حينما تعصف الأهواء بأمم الحضارة

بواسطة | 31 يوليو 2018 | مقالات | 4 تعليقات

هو سؤال وجيه في أذهان العقلاء المتوازنين.. كيف لباريس بلد الرومانسية والجمال والعطر العريق، والأزياء المبتكرة الأنيقة، أن تفقد بهاءها الأسطوري المجيد، وتتحول ساحاتها إلى مسرح للتعبير الغريب عن الفرح، بالفوضى والعنف حتى حدود التخلف الشديد..؟ في حين تخرج جموع شعوب العالم الثالث الفقيرة إلى الأماكن العامة، للتعبير عن فرحها بالغناء والرقص والاستعراض الجميل؛ لينقلوا شعور فرحهم إلى كل العالم، كما في دول أمريكا الجنوبية الفقيرة، أو بخروج مواكب السيارات والدراجات في استعراض جميل، تصاحبه أهازيج الفرح كما في معظم الدول العربية، والخليجية بصفة خاصة ممن يُطلق عليهم العالم الثالث.

نجد في المقابل من يسمون أنفسهم بالعالم المتحضر الأول، كبريطانيا وفرنسا وكندا وأمريكا الشمالية وغيرها، حينما تصاب جماهيرهم بهستيريا الفرح أو هستيريا الغضب لا فرق، من خلال التعبير بحرية ليست إلا الفوضى والشغب واللجوء إلى التكسير، والتخريب ورشق رجال الأمن بالأدوات الخطرة كعبوات الزجاج الفارغة، فلا يتركون أماكن احتفالهم إلاَّ وقد نالها الدمار والفوضى، لكأنها ساحة وغى شهدت للتو عراكا بين المتظاهرين والشرطة..؟

جنون ما بعده إلاّ جنون التخلف؛ وشغب ما بعده إلاّ شغب انحطاط القيم، حتى عند الشعوب المتحضرة؛ فأي احتفال هذا الذي يتم فيه التعبير عن الفرح، بصورة سلبية فيها من الجنون ما يخرج عن المألوف ومشاعر الاحتفال الرائق الجميل، حينما يصاب جمهور المحتفلين بانقلاب مزاجي مفاجئ، بعيدا من كل الضوابط والقيود، كمن تلاعبت بعقولهم الخمرة والمخدرات أو شذوذ التفكير “بحرية” بلا حدود، أو عندما تدهمهم فتنة الانتشاء بالنصر، وتؤخذُ عقولُهم بهذه الفتنة حد التطاول إلى التخريب، وتكسير أبواب المحلات ونهب محتوياتها. من يصدق أن كل ذلك يحدث في باريس..!؟

  بأي المصطلحات يمكن تسمية الأحداث في فرنسا..؟ حينما تخرج الجموع الفرنسية إلى الساحات العامة، للتعبير عن فرحها بالأساليب الهمجية الغريبة، من خلال تكسير واجهات المحال التجارية ونهبها بصورة جماعية تشترك فيها الفتيات والفتيان جنبا إلى جنب. إن دلّ الأمر على شيء فإنما يدل أن الشكل الحضاري، الذي يبدو عليه الغرب ليس إلا قشرة مفتعلة رقيقة، تخفي خلفها حقيقة الهمجية المتمكنة من غرائزهم، والمترسخة في عقولهم الباطنية، وحقيقة نفوسهم التي تميل ميلاً “طبيعياً” نحو العنف والشغب، وهذه بالتأكيد تؤدي على المدى الطويل، إلى اختلال برامجهم العصبيَّة فالتراجع الحضاري الخطير.

هي الصورة المخجلة التي بدا عليها الشعب الفرنسي، الذي يسمي نفسه بالعالم المتحضر الأول..!، حينما عبّر عن فرحه أثر فوز فريق دولته ببطولة كأس العالم في كرة القدم، في مواجهة الفريق الكرواتي الذي يقفز لأول مرة إلى صدارة المتبارين، ولنا في هذه المناسبة أن نستعيد صورة العنف، التي مارسها الشعب الفرنسي خلال انتخابات الرئاسة الفرنسية، لنتساءل بكثير من الحيادية: هل الشعب الفرنسي يستخدم طريقته في العنف للتعبير عن الفرح،  أو الاعتراض من قبيل التنفيس من الضغوط الداخلية التي يعانيها، بسبب انعكاس نظام العولمة على اقتصاد بلاده وعلى وضعه الاقتصادي، أم أن العنف هو دلالات ملازمة “وأصيلة” بطبع الفرنسيين..!!؟

أما أسباب ميول الشعوب إلى العنف، في التعبير عن حاجاتها النفسية والحقوقية..؟ فمرده بالدرجة الأول إلى ضعف الشعور بالعدالة الاجتماعية، والضغوط التي يسببها القصور المادي، في تغطية نفقات الاحتياجات المعيشية، وشعور المواطنين أنهم يدورون داخل حلقة مفرغة دون أن تنتهي؛ وهكذا يتمترسون داخلها، إضافة إلى سيطرة الشعور بالنقص أمام انتشار الأمومة، خارج الزواج الشرعي عند  كثرة من الأوروبيين، وتعريض الأطفال للتبني وافتقاد شعور الانتماء الحقيقي للأسرة، خاصة إذا ما أسيء معاملة هؤلاء الأطفال، وقد اجتاحهم التفكك الأسري، ومنهم من يتعرض للاعتداء الجنسي، مما يترك الأثر السيء على نفسياتهم بعد النضوج..عدا عن دور الأعلام وما يبثه من صور عنف، ومن أكاذيب عنصرية تشحن العقل بعداوة الآخر، وتولد حالة من عدم الرضا أو القبول.

ولا ينبغي أن تأخذنا الغفلة، عن دور تدني الأوضاع الاقتصادية في العالم عموما، وعدم توفر فرص العمل وغلبة شعور اليأس والتحول إلى الاكتئاب، والميل إلى تفريغ الاحتقان عن طريق المخدرات وتعاطي الكحول، في محاولة عقيمة لتخطى حالة القلق العام، مما يعرضهم لتثبيط مراكز العمل الايجابي في تفكيرهم، ويسبب ضعفاً في الوعي بالمعايير الأخلاقية، ويجعلهم بالتالي أكثر عرضة لممارسة السلوك العنيف، وأكثر استجابة للممارسات العدوانية العنيفة الخارجة عن المألوف.

عادة ما يكون الناس وسط التجمعات والحشود، أقل كبتاً لجماح تصرفاتهم السلبية، وأكثر سهولة لانفلاتهم من حدود التوازن العقلاني، وأكثر جاهزية للخروج عن قيم التعامل، والرضوخ للتقليد دون وعي ولا إدراك، بمعنى أن فئة قليلة تتصرف بسوء، سرعان ما تنتقل العدوى للآخرين، فتقلدها الجموع دون تفكير وكأنما أصابها سحر التقليد. كذلك ضعف بيئة التواصل بين أفراد المجتمع الواحد، يجعل الناس شديدة التوتر وشديدة التأثير بالآخرين، حينما يتحول التصرف ويغدو جماعيا غير مدرك تماما، لمشاعر الحقد المتنامية تجاه من هم أفضل منهم مادياً، فتتنامى الدوافع النفسية للتعبير عن روح الحسد..

ويؤكد الدارسون السيكولوجيين، أن تنامي شعور القهر عند الشعوب، التي باتت تتراجع ظروفها الاقتصادية، وتتباعد أسباب استقرارها النفسي، أنها عرضة لتفريغ شحنات غضبها وغلها، عن طريق النهب والفوضى والتصرفات الهمجية غير الموزونة، من قبيل امتصاص مكابدتها الداخلية فتتحول إلى التخلف، ومن ثم ترتكب ما لا يستوعبه عقل المواطن الواعي.

وما أعتقده حقيقة أن التخلف، ليس حالة تؤخذ بالمظاهر الخارجية والعلمية والتعليمية، وعدم امتلاك القوة العسكرية، وقصور مظاهر التقدم الحضاري فقط، بل بطبيعة الانسان ومزاياه البشرية، من خلال حجم ونوع القيم التي يحملها في داخله، فلا أعتقد أن انسانا يحصل على الحقوق القانونية بعيدا من الحقوق النفسية، مؤهل لأن تكون تصرفاته حضارية ومسالمة، لأن السلام النفسي هو حالة عقلية وعاطفية تمنح الشعور بالسكينة، بعيداً من العواصف المزعجة التي  يمكن أن تعطل الذهن وتعكر مفاهيمه،  سكينة يمنحها الرضا والحصانة الذاتية، والقوة في مواجهة الظروف الغريبة.

ليبقى الأطفال بذور المستقبل، والأسرة تربتها الخصبة الصالحة للتربية الحسنة، وبقدر ما نزرع في قلوبهم المحبة وندعمهم بالحكمة، والموعظة الحسنة ودروس حياتية في مستوى أعمارهم، لكي يتخطوا طفولتهم ومراهقتهم إلى سن الرشد بكثير من السلام النفسي. وهكذا نؤهلهم على مواجهة الصعوبات في مسيرتهم الحياتية، نحو مستقبل محصن وأمين.

[ratings]

كتابات أخرى للكاتبة

هيام فؤاد ضمرة – الأردن

4 تعليقات

  1. إيناس ثابت

    الأستاذة القديرة هيام ضمرة

    الوعي لا علاقة له بالشرق أو الغرب
    تفوق الغرب وتطور ماديا
    لكنهم ونحن.. في بداية رحلة الإرتقاء بالوعي..

    دمتِ بحب وعافية.

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      الأستاذة الصديقة هيام ضمرة

      براعة الفرنسيين في صناعة العطور، لم تأت من طريق الصدفة يا صديقتي..؟ بل يعود بعض الفضل فيها إلى لويس الرابع عشر، الذي لم يكن ليغتسل أكثر من مرة في العام. هذه حقيقة ثابتة في التاريخ خالية تماما من المبالغة والتّجني؛ وكانوا يحتفلون لمناسبة اغتساله، ويقيمون له ما يشبه “الزَّفَة” أو فَرَحَ العرسان. وأما قصره في ڤرساي على عظمته النادرة في التاريخ..؟ فلم يكن ليحتوي إلاَّ على بعض المراحيض القليلة النقَّالة..! وقد أسهم (الملك الشمس) في توريث رعيته عدمَ العنايةِ بالنظافة، وهكذا تمكّن الفرنسيون من اكتشافِ أرقى أنواعِ العطور، يحجبون بها روائح العرق ووساخة أجسادهم عن حاسة شم الآخرين.

      وكان الملك أبخر النَّفَس يعاني من تسوس الأسنان، وعشيقاته ممن لم يحصيهن التدوين بدقة..؟ كن عند المعاشرة يتَّقين رائحة فمه الفاسدة فيضعن على أفواههن المناديل. كان أصلع الرأس يخفي صلعته بشعر مستعار، وينتعل حذاء عالي الكعب لكي يبدو أطول مما كان عليه. إلى ذلك فقد كان مزهوا بنفسه أكثر من كل الملوك؛ لا يستعين بخدم القصر لارتداء ملابسه؛ بل الحاشية من الوزراء هي التي كانت تتولى خدمته في ارتداء ثيابه وانتعال حذائه.

      فهل رأيتِ يا صديقتي “فضلَ” الوساخةِ على الحضارةِ!؟ وكيف استنبطَ الفرنسيون بفضلِها أشهرَ أنواعِ العطور!؟ لعلي لم أظلم الفرنسيين كثيراً أو أتجنَ عليهم، وأنا أشهدُ على إهمالِهم النظافة حتّى اليوم، وعدمَ العناية التي تستحقها أجسادهم. وقد تناولتُ بتواضع شديد جانبا من حضارة الفرنسيين، لا تتعدى القشة من بيدر التاريخ الفرنسي الطويل، في نص من ثلاثة أجزاء وعنوانه: على كرسي لويس الرابع عشر. يمكن الوصول إليه عن طريق النت.

      وبعد يا صديقي وصفيَّتي وحبيبة قلبي، إذا كان لويس الرابع عشر قد أطلق على نفسه لقب الملك الشمس..؟ وأدولف هتلر أنهك البشرية بالحروب للسيطرة على العالم.. ورضا إيڤا براون..؟ ونابليون غزا روسيا وعاد مهزوما ليضاجع جوزيفين تنفيسا لخيبته ما لا أدريه من المرات..؟ وموسليني مؤسس الحركة الفاشية في إيطاليا نكّل وروع وقتل وأرهب. هؤلاء وغيرهم من طغاة العالم ومستبديه. إذا كان كل ذلك حدث في أوروبا في عصر الظلمات..؟ فما بالك بما نحن عليه اليوم في عصر الديموقراطية والحريات والتنوير، وتقدم مذهل في كل المرافق والمجالات، وبعضنا يحكم ويستبد بأهل الأرض ويتطلع بطموح يتجاوز حدود الأرض إلى السماء.

      من جهتي أيضاً..؟ لست ممن يهتمون إطلاقا بمباريات كرة القدم أو نتائجها، لا سيما وأن فكرة “اللعبة” أساسا؛ واستنادا إلى بعض المراجع انطلقت من المعارك الحربية؛ حينما كان يتقاذف المنتصرون بأقدامهم رؤوس القتلى من ضحاياهم يتسلون بها. والمؤلم في عصر القوانين والتنوير، أن يتكرر الموت في ملاعب كرة القدم التي نشأت ربما بفعل الحرب. ومنها أن إنكلترا كانت تحتفل بجلاء الدانماركيين عن بلادهم، وهم يتقاذفون بأقدامهم جثث ورؤوس قتلاهم من الجنود المهزومين.

      كوني دوما بخير، وأعلى مراتب المحبة والاحترام لك في قلبي ياهيام.

      الرد
      • هيام فؤاد ضمرة

        سيدي الكريم وأستاذي العظيم إبراهيم يوسف

        قد أصبت القول يا عزيزي عن أسباب اكتشاف الفرنسيين للعطور ليداروا نتانة روائحهم الفظيعة، وكانت أوروبا في تلك المرحلة تعرف بإسم (القارة النتنة) لندرة لجوء سكانها للاستحمام رغم أنّ أوروبا تسبح فوق بحر من الماء العذب، متعللين بشدة البرد في بلادهم التي كانت تهبط بدرجات الحرارة إلى ما دون الصفر، وبسبب عدم توفر وسائل التدفئة القوية والكافية، حتى تم اكتشاف النفط والغاز العربي، واكتشفوا وسائل تدفئة عالية الأداء تعمل على الطاقة الجديدة، كما تسربت إليهم علوم الشرق الأوسط المتقدمة وعلوم الصين واليابان الأسبق حضارياً، مما أوجد لديهم قاعدة علوم مكنتهم من البناء الحضاري عليها.. فحضارتهم يا صديقي ليس مبعثها وساختهم، وإنما أمجادا أضاعها أهل الشرق في حمأة تكاثر المحن عليهم، والنكبات، والحروب، وهجمات الدخلاء..

        وهاهو الغرب يعود لقديم وسائل العلاج الشرقية، كالعلاج بالطاقة الحيوية التي زاولها الفراعنة، والوخز بالإبر التي استخدمها قدماء الصين، والعلاج بالريكي التي عرفها قدماء اليابان، والحبل على الجرار.

        شرق أوسطنا يا صديقي يعاني اليوم من مرحلة تاريخية مأزومة ومهزومة حضارياً، وهو ما يربك خطى تقدمه، ويزيدها إرباكا قوى الشد العكسي الذي تمارسه قوى استعمارية حديثة إمعاناً في إرباك الخطى أكثر حد التقهقر.

        شكراً جزيلاً يا صديقي ما وسعت الحروف والعبارات من معاني الثناء، وما أغدقت من فيض عرفاني لمداخلتك القيمة التي تعد إضافة نوعية وإثراء واضح، وهذا ديدن عهدناه في كرم يراعك الذهبي المغدق، وثقافتك العالية الممتلئة، لتمنحني مادة ثرية جمعها يعبئ منشوراً..

        تمنياتي لك بدوام التوفيق واستمرار السعادة بين أسرة محبة وسعيدة
        وتحياتي لك ولجميع أفراد أسرتك

        هيام فؤاد ضمرة

        الرد
    • هيام فؤاد ضمرة

      الوعي يا عزيزتي إيناس هو مدى إدراك الإنسان للأشياء والأحداث المحيطة به والعلم الواضح حولها، وبالتأكيد يا سيدتي هناك فرق واضح بين الوعي التلقائي المتمثل بالنشاط العقلي والذهني وارتفاع الأفق الفكري دون جهد
      وهناك الوعي المعياري في الحكم على الأشياء والأحداث بناء على المؤشرات والخلفيات.. واجتماعهما يصنع وعياً مستنيراً كلياً

      وفعلا نحن واياهم في بداية رحلة الارتقاء
      فالعقول هي العقول إنما المتاح من الحريات هو الذي يصنع الفرق

      مع تحيات هيم ضمرة

      الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.