زَهْرَةُ البَنَفْسَجْ

بواسطة | 29 مايو 2018 | شعر | 2 تعليقات

 

في رِحْلَتي من وَجَعي المُقِيمْ
إلى قَعْرِ الجَحِيمْ،
رأيتُ: قائِدَ الفُرسانِ،
ووليِّ العَهْدِ،
وخَبِيرِ العُهْرِ،
وثُلَّةٌ من أصْحابِ المَزاميرْ.
كانوا يبحثونَ في الصُلْحِ مع قبائلِ الأفاعي
وعَشائرِ أبناءِ الجُحورْ:
طالبوني بالتآخي مع ثُعبانٍ القَيْنَقاعيّْ.
قالوا هذا بنُ عَمِّنا بالرِضاعةِ،
أبانا قد تآخَى مع أبيهِ؛
أرْضَعَتْهُما جدّتُنا- بالتَنَاوبِ- من ثَديٍ واحِدٍ،
جدّتُنا ذِئبةٌ عَوَتْ في الصحراءِ،
ولها الكثيرُ مِنَ الجِراءِ،
وجدُّنا ملكٌ يُقالُ لهُ سَرحانْ
وهو مَلِكُ الزمانِ
وسُلطانُ المكانْ
***

وقَرأتُ اليومَ أيضاَ،
عَنْ عِلمٍ أوروبّيٍ “جَليلْ”،
يبحثُ في “الجَهْلِ والتَجهيلْ”!
وَكَيْفَ يُزْرَعُ العَوسَجُ في أرضِ النَخيلْ،
وكَيفَ تًجْري الشَمْس لا مُسْتَقَرّ لَها
والقومُ حَيَارى والليلُ طَويلْ
وهَذي الشمسُ في ضُحاها
أَسْكَرَ الكونَ ضِياها
كَيْفَ نَحْنُ لا نَراها؟
***

كُلّما عَيْن ٌ لنا نبتت:
مِنْ رَصاصِ الغَدْرِ ما سَلِمَتْ
فإذا المغدورة سُئِلَتْ
بأي ذنبٍ قُتِلَتْ؟
فَلَعلّها نَظَرَتْ ورَأتْ
وأخبرتْ عمّا رأتْ
فيا للعَجْبْ!
كَيْفَ نَحْنُ لا نَرى
ولا نُغْتَالَ إلّا في العُيُونْ؟
***

عيوني أنتِ يا عَهْدُ،
أيا آلمي،
يا لذلّي واحتقاري
يا لموتي اندِثاري،
مَنْ أُنادي؟
أَبْطالُ قَبيلَتي يَتَحاربونَ في المَيْدانْ،
رائِحَةُ المَوْتِ في كلِّ مَكانْ،
أُناديهم فلا يَسْمَعونَ النِداءْ
وكيفَ يَسْمَعونَ وهم بِلا آذانْ
ومُلوكُ قَبيلتي يعاقِرونَ العُهْرَ
وَيَسْجِدونَ لِلأوثانْ
أَيْنَ أَنْتَ يا نَبيَّ العَصْرِ؟
نحن مثلكَ “في شَكٍ مِنْ بَغْدادَ إلى جَدّة”
“قتلتنا الردّة”

يا شاعر الحُبِّ القاتلِ!
وَصَفَاءِ ماءِ الصُبْحِ
أيّها الفارسُ المُظفَّرُ
هِجْرَتُكَ نبويّةٌ مِنْ مَمَالكِ البؤسِ
هنيئاً لك نَوْمك العميقْ

أمّا نَحْنُ فَيا وَيْلاهْ:
عُيونُنا في السُجونِ
لَمْ تَعدْ تَرْحَلْ
وقُلوبُنا في الشُجونِ
تَقْتُلُها العِلَلْ
لا تقلق أيُّها الشاعِرُ، لا تَقْلَقْ
كانَ اللهُ في عَوْنِنا
لَكِنّهم سَرَقوهُ مِنّا!
احْتَكَروهُ لَهُمْ، مَنَعوهُ عَنّا
وفي كُلِّ مَعْبدٍ زَرَعوا سَدَنَة

وعيّنوا كهنة
***

هؤلاءِ يا عَهْدُ
هم القادة، وهم السادة
لَهم العروشْ
و”الكروشْ”
وتَرانيمِ العِبادة

عيوني بنيّتي،
عيوني  حفيدتي،
يا تاج رأسي
يا مَرْيَمَ فِلِسطينْ،
وأمَّ المؤمنينْ
وقِبْلةَ العَاشِقينْ
أُغْفُرِي لنا ضَعْفَنا
يا نَسْمَةَ روحِنا
يا رَبِيعَ بِلادِنا،
يا زهرة البنفسجْ.
***

ahchebib@gmail.com أستاذ رياضيات في الجامعة اللبنانية، (متقاعد).

2 تعليقان

  1. إبراهيم يوسف

    د. أحمد شبيب الحاج دياب

    القصيدة يا صديقي هي صفاءُ البنفسج بعينِه؛ وعطرُ الخزامى على رُبى الرَّملةِ والخليل. أو مياهُ (الْكُوَيْفْ) تنحدرُ رشيقةً جَذْلى من أعالي “صِنِّيْنْ”. وحينما يَكْمُن لها أو يعترضُ سَيْرَها عَثرةٌ أو حجرٌ على كُوْع..؟ تلتفُّ عليه بمرونةِ راقصةٍ تحترفُ التَّزحلقَ على الجليد، دون أن تفتعلَ معه خصومة، وهي في طريقِ السَّلامة إلى المَصَبِّ الأخير.

    ولكي أكونَ منصفاً وصادقاً وشفّافاً معك..؟ فينبغي الاعتراف بصراحة أنني شعرتُ بالغيرة. فما أتْحفتَنا به من الشعر اليوم تجاوزَ كل الماضي، وكادَ يبلغُ حدود – b/2a على البارابول في الرياضيات التي تشعرني بالعجز أمامك.

    فهنيئا لك ما رسَّخْتَه لنفسك من مكانة شعرية، ولَمَاحَةٍ في الإشارة والتعبير، وما حَقَّقْتَه لنا من متعة لا تخلو من مُتَعَوِّذٍ ومعتصمٍ بالله من شرِّ الحسد.. ومن شرِّ النفاثاتِ في العقد، وَسَارٍ.. أو غاسِقٍ في الليل إذا وَقَبْ.

    ومن يتجرّأ على القصيدة أو عليك بعد اليوم؟ سيكون له القرَّاء والكتَّاب والنقّاد بالمرصاد. يحيا الأدب وتحيا الرياضيات ويحيا أحمد دياب، ولتكن مشرقا في النهار، وقمراً بهيّاً يطلُّ علينا في السهرات من وراءِ الغيم في الليل.

    الرد
  2. إبراهيم يوسف

    تصويب:

    وكاد يبلغ حدود b/2a- لى البارابول في الرياضيات التي تشعرني بالعجز أمامك.

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.