 2020 | مقالات | 4 تعليقات

“يا سيد الأساطير والجحيم.. 
يا صاحب الشأن العظيم.. 
يامن له السبق في هذا الطريق..
أكتب إليك راجيا العفو والسماح..طالبا رفقتك من جديد
فلم أعرف إنسانا في هذا العالم أصدق منك، أنت تشبهني وأنا أشبهك..
فمن أين جاء الإنفصام بيننا؟ وبم ظننت أني تميزت عنك؟ 
تعال يا عزيزي..تعال يا إبليس العظيم.. نطلب الرحمة معا أو نلعن الحياة، فلست الأسوأ من جنس البشر.” 

 لم تكن في نيتي الكتابة إليه أو التأثير عليه لولا هذا الجيشان بداخلي، فأنا على يقين أنه يسمع صدى الحروف المختنقة في جوفي دون حديث، ويرى كيف أفضى بي الحال..؟ وحيدا في غرفة تطل شرفتها على شجرة مريرة كالزقوم، جافة الأوراق يابسة الأغصان، ألفتها وألفتني وحفرتها وشما على ذراعي ولو عرفت سابقا مقام العزيز إبليس  لحفرت شوكته أيضا على صدري.

 لا أتذكر ملامح طفولتي لأقصها عليه، أو مراهقتي التي راكمتها مذ زمن بعيد في خزانة النسيان، واليوم بتُ أعاشر الوحدة، أسكنها وتسكنني حتى نسيت معنى التعبير وصياغة الجمل والكلمات. لا يتحدث  إليّ أحد ولا يطرق بابي أي إنسان ولو عن طريق الخطأ، حتى بواب البناية لا يعيرني أي اهتمام أو يتكلف قليلا بإلقاء  تحية الصباح،  وجارتي التي تلوي لسانها كل صباح : “جود مورنينج ماي ليتيل كات” تلاطف قطتها السمينة التي ترقد أمام بابها لا تتنازل وتلقي عليّ بنظرة ، كأني أحقر وأضعف من خُلق.  تحول عني جميع الناس وتخلى عني الأصحاب وباعوا الود والوفاق، خانتني كل الكائنات حتى الهواء..هذا الكائن الشفاف قذف بي بعيدا كطائر مسكين أثقلته الغيوم وتلاعبت به العواصف والرياح، لم يحترم أحد عذابي، وهكذا..؟ سلمني الرب للوحدة وهجرني  كما هجرني الناس والملائكة والشياطين. فكيف لا أدعوك وأكتب إليك ؟ وكيف لا أفضل  مرافقتك في النار على رفقتهم  في النعيم؟

تعال يا عزيزي إبليس.. آنس وحدتي ولا تهجرني..

 تعال نعد معا من جديد.. بعد عشرين عاما عشتها حبيس الهم والأحزان، في غرفة ضيقة مظلمة وخانقة بالكاد تسع جسدي الهزيل كشعرة دقيقة، تنفست فيها وحدتي وكآبتي، في عالم مختلف له قوانينه الخاصة وأسلوب حياة يتفرد به. خلف قضبان مظلمة يتساوى فيها الليل والنهار على حد سواء، قضيت سنواتي الطويلة حتى فقدت القدرة على الصياح والنواح، ووجدت نفسي عالقا بين أضواء باهتة وتحت أعمال جبرية قاسية في بقعة منسية من العالم أو جزيرة معزولة عن الدنيا تسبح في محيط الكون الشاسع ،  ظهري تقلب على لوح خشن، وسترت جسدي أسمال بالية في عالم اجتمع فيه الأخيار والأشرار، كل فرد فيه له قصته الكئيبة. وكل ماكنت أخشاه أن ألفظ أنفاسي الأخيرة في هذا المكان، فانتظرت الحرية بشغف مستبد.  

ضاعت سنوات عمري هباء ياصديقي، تناثرت أمامي كما يتناثر الرماد في العيون المهلكة  وأوراق الخريف الميتة على أرض جرداء،  وأنا..؟ أقف ساكنا مجمدا، تكبل الأغلال أجنحتي، تمنعني عن الطيران. 

وإذ مرت السنون و جاء موعد إطلاق سراحي،  وخرجت إلى الدنيا والنور، إلى أرض الله الواسعة والسماء الرحبة، وكانت تلك أقصى أحلامي وغاية أمنياتي.  وكنت أظن الدنيا فضاء مفتوحا تستقبل أجنحتي بين ذراعيها الحنونين، لكني وجدت نفسي عالقا من جديد،  تحاشى الناس  النظر والحديث إلي، ألقوا الحجرعلى بيتي الزجاجي، غرسوا أنيابهم في ظهري وأنا أحاول التجديف بذراعين عاريتين ..أنا الغريق يا إبليس، وكلما حاولت حفر اسمي في الصخر من جديد كنت أتقازم حتى ابتعلني الوجود  والوجوه  تتعملق من حولي وتصرخ: “أيها السجين..أيها السجين” ثم تجلدني بلا رحمة أو شفقة.

انتقلت من جحيم السجن إلى جحيم أشد لهيبا، ياصديقي.. فهناك في زنزانتي  وخلف القضبان..؟ كنا جميعا سواء، لا وجوه تأكلني ولا ذئاب تنهش اسمي أو تنكر استقامتي، ولا قلوب تترصد الخطأ مني وتعايرني بالماضي. 

فقد كل شيء معناه يا إبليس، جف ماء قلبي، ضاعت حياتي هباء لأجل لحظة واحدة، وسواي ضميره نائم و يعيش حرا تضمه الدنيا بدفء تحت جناحيها وتمنحه كل التبجيل والاحترام وتغرقه بالمال والجاه والسعادة،  أستميحك عذرا واسأل..أتظل النقمة تلحق بي وباسمي رغم حسن طويتي ونقاء سريرتي وأظل ملعونا مثلك إلى آخر الزمان؟ أينكر الناس و الإله كل سنوات عمري أمام لحظة واحدة من الزمن لا تساوي شيئا أمام دهره الذي خلقه..؟ أيطردني من بابه يا سيد الجحيم؟ هل العيب أني ولجت  وغصت إلى جوانب الستر والخفاء في نفسي  كما ولجت جوانب النور منها؟ لكني أشهد بالحق..كل الحق لأنت أطهر مني وأفضل  بتحملك لعنة الإله والناس أجمعين مذ خلقت إلى يوم الدين، ورضاك بقدرك التعس وتضحيتك بشرف اسمك ومقامك ليتعرف الناس إلى نورهم من خلال ظلمتك.

“يا صاحب الجبروت…

يا إبليس..

 لك العمر المديد..

 أما أنا..؟ فلا  أريد سوى حياة نهار واحد..انهض راضيا مستقبلا الحب، وأصعد بروحي بهدوء وأمان للسماء إذ غابت الشمس خلف البحار.  فهل تعرف بلادا أزحف اليها..؟ بلادا بعيدة يركب أهلها الأيائل والأفيال، تصادق العفاريت  وتؤمن بالأساطير وقصص ملوك الجان والغيلان، لا تعرف للماضي معنى وتغرق في النسيان، أحلم..والحلم فيها مباح  بمن يغمس كسرة خبزه في قهوة وحدتي.  

إيناس ثابت - اليمن

4 تعليقات

  1. أحمد شبيب دياب

    نصّ محكم البنيان،
    بليغ البيان،
    يناجي إبليس من ظلم الإنسان
    لا قدرة لي على الحكم عليه،
    سوى دهشتي وحيرتي به.

    احترت بأمر إبليس،
    باالسجن، بالوحدة، بالرهبة،
    بطول عذاب النفس وتعذيب الجسد.
    وهل يحلم السجين مثلي بعالمٍ من صنع الخيال؟

    يحلم، مثلي، بعالمٍ تسود فيه الدهشة،
    تنعدم الأثقال والأوزان،
    يسهل فيه الطيران،
    يعمّ الغموض أرجاء المكان،
    وتنتشر بين الناس أخبار العجائب
    وفي هذا العالم الجميل يمكنك محو ما تريد من ذاكرتك
    ويمكنك، بكبسة زرٍ عجيب، استبدال ما محوت بأجمل الشعر وأعذب الألحان.
    آه لو أعلم تقنيات النسيان.
    الكاتبة الصديقة الغالية إيناس ثابت
    الشكر لكِ والتحية لروحك الطيبة الصافية التي آمنت بالحب والرحمة والغفران.

    الرد
    • إيناس ثابت

      الدكتور والصديق الغالي أحمد دياب

      حملني تعقيبك المشجع والجميل
      إلى حكمة رائعة لا أعرف صاحبها تقول:
      الغفران هو هديتك للآخرين
      أما النسيان فهو هديتك لنفسك..

      كلنا ولدنا سواسية..مخلوقات طاهرة بريئة ونقية تحلم بذات العالم الذي تحلم به ياصديقي…
      لكن هناك من لوث طهرنا وأبعدنا عن جوهرنا النقي وحول البعض منا إلى مجرمين وفاسدين. ورغم هذا..؟ يبقى الإنسان قابلا للتغيير والإصلاح الداخلي وإلى السمو الروحي والأخلاقي.

      وبالمغفرة قد نمنح الإنسان فرصة الولادة من جديد وفي المقابل نحرر أنفسنا من الكثير. إلا أن من السهل علينا أن نغفر لمن نحب ونتجاوز عن اخطائهم، لكن هل نغفر بذات اليسر لسواهم من المذنبين..؟ وننظر إليهم بذات العين..من الشفقة والسماح والغفران؟

      قدرتنا على مسامحة وغفران عامة البشر على حد سواء تعود إلى طبيعتنا في التسامح، وقدرتنا على تجاوز كل الحدود والهياكل المزيفة والولوج عميقا إلى فضاءنا الإنساني الرحب.

      أستاذي وصديقي الذي أفخر به..
      جزيل الشكر لقلبك الأبيض..
      وحقل ورد يليق بك..محبتي.

      الرد
  2. إبراهيم يوسف

    صديقتي العزيزة إيناس

    لكي تستقيم أمور الملائكة يا صديقتي؟ فلا غنى لها عن خدمات الشياطين. وهكذا فالملائكة كانت دائما لزوم الشياطين. من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر. هذه أولى مبادىء الغفران، ثم يأتي دورالخالق ليغفرَ ويحملَ أوزار الجميع، في فلسفة الخيام وأبي نواس ودانتي وأبي العلاء والجحيم والمطهر والفردوس ورسالة الغفران.

    أنت شابة رائعة الحضور، تستحق أن تكتب عن الربيع ومواكب الأعراس. فعلام تقحمين جمالك في الحديث عن المآتم وعتمة القلب.. والأحزان!؟ لو اجتهدت بالبحث قليلا؟ فربما وقعت على ما كتبه توفيق الحكيم عن المرأة التي غلبت الشيطان..؟ كانت خادمة دميمة.. يعاملها الناس بازدراء وتوصلت بدهائها أن تنتصر على الشيطان؟

    ستجدين في كل زوايا الكتب والمواقع والأساطير وخياللك الخصب، ما تكتبين عنه بأسلوب مغاير في الشكل المضمون. لطالما تمنيت أن تكتبي الأفضل. خالص محبتي وأمنياتي وعالي تقديري لمحبوبتي الغالية إيناس.

    الرد
    • إيناس ثابت

      الأستاذ الصديق إبراهيم يوسف

      يا صديقي لا مفر من الأحزان وأوجاع البشرية، وهذه الحياة لن تعاش إلا كما هي..بصعودها وهبوطها بحلاوتها ومرارتها وتناولنا السكر والفلفل !

      نمر فيها بالكثير من التجارب العميقة واللحظات المؤلمة والدروس القاسية، وفي أنفسنا نحمل كل الأضداد.. الجمال والقبح المؤمن والكافر النور والظلام “الجنة والنار والملاك والشيطان” فهي ليست كيانات منفصلة عنا، بل جزء منا..تسكن أعماقنا حتى نصل إلى الوحدة ويتسع القلب للكون كله وللبشرية جميعها.

      وهذا القلب بين أضلعي يا صديقي العزيز يرجو لو يبقى حيا على الدوام في بستان الأفراح، لكن الخيط بينه وبين الحواس شفيف..يهب الكلمات حرية التحليق، وكل الكلمات ريش والمعنى هو الدر المطلوب، يقول الدالاي لاما:
      الكوكب لا يحتاج إلى أناس أكثر نجاحًا. يحتاج الكوكب إلى المزيد من رواة القصص، صانعي السلام والمحبون على اختلاف أنواعهم.

      أنت أستاذي وصديقي، وممن أحترم وأحب.
      ومن أحب .؟ تسمع روحي ما يريد قوله لي دون كلام وأشرق بمحبته في ليالي الأحزان.

      الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.