رسالة جيدة جدا

بواسطة | 26 ديسمبر 2021 | مقالات | 0 تعليقات

عندما كان الكاتب الأميركي Ralph Emerson مثليَ الآن في السبعين من عمره بدأ يعاني مرض الزهايمر، الى أن أمسى منزلُه في الكونكورد قصراً للنسيان، لكن القراءة بقيت متعةً عصية على العطب، فتثبت بالرتابة فيها، قارئا في مكتبه حتى منتصف النهار، وعائدا إليه بعد الظهر، كما يروي كاتبُ سيرته كارلوس بيكر. تدريجيا فقد الكاتب ذاكرته، ولم تسلم من النسيان كتاباتٌ له كان يغتبط أحيانا بإعادة اكتشافها. قال لابنته مرة وهو يقرأ فصلاً من كتابه القديم: عجبا يا ابنتي هذا الكاتب يقول أشياء جيدة جدا! تذكرتُ إمرسون وأنا أعيد اكتشاف رسالة (جيدة جدا) كتبتُها لطبيب الأعصاب الدكتور شوقي يوسف أدعوه فيها للشك الدائم في ما يعتبره يقينا: ” نعم يا صديقي (كلامس) أيها الحكيم الفاعل والمشاغب في جلسات السبت، لا تدع نفسك تُقاد سريعا من قبَل المنطق والآراء النظرية، أو من قبَل هيبة النصوص الدينية، فمن الأفضل لك دائما أن تتوقف قليلا وأن يكون لديك شكوكٌ، وهي على آلامها مشاعرُ إنسانية تصادق الأرواح القلقة وتلازمها، وهي أيضا على رأي فولتير ليست وضعا مستساغا ولا مريحا يستكين اليه المرء، لكن الركون الى اليقين هربا من ألم الشكوك حماقةٌ كبرى.”

يروي Ciceron وهو رجلُ الدولة الرومانية وخطيبُها المفوّه (106 ق.م.) أن Hieron طاغيةَ سيراكيوز كان راعيا ليبراليا للأدب، تردد اليه جمعٌ غفير من الشعراء كان من بينهم Pindare الذي ردّ اليه حُسْن ضيافته إطراءً شديد الأناقة، وEschyle مؤسس الدراما الإغريقية، ثم Simonides (556 ق.م.) أكبرُ شعراء عصره، أوسعُهم معرفة، وأحكمُهم عقلا. وقد طلب منه الطاغية بعد جدل ديني أن يُعطيه تعريفا نهائيا للإله غيرَ قابلٍ للنقض. استمهله الحكيم أياما، ثم راوغ ثم استمهل ثم راوغ ثم قال: “كلما فكرت أكثر كلما ظهرت لي المسألةُ أكثرَ غموضا” يقول شيشرون تعليقا على هذه المحاكمة العقلية الصامتة: إن الطبيعة لم تكتفِ بمنح الناس العقل عموما بل منحتهم أكثر العقول استقامة… ويرجّح الخطيب الروماني أن سيمونيدس قد تهافت في ذهنه تعريفات ثاقبة ودقيقة للإله، ولم تكن المراوغة إلا لأنه تَصَوّر لكل مفهوم مفهوما مضادا نافياً للأول ومعترضاً عليه، ما يمنعه من ترجيحه. فانسلّ من اللعبة محترما هذا الخليط العجيب من التعريفات المتصادمة.

أقول ما أقوله أو ما خطر في بال سيمونيدس وقد امتلأت كتب التراث جدلا وسجالا حول الإله. فصراع الفلسفة والدين صراع دموي، قديم وحديث، يتناهى حينا ويتجدد أحيانا. أطلقت فيه الفلسفة أحكام العقل، وحدَّ الدينُ من قيمة تلك الأحكام وأفرغها من جانبها النقدي، على الطريقة التي مقت فيها الغزالي العقلَ، ونصح المسلمين بتفادي مخاطره في البحث والتنقيب. فمن أربعة قرون أو أكثر والحداثة تشن حروبها المتواصلة على الإيمان، وعلى ما تحفل به الكتب المقدسة من خرافات دينية، وذلك بهدف تأسيس عالم مادي قائم على تحرير العقل، وعلى ما تضيفه العلوم الوضعية من حقائق تراكمت حتى شكّلت أساسا فلسفيا ومعرفيا للعالم المعاصر الذي لا يعترف بالحقائق المنتَجة خارج رقابة العقل وسلطته. وكاد الإيمان أن يعترف بسطوة العلوم التجريبية لو لم تقف الحداثة عاجزة عن تقديم إجابات نهائية حول فاعلية القيم الروحية.

أمام تنوع الثقافات ونسبية القيم تراجعت الحداثة قليلا، واهتز بناؤها العقلاني، لا سيما بعد الجديد الذي تمثّل في أفكار فرويد، فقد شكك هذا العالم الجليل بوجود عقلانية صافيةٍ قائمةٍ بذاتها عندما قال: إن العقل تسيطر عليه قوى غيرُ مرئية من الدوافع والأفكار الكامنة في مناطق اللاوعي. ومثلما فقدت الحداثة مع فرويد أكبر ركائزها فقدت المؤسسات الدينية كثيرا من قداستها وهيبة نصوصها لصالح إيمان ذي صبغة فردية، تدعوه الكتابات ذاتُ الصلة بدين الضمير، حيث تُشكّلُ فيه القناعات الفردية المختارةُ من بعض الديانات الوثنية والتوحيدية… عقيدةً دينية هي عقيدة الفرد الخاصة القائمة مداميكها على حرية الإنتقاء ليس فقط من مختلف ديانات العالم وإنما من قوانينه وشرعة حقوقه الوضعية. عاضدت ما بعد الحداثة أديانَ الضمير، ونفت الحق المطلق في الدين كما في العلوم. وهي فلسفة غير متماسكة بدأت تتكون في النصف الثاني من القرن العشرين ردا على ادعاءات المعرفة الشمولية التي تضع حقائقها فوق الشكوك. وترتكز هذه الفلسفة الجديدة على الريبة من النظريات الحادة والتأكيد على نقاط الإتفاق بين المتعارض منها. والركون الى نقاط الإتفاق يعني أن لا عقلانية خارج النسبية. فالحقيقة حقيقة مؤقتة ذاتُ صفة فردانية تتعلق بالزاوية التي يرى فيها الفرد حقائق الكون دون تدخل خارجي من قبل المجتمع أو المؤسسات الدينية. وهذا يعني عدم استساغة التقسيمات الثنائية وإطلاق الأحكام المتسرعة والنهائية، كأن تقول: مؤمن وكافر، توحيدي ووثني، صحيحٌ ومشكوك بصحته… فالحقائق متعددة ومختلفة وهي في النهاية لن تكون إلا منتجا إجتماعيا مخلوقا في كل حضارة وليس مكتشفا. فلا الملحدون عميان بالولادة يرفضون سر الإله كما ادعى Paul Cassagnac، ولا مهمة العصر مرهونة بالتخلص من ظل الآلهة وسدنة المعبد كما بشّر نيتشه بأفكاره الجريئة والمتهورة، إلا بما خصّ دعوته لتجاوز القيم المسيحية السائدة. “ماذا إذاً لو بقي الدين حياً في عالمنا كما جاء في (الرسالة الجيدة جدا) يتنفس ويبث في قلوب المؤمنين ما يلزمهم من فروض الطاعة والطمأنينة؟ وماذا لو بقي للملحدين نزوعهم الحر نحو توكيد فعالية الإنسان وحقه في السيطرة الكاملة على محيطه وعالمه؟ لقد أدانت ما بعد الحداثة الإيمانَ المتعصب والإلحادَ المتطرف” فالإثنان يخلوان من دواعي الفهم والتفهم اللذين افتقرت اليهما إجابة أحد الفلاسفة على باب الكنيسة الإيطالية عندما سألته سيدة وهي على وشك الدخول الى كنيسة ألدومو بميلانو قل لي صراحة يا سيدي: هل الله موجود؟ أجابها الفيلسوف بأنفة وحركة من رأسه كلّا. يقول Croce: لقد اختارت هذه السيدة لمداواة شكوكها فيلسوفا قليل القيمة، فالإجابة يجب أن تكون دائما بنعم ويجب برأيي ألّا تعتبر الإجابة بنعم مهادَنةً ولا تخاذُلا نقديا.

يؤيد الفيلسوف الإيطالي Vattimo وجهة نظر كروتشي حول الشكوك التي راودت السيدة على باب كنيستها وحول طريقة مداواتها بالقول: أن لا أحد اليوم يمكنه الجزم أن الله غيرُ موجود كما لا يستطيع أحد أن يدّعي أن وجوده مبرهن عنه عقليا مرة واحدة والى الأبد، ما يعني أن ليس هناك حجج جازمة بوجوده أو حجج فلسفية قوية لكي يغدو المرء ملحدا. ولا يستقيم في هذا الجدل رهان بسكال، لأنه رهان نفعي قائم على المقامرة وطمع الربح، فالتسليم بعبادة الخالق لاحتمال وجوده “خواطرُ صبيانية غير لائقة بتعبير فولتير ولا تتوافق مع جسامة المسألة.” ولن يكون الإله في لعبة النرد هذه راضيا أو فرحا من أتباعه الذين يؤمنون به طبقا لهذا الرهان وهو الذي اشترط عليهم — للحصول على منافعه — إيمانا قلبيا صادقا يقينيا ونزيها. وقد حاول محمد المزوغي الكاتب التونسي القدير في كتابه “تحقيق ما للإلحاد من مقولة” أن يقدّم دحضا متينا لأطروحات فاتيمو و كروتشي معتبرا أن أكثر ما يضير الفلسفة هو التخاذل النقدي ومهادنة القناعات الدينية أو السكوت عن سلوك ديني شائن مارسته القوى الوهابية في زوبعة الربيع العربي التي بثّت سمومها المتطرفة واللاعقلانية من على منابر الفضائيات.

لم يتفق اللاهوتيون على حكم واحد يتناول الملحدين إلا على حكم يقضي بتكفيرهم واعتبار ما يدعون اليه خلخلة للنظام الأخلاقي العام. غير أن Baron D Holbach شيخَ الملحدين تحدى من “وكر الفلسفة ” الذي حفره عميقا في الوجدان الفرنسي، أن تكون آراءٌ فلسفية أو إلحادية سببا في تشويش القيم الأخلاقية أو تهديد السلم كما هددته الحروب الدينية، وقد وضع هذا الفيلسوف الألماني الكبير مناجاة صادقة وجميلة هي عبارة عن محاكمة عقلية للإله اخترتُ منها قوله: أيها الأب الذي اختفيت عن إبنك … اعذرني إذا كان عقلي المحدود لم يستطع التعرف عليك… أأنا قادر عن طريق هذه الحواس اكتشاف جوهرك الروحي الذي لا يخضع للتجربة؟ … هل كان بمقدوري أن أمجد عدالتك في الوقت الذي أرى فيه الرذيلة منتصرة والفضيلة تذرف الدموع؟ إن روحي لم تنصع لسلطة بعض الرجال الذين هم أنفسهم يعترفون بأنهم أقلُّ نورا مني في معرفة ذاتك … ولا يتفقون إلا على الصراخ في وجهي لكي أضحّي لهم بالعقل الذي وهبتني إياه. لكن يا ألله إن كنت تحب مخلوقاتك فأنا أحببتهم مثلك واجتهدت لأجعلهم سعداء، إذا كانت تعجبك الفضيلة فإن قلبي دائما قد شرّفها، لقد كنتُ زوجا عطوفا وأبا حنونا، صديقا مخلصا ومواطنا صالحا. مددت يد العون للمعوزين، واسيت المنكوبين ولم آكل أموال اليتامى … إن كنتَ صانعَ العقل فأنا أصغيت إليه دائما واستمسكت به … إن فكرتُ فيك بطريقة سيئة فذلك لأن عقلي لم يستطع تصورك، وإذا تكلمتُ عنك بسوء فلأن قلبي الإنساني جداً ثار ضد الصورة القبيحة التي رسموها لك، إن كنتَ خيّرا وعادلا كما يؤكدون فلا يمكنك أن تعاقبني … لأنني استمعت الى العقل الذي وهبتنيه، وإذا عاقبتني من أجل ذلك لكنتَ أقسى وأظلم الطغاة …

مهندس وكاتب لبناني

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.