زرادشت أبو الأنبياء

بواسطة | 28 يوليو 2019 | مقالات | 3 تعليقات

كعبة زرادشت 

لم تؤمن جميع الأديان بالكيانات الخارقة للطبيعة (الآلهة) فقد انتشرت “أديان” تتجاهل هذه الكيانات، كالكنفوشية في الصين والرواقية والكلبية والأبيقورية والماركسية… وهي فِرق أو مدارس ذاتُ منحى فلسفي وجودي أو مادي، يؤمن بنفاذ القوانين الفيزيائية العمياء، تلك التي تتمرد على إرادة الآلهة والناس وتتفلت من عبثية نزواتهم. كما انتشرت أديان تعتقد بفعالية تلك الكيانات، لكن ليس اعتقادا صارما، فقد أخضعتها لقوانين الطبيعة لتصبح كل الكائنات بما فيها الآلهة، خاضعةً لنظام بيئي واحد. رأت البوذية أن الظلم الإجتماعي لا يُنتج معاناة، ولا تنتجها أيضا إرادة سلبية للآلهة، وإنما ينتجها سلوك يستجيب لرغبات النفس الضاغطة، التي تنطوي دائما على عدم الرضا حتى لو كانت الرغبات محققة، لأن الخوف من نفادها مصدرُ قلق متواصل. لذا أسست البوذية لتقنيات يتقبل فيها العقلُ الواقعَ كما هو “النرفانا”.

إن الرضا بما لديك، توخيا للسكينة، أهمُّ من حصولك على مزيد من الأشياء. تقنية بوذية لا يتحرر الناس بموجبها من المعاناة إلا بفهم التحول الدائم لمشاعرهم، فهي تبزغ ثم تنطفيء ثم تبزغ… تلك لعبة المشاعر، فإذا توقف السعي وراءها استرخى العقل، صفا وشعر بالإكتفاء. هذي سكينة عميقة لا بل سكينةٌ بعيدة القرار. لا تنكر البوذية وجود الكيانات الخارقة، لكنها تعتبرها غيرَ فاعلة على قانون المعاناة. ثم أنها كيانات رخوة، يمكن استمالتها كأن نقدِّم لها الدماء، البخور والزهور أو الحلوى لتستكين وترضى، فتجلب لنا من الحظوظ أسعدها، وتساعدنا على تطوير سلاحنا، أوعلى النصر في حروبنا الدموية، مثلما ساعدت وتعددت ولاءاتُها في حرب طروادة. كيانات من صنع الخيال، تتقبل الرُشى وتبيع ضمائرها بقليل من الأرز كما قال إفلاطون. ويستخدمها الحكام كما يستخدمون خفراء الليل ليرهبوا بها الناس ويرغموهم على حسن الأدب (سقراط). لم تكن الآلهة “مثلا طيبا في الأمانة والعفاف ودماثة الأخلاق”. لكنها كانت كعُسَّاسِ النظام، تعاون الدولة وتخلع القدسية الزائفة غلى أحداث الحياة، لا سيما تلك القدسية التي تخدم وتساند السلطة السياسية.

وعلى الطرف الفلسفي الآخر، كان (341 ــ270 ق م) Epicurus متأثرا بدعوة الخروج على الدين. اتهمته الجمعية الوطنية بالإلحاد، وكان قد أسس مدرسة جمع فيها الأرقاء والأحرار، الزوجات المحافظات والنساء العاهرات، علمهم جميعا أن هدف الفلسفة هو تحرير الناس من سطوة الكيانات الخارقة. فالدين قائم على الجهل أو الخوف أو على كليهما معاً قال لهم: “… إن الآلهة بعيدة عنكم. لا تستطيع أن تنفعكم أو تضركم أوتحكم على أعمالكم… إنها أوهام تعيسة تصورها أحلامكم”. وما تصوره الأحلام، رغباتٌ حسية سافرة تكوّنها مخاوف العيش. لم يحصد أبيقور من جنى مدرسته إلا عشيقة عاهرة (Leontium) واسما أصبح مرادفا للإرتداد الديني (أبيقوري).

أما الرواقية (وهي مذهب كلبي Cynism) فقامت على رفض التقاليد الدينية كما رفضت العرف والتقاليد الإجتماعية. وهي غير كلبية القرن التاسع عشر أو القرن الحالي القائمة على الإرتياب بالمنظمات السياسية. وغالبا ما يتجلى الإرتياب اليوم بالسلبية واللامبالاة، بمزيد من الشكوك والإحباط وخيبة الأمل. وقد قابل الرسول بولس الأبيقوريين والرواقيين في أثينا، جادلهم وتحدث اليهم عن إله تجسّد إنسانا ليخلّص البشر من آثام جدهم الأول. فتطلعوا اليه كرجل خفيف مثقل بالخُرافات، يحمل أفكارا لا يقبلها العقل السليم. (تفسير أعمال الرسل. الإصحاح السابع عشر).

اعتقدت الوثنية بالكيانات الخارقة للطبيعة، ولم تكن كلها بالطبع كياناتٍ خيّرةً، وبذا حلَّت عقدة الشر التي لم تكن عبئا إلا على الديانات اللاحقة. فالإيمان بكيان عُلْوي خيِّر واحد أحد، أبقى عقدة الشر على استعصائها تنزيها للكيان. وقد ذهبت الأديان التوحيدية في فلسفة الشر أكثر من مذهب، وكان في مذاهبها دوما شيء من الفلسفة.

فالتوراة رفضت وجود قوة ماورائية مستقلة عن إرادة الله. فهو خالق الشر وصانع السلام، يزرعهما يهوه أنَّى شاء، وفق خطة تلتبس مراميها على أفهام المؤمنين. وقد تعجبت الغنوصية من قصور الرب الإسرائيلي وقالت: ليس لديه شيء من الحكمة، فهو غيور تقتصر عنايته على عدد قليل من الناس أو على شعب واحد. واعتبرت الزرادشتية أن الله يسمو على الخير والشر، اللذين ظهرا أو فاضا عن الله بخيار بدئي حر(المثنوية الكونية). وبالرغم من “قدرة الإله على سحق الروح الشريرة، إلا أنه قرر عدم التناقض مع نفسه بالقضاء على مبدأ الحرية الذي أقره وأقام عليه خليقته”. أمّا المانية فقد صوّرت أصلين أزليين: الظلمة والنور وقد أنجبت الظلمةُ المادة أو الشر أو الشيطان “كما تتولد العفونة من الأجزاء الرطبة”. وجاء في الكتب المسيحية والإسلامية أن للشر أصلا سماويا، نشط ثم تمرد واستقل عن الله. مخلوق حر رفض التبعية للإله الخالق، وباشر عمله في إفساد الخلق بإجازة ربانية تنتهي صلاحيتها عند نهاية التاريخ. (فراس السواح. الرحمان والشيطان)

يقول “العاقل”: صحيح أن الثنوية تقدم حلا بسيطا لمشكلة الشر، لكنها تثير بالمقابل مشكلة جديدة… فمن يرسم إذا بين القوى المتعارضة قوانين صراعها؟ ينطلق صاروخ باكستاني ليضرب هدفا في الهند، ذلك أن قوانين الفيزياء واحدة في البلدين. لكن عندما يتصارع الخير والشر، فما هي القوانين التي يطيعانها؟ ومن الذي أصدر تلك القوانين؟ إنها مشكلة “النظام” أو “غياب النظام” الذي خلقته الثنوية.

أما الأديان الإنسانية، ولا لُبس في التعبير، فتنظر للإنسان ككائن عاقل، له طبيعة فريدة ومركبة. كل شيء حوله من صنع يديه، وما لم يصنعه موجود لمصلحته. كائن متسام، وحده مصدر الخير والشر ومصدر السلطات السياسية والأخلاقية وما يعرف الآن بالشِّرعة العالمية للحقوق.

تبلّغت الأديان التوحيدية المعارفَ والطقوسَ والأساطير من مصدر سماوي. فقد امتلكت من وقت ما هبط عليها الوحيُ، الحكمةَ والحقائقَ الكلية. فلم تغفل كتب الدين، على ما زعم أصحابها، عن شيء ما أو عن سر صغير في هذا الكون الواسع والمتمدد! ولو غفلتْ، فالأرجح أن ما غفلت عنه، لا أهمية له على مجرى الحقائق الكبرى، تلك التي يتجاهلها العلم ولا يعترف بوجودها أو بثباتها. فهو يبدأ دائما، وبدافع الكشف عن الحقائق الجديدة أو ربما بدافع الفضول، من تجاوز المعارف المطلقة أو القديمة. ولأن الأديان تؤمن بالحقائق الكلية التي جاء بها الوحي، فهي لا تعترف بتأثير الثقافات المجاورة، علما أن للديانات الثنوية تأثيرا بالغا على ما جاء بعدها حتى ليقول دارس الانثروبولوجيا: إنّ زارا هو أبو الأنبياء أو أبو الأديان جميعا. ولا ينكر انجيل الطفولة العربي المنحول هذه الأبوة لقوله: “بينما كان الرب يسوع يتهيأ ليأتي الى العالم، قدم مجوس من بلاد الشرق الى أورشليم تماما كما تنبأ بذلك زرادشت “ولم يكن المجوس سوى تلاميذُ زارا أو حكماء فارس على ما أجمعت عليه الروايات المسيحية. ويعكس هذا الإجماع صلة قرابة بالمجوس طبعت المسيحيةَ بطابعها، كما تركت الغنوصية بصماتٍ ظاهرةً على الإسلام الشيعي والدرزي، وأصبح التقسيم الثنوي لمعضلة الشر حجر الزاوية في الديانات التوحيدية. التي لم تتوقف عن دعوة الناس لمساندة اله الخير في معاركه الكونية ضد الشيطان، مساندة تقود الى مواقف أصولية فيها من الجبرية ما يجعلها تكفيرية حاقدة، عدوانية عنيفة وعديمة التسامح. وما دعوات الجهاد إلا مساندةٌ صريحة لإله الخير في معاركه التي لم تنقطع ابتداء من الحروب الدينية الأولى، مرورا بالفتوحات والحملات الصليبية الى حروب داعش الآن… ( راجع على السنابل: الدين عصب الحروب)

لا تعترف الأديان بتأثير الثقافات السابقة، ولا ترتاح للدراسات المقارنة، ولا بما قاله F. de la croix “عن الأديان الإبراهيمية، التي لم تكن صنيعة موسى ويسوع ومحمد بقدر ما هي صنيعة زرادشت. فعنه أخذت الدياناتُ فكرة الشيطان وأفكار الجنة وجهنم، النبوة والقيامة والبعث ويوم الحساب، وعنه أيضا أخذتِ الدينونة والمعراجَ وانتظارَ المخلص…”

تقول الزرادشتية: إن العالم في بداية الخلق كان طيبا ونقيا وخاليا من الشرور، ذلك أن الشيطان كان نائما ثم استفاق لينشر سمومه، ولا بد أن يعود العالمُ لكماله وطيبته الأولى. وقد ابتدأت هذه العودة بولادة زرادشت وتُختتم بولادة المخلص من نسله، المخلص المهدي الذي ينشر السلام ويميت الجور ويقيم العدل. لكل طائفة مخلص وهادٍ طال غيابه، وقد انتظرت Lady Hester Stanhope الأنكليزية الثرية (1776 ــ 1839) مخلصها المسيحي في عبرا جنوب بيروت، بعد أن حجّت الى الشرق، وربّت في بستانها الصيداوي فرسا كُمَيْتاً ليركبه المهدي ويدخلَ به أورشليم فاتحا. ولمّا زارها لامارتين في قصرها الكائن في إقليم الخروب قال: “إن لدى الليدي جنونا قائما على رحابة صدرها. لقد رأيتُ فيها من غرائب الطبيعة ما يقوي الإعتقاد بها عند قوم لم يُزحْ عنهم الجهلُ ستارته”. الأرض العربية أرض المعجزات، كل شيء يزدهر هنا وكل رجل ساذج أو متعصب مرشح بدوره ليصبح نبيا. “لقد صار لامارتين نبيا كما وصفه أدوار سعيد مواربة في الإستشراق، لمجرد وجوده الفعلي في الشرق، (أي ساذجا متعصبا) أما الدكتور الأنكليزي Madden مدير المتحف البريطاني لاحقا فقال مرتبكا في وزن ستانهوب: “لا شيء أصعب من تحديد نقطة الصواب ونقطة ابتداء الخرف” وأردف قائلا: إن الليدي عصبية حامية كالجياد. يكاد قصرها يختنق بعشاق الليل، ما يرجّح رواية استضافتها من قبل الأمير الشهابي، وتسللها ليلا الى خُلوته أو فراشه في ثياب شفافة. سدد اليها الأمير ــ على ما تقول الرواية ــ عينين تقدحان شررا وأمرها أن تغادر القصر قبل طلوع الشمس.

يعيش بعض الناس ويموتون سعداء، لأنهم يجدون في الأوهام الجماعية معنى أو معاني للحياة. هكذا عاشت ستانهوب في أوهامها أو أوهامنا، ودخلت تاريخ العرب وأساطيرَه كما دخلته قُرَّة العين في قزوين (1817 ــ 1852 ). وهي الحورية التي اشتعلت مفاتنها فعطلت الحدود وأباحت الزنا. تحلق حولها طلاب العلم والمتعة، فتمرغت في أوحال الخطيئة كما لم يتمرغ امرؤ أو امرأة قط. ثم جاءها وهي تُلقي الدروس بكربلاء، فاسق بنبأ عن الموعود الشيعي وقد اتخذها مستودَعا لفيضه وأسراره. فقضت جُلَّ مُجونها تنتظر المهديّ وتتشوق للقائه. وفي حملة استئصال البابية بعد محاولة اغتيال الشاه ناصر الدين، خُنقت قرة العين بمنديل سياسي ثم ألقيت في بئر عميق القرار. ولم يشتر أحدٌ رفاتها كما اشترى السفير البريطاني في بيروت عظامَ هستير. وقد روى الرحالة الفارسي ناصر خسرو عندما زار الإحساء عاصمة القرامطة، أنهم أعدوا فرسا كفرس ستانهوب، متأهبا بسَرجِه ولجامه، لا يغادر مكانه ليلا ولا نهارا ليركبه المهدي حال ظهوره.

يعتبر زارا نبيا ومعلما أخلاقيا، وهو على قول الروايات، التجسيد العاشر لإبراهيم. بلغت تعاليمه من النفوذ أن صبغت الديانات السماوية جميعا. احتفلت الطبيعة بولادته كما احتفلت بالأنبياء العظام، ولمّا أتاه الوحي عرّجت به دابة مجنحة الى السماء، قابل رب النور وتبلّغ منه الشريعة والحكمة. عارضه النبلاء فهاجر الى خوارزم، وهناك بدأت الزرادشتية بالشيوع بعد أن اعتنق داريوس الأول مذهب النبي، والناس على دين ملوكهم. ولم يكن العروج امتيازا لزارا، يقول ابن النديم: إن ماني عرّج أيضا، وكانت أمه ترى في يقظتها، كأن أحدا يأخذه ويصعد به الى السماء ثم يرده بعد يوم أو يومين.

ويبدو أن عروج كارتير أكثر قابلية للتصديق، فهو زرادشتي من أخصام ماني، تناول مزيدا من الشراب المقدس (Haoma) ما رفعه فورا الى السماء، تعرّف على أحيائها وتنقل فيها، التقى الملائكة وقابل أهورا مازدا. ولا بد للعارف العاقل ان يتقبل عروجه، فليس لدينا من الأدلة القاطعة ما ننفي بلوغه السماء. فحشيشة الهَوْما نباتٌ وإله فعال، يُستخرج ماؤه ويُنْبذُ منه عصيرٌ مسكر، هو شراب الخلود الذي كان الفرْسُ يتعبدون به الإله مترا. ولو كان للعاقل أن يُصدّق أيضا، لصَدّق عروج الكاهن أردافيراز بتكليف من المجمع الزرادشتي وبتقنية الهَوْما العجيبة، وذلك بعد أن تكاثر رواد الفضاء، واحتدمت مع المسيحية الأولى منافسةُ العروج الى السماء.

عروج زرادشت على حصان طائر

لم تكن المذاهب المسيحية والإسلامية بعيدة عن عقائد الثنوية. فقد عرّج بولس وقال: “أعرف رجلا مؤمنا بالمسيح خُطف الى السماء الثالثة. أبجسده أم بغيره؟ لا أعلم! الله يعلم. وإنما أعرف أن هذا الرجل خُطف الى الفردوس، وهناك سمع كلاما لا يقدر بشر أن ينطق به ولا يجوز له أن يذكره”. مضى بولس بعروجه الى حاضرة المسيح بقارب ذهبي يواكبه ثلاثةُ آلاف من الملائكة. زار الجحيم كما زاره دون حشيشة الهَوْما أبو العلاء ودانتي، وتسلل اليه بودلير جامعا من أرجائه “أزهار الشر”. شاهد القديسُ نهراً من المعادن المنصهرة يُلقى فيه المذنبون والمذنبات. توسّل اليه أصحابُ النار فبكى، وكان من مفاعيل دموعه أن صدرت على الفور إرادة إلهية أمرت بالراحة يوما في الأسبوع بعدما سمع الله بكاء بولس”.

يشكّل الإسراء والمعراج في العقيدة الإسلامية حدثا عظيما وقع قبل الهجرة، فقد أسرى الله بعبده ليلا على البُراق من مكة الى بيت المقدس. ومن هناك عرج الى الملأ الأعلى، دون أن يتعرض لمخاطر الإشعاع وأضرار العروج، التي زعم علماء ناسا للملاحة الجوية حصولها. استغرقت الرحلة ليلة واحدة، وهي نفس المدة التي استغرقها عروج ماني. وقد أيد القرآن رحلة السماء في سورة الإسراء: “سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى…” وعند موضع أو حاجز لا تتعداه الملائكة وقف جبريل وقال: إذا تقدَّمتَ اخترقتَ وإذا تقدمتُ احترقتُ. عبر الرسول الحدودَ منفردا، فتجلى له الله وأوحى اليه وحيا مباشرا. (الصلاة) اجتاز النبيُ الجحيم مثلما اجتازه بولس، ورأى في ما رأى مالكاً خازنَ النار، ومن مأساة مالك أو مأساتنا في مالك أنه كجلّاد الممالك العربية يسبح في دماء الناس، يتنسّم رائحة شِوائه، ولا يضحك أبدا. لم يقرأ فولتير شيئا عن خازن النار، ولو قرأ لأعاد صياغة ما قاله حين قال: ما قرأته من كتب الديانات السماوية لا يسوغ الإعتقاد بسلامتها، فإذا كان الله قد أوحى بها، فلنا أن نعجب لإله يُبدي أفكارا خاطئة في علم الفلك والجغرافيا وفي الأنساب وتاريخ الخلق.

الموت نهاية حتمية للكائنات. ومع اقتراب الساعة يظهر المخلص ويُحشر الناسُ على الصراط الزرادشتي. فيسلّط الملائكة على الأرض نارا تَصْهر معادنَها وتشكل سيلا ناريا عظيما. ما من أحد إلا وارده. يعْبر فيه الأخيار الذين ثقلت موازينهم، كمن يعبر نهر حليب دافىء فيسقيهم الإله شراب الخلود. وتجرف النار أشرارَ الناس الى مآلهم البائس. الصراط اختراع زرادشتي، وهو جسر سينفاد الذي تعبر عليه الأرواح المحشورة، ترافقها Daena حورية مثيرة لها جسد منير ونهدان منتصبان. تتجمع الأرواح بعد نشورها أمام قاضي العالم الآخر، فيتأمل القاضي أعمال الميت أفكاره وأقواله ثم يضعها في ميزان الحساب. فتؤول أرواحٌ الى الفردوس (وهي كلمة فارسية) وتسقط أخرى في سعير الجحيم. فالصراط سيف يتقلب عرْضا وحدّا حسب الروح العابرة.

كان زارا آخر الانبياء إذ قال: أراد الله أن يختتم بي هذه الحياة فجئت مبشرا ونذيرا. أكد على احترام الإنسان ورعايته، كما دعا للإعتدال في كل شيء بهدف الإرتقاء نحو الكمال الذي ينتظر نهاية العالم. فتخفَّفَ في الطقوس، القِبلة مصدر الضوء، والصلوات خمس، أنجعها صلاتا الظهر ومنتصف الليل، يسبقها الوضوء تشددا في المحافظة على النظافة وقواعد الطهارة. والكفر عنده أكبر الجرائم، مع ما يستتبع ذلك من تعصب وانغلاق ورفض للآخر. ففي شريعته يُحبس المرتدُّ سنة على أن يتلو عليه رجال الدين أحكام الشريعة، فإذا أصرّ واستمسك اعتُبرت امرأتُه طالقا طلاقَ ابتهال يونس من نصر حامد أبو زيد، ثم أمر الرجال بقتله. ما دفع المستشرق A.F.Tomilin للتصريح أن الديانات الوثنية كانت أكثر تسامحا وقبولا للدين الآخر. ثم يقول: إن مرسوم داريوس الأول يشابه بتعصبه المفرط مرسوم أخناتون، حيث صارت الديانة قانونا والإلحاد مساويا للخيانة.

اعتبر البيتاغوريون زارا سيدا للحكمة ومؤسسا للفلسفة الثنوية، كما اعتبره المسيحيون مبشرا بولادة المسيح، وعدّه ماني ثالث الأنبياء العظام. ثم استعاره نيتشة ليُعَنْون كتابه الذائع الصيت “هكذا تكلم زرادشت”. ويقول المستشرق الدكتور Arthur John Arbery وهو المتخصص في التصوف الإسلامي (1905 ــ1969) “إن سلمان الفارسي، وكان مبشرا بالدعوة المانية، قد خَلُص نتيجةَ تجواله بحثا عن الدين القويم الى أن نبوءة زرادشت تحققت بمحمد، وأن اتّباعَه للرسول هو اتِبَاعٌ لأسمى التقاليد الزرادشتية”. ويقول الدكتور لويس صليبا أيضا في كتابه الثري عن زرادشت: إن ستة من جامعي الصحاح هم فُرْس أو علماءٌ بخلفيات فارسية. لقد انصهرت الثقافة الزرادشتية في الإسلام، رفدتْه وأغنته، لكن الشريعة الإسلامية على قول Noldeke: أثْرتِ الفرسَ ونفذت الى سويداء قلوبهم.

ويكفي نشيد الغاثا دليلا لتفاعل الديانات التوحيدية مع نصوص زرادشت:

هذا ما أسألك عنه، فاصدقني الخبر يا أهورا مزدا
من هو أبو الحقيقة منذ أقدم الأزمان؟
من رسم للشمس مسارها والنجوم؟
من جعل القمر يتناقص ويتزايد. من إن لم يكن أنت؟
من يمسك الأرض ويرفع السماء من فوقها فلا تقع؟
من فرش الزرع وأجرى الماء؟
من قرن جيادا مطهمة الى عربة الريح وعربة السحاب تجرهما؟
من خلق الافكار الخيرة، من إن لم يكن أنت؟
هذا ما أسألك عنه فاصدقني الخبر أيها الإله الحكيم
أية صنعة مبدعة خلقتِ اليقظة والنوم؟
من سخّر الليل والصباح والظهيرة تذكرة للناس بمهامهم؟
من سخر البقر والأنعام لرضا الناس؟
ومن يزرع في القلب احترام الوالدين؟
إني أسألك أيها الإله الحكيم لأنشر معرفتك بين الأنام
فأنت العقل الطيب وخالق كل شيء.

مهندس وكاتب لبناني

3 تعليقات

  1. مهند النابلسي

    مقالة موسوعية آخاذة تتناول الأديان والمعتقدات بطريقة نزيهة وانسيابية ممتعة…

    الرد
  2. Chawki Youssef

    تعليق بحجم النص
    الشكر اولا للكاتب عادل الحاج حسن الذي يتحفنا بمقالات تحمل قيمه حضاريه عاليه، والشكر ايضا للصديق مهند النابلسي الذي يعلق بحرفيه مختصره عملا بالمثل” خير الكلام…”
    ارى من المناسب والضروري ان ارد على بعض المعلقين على الفيسبوك. الردود مخيبه للآمال على اقل تقدير وهي تبين الفكر المتحجر القابع في صندوق الديانات التوحيديه منذ 1400عام.
    لم يفهم نص الصديق عادل كون بعض القراء لا يمتلك المخزون الثقافي الكافي ولا الحريه في التعبير.انها النمطيه القاتله للابداع الانساني.
    انا والكاتب،حسب زعمي،ننتمي لنفس المدرسه الفكريه وهي علوم الانسان anthropologie,بصرف النظر عن اللون والجنس والاثنيه والاديان والبلدان وكل الحضارات. ان تكتب عليك في هذه الحال ان تتجرد من الاسقاطات الذاتيه . الحدث الانساني يوضع على طاولة التشريح دون مواقف مسبقه. كاتب العلوم الانسانيه لا يفرض استنتاجا معينا. على المتلقي الوصول الى النتيجه بنفسه.
    الموروث الثقافي العربي على حاله منذ زمن طويل متمسك بالثوابت الدينيه ويصارع الدنيا وهو تحت خط الجهل. إن المسلمات الدينيه لا ترقى لدرجة الوعي الموضوعي لكل ما يرتبط بالتاريخ. يتميز الفكر الديني باسطوريه واضحه نراها عند كل الحضارات وهو بهذا المعنى منغلق على نفسه ويرتجف امام التحولات والتفاعلات بين البشر.اكثر ما يطمح اليه هو ان يلبس الدرع الواقي من الهجمات الفلسفيه التي تهدد كيانه ووجوده.إنه باختصار المالك الوحيد للحقيقه وهذه مغالطه كبيره لا يحتملها العقل.
    غالبا ما يخلط القارئ العربي بين ما هو ذاتي وموضوعي “subjectif et objectif”.همه الأوحد هو النيل من شخصية الكاتب عبر تكفيره دون الالتفات للمضمون وهنا أيضا مغالطة للمنطق.
    الصديق عادل رجل أكاديمي يلتزم قواعد للكتابه الرزينه والدقيقة في آن معا.كيف لا يفعل وهو يمتلك مكتبةعظيمة تليق لمن يريد القراءه؟ ما يقوم به هو نبش تاريخ الحضارات والأديان بصوره خلابه ساطعه تضيء عتمتنا وهو بتقديري محايد ولا يتبنى اي موقف شخصي.إنه الكميائي الذي يدرس ويحلل المعادلات تاركا للمتلقي فرصة التقاط الحقيقه.يغوص عميقا في تاريخ الشعوب ويهتدي بخيط أريان Ariane للخروج من متاهات labyrinthes عصر التخلف.
    لا يدعي الصديق عادل الحاج حسن ان ابوة زرادشت للانياء هي ابوه بيولوجيه! قد يكون النبي ابراهيم هو من يمتلك الجينات لكن مما لا شك فيه هو ان كل،نعم كل، الديانات التوحيديه فيها روح ونفس زرادشت وميترا و ماني الخ…
    الدين التوحيدي نهر كبير لكنه ليس كذلك اذا افتقد الروافد affluents فهل في هذا انتقاص و عيب في شرائع الدين؟ الا يوجد في كتاب المسلمين سورا تحكي عن اساطير الاولين؟
    المفاهيم الدينيه فيها شيئ من الفلسفه لكنها غيبيه لا تخاطب العقل بل تخشى عاقبة الانسان ولهذا تريد ان تحجز له مكانا في الفردوس وربما في الجحيم من يدري؟اما التاريخ فهو من انتاج الانسان نفسه وهو بهذا المعنى اقرب الى الحقيقه من اي بضاعة اسطوريه.
    دفاعا عن الصديق عادل أقول انه بعيد من اي شبهة تكفيريه ولا يقصد في مقالته سوى تأكيد حقيقه صارخه وهي ان التاريخ البشري ما هو الا سلسلة متواصله لا انقطاع فيها كوننا من ابناء الجنس البشري الاخير اقصد الجنس العاقل homosapiens والمعرفه عابره للحدود فهل نعود الى التشرنق ام نخرج الى الكون الفسيح؟

    الرد
  3. عبدالحق غلام

    صفحة ممتعة

    ومقال مفيد .. شكرا لكم

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.