حبة الرمان

بواسطة | 21 نوفمبر 2019 | قصص قصيرة | 6 تعليقات

الشمس تتفجر في السماء العالية، فتهرول ضاحكة بين السواقي والمروج، تراقب الراعي وأغنام القطيع، ثم تحث الخطى وتلتف وراء الهضبة، حيث يشرئب الحور عاليا، بأوراق لامعة يحركها نسيم خفيف، وسقسقات الدوري تملأ الدنيا بالضجيج، فتنصت لهمس الريح تشنف أذنيها بصوت الجنادب في سمفونية مع الدوري من إبداع الرب العظيم، حينما تحرك في داخلها ما لا تعرف ما يكون؟ وهي تتأمل الطبيعة بحواس تهتز لعبير جديد. 

كانت تتأمل الدنيا حولها وتمتع ناظريها، بمراقبة النحل يمتص رحيق الزهور فيمتلىء قلبها بجمال الوجود، تحت أشعة شمس أشرقت في قلبها، ودهمت مشاعرها منذ عهد قريب. هكذا التقته في صباح العمر على منعطف قلب لم يعرف طارقا يحمل إليها هذه الأحاسيس، فراحت تملأ روحها وعينيها ببهجة الحب الجديد.

 كانت سعيدة بمشاعرها الطارئة التي دهمتها بلا موعد، وهي تستلقي تحت شجرة وارفة الظلال تتناول حبات الرمان، حينما رأته أول مرة  في يوم صيفي وهو يقبل نحوها. كانت تحمل كوز الرمان بين يديها وتلقي في فمها الحبة تلو الحبة، حينما فاجأها صوته يقول لها مبتسما بصوت رخيم: لمَ تجلسين هنا.. يا حبة الرمان؟

 فاجأها مرآه ووجه الوسيم يشرق نضارة بين عينيه، ونسمة حارة تحرق صدرة المكشوف. لملمت نفسها وهربت مثل قطة صغيرة مذعورة إلى الدار.  هذا الشاب  من سكان قريتها اتى من المدينة في إجازة قصيرة.  ترددت كلماته بعنف في أذنيها: “حبة الرمان.. حبة الرمان..؟ فداعبت خيالها وهزت كيانها كله، وصارت تنتظر مروره كل يوم في الطريق بعيدا من البيوت. تراقبه بقلب مشغول وهو يتنزه بين الحقول يحييها بعينيه ويتبسم لها بشفتيه كلما التقيا، ويروح يلاطف شعره الناعم بيديه ويناديها أين أنت يا “حبة الرمان”؟

هكذا مرت الأيام وهي لا تنفك تراقبته بقلب مشغول ، حينما كانت تلتقيه أثناء سيره  لشراء بعض حاجاته من السوق، فيستوقفها ويحدثها عن كل شؤونه، كان كلامه لطيفا في كل شيء، حتى في الكواكب والنجوم، وكانت تفهم وتستوعب كلامه وأهدافه وما يريد،  لكن كان بودها لو واتتها جرأتها وطرحت عليه سؤالا بالتحديد. 

كان يغرقها بلغة لا تفهمها إلاّ العيون. بدا لها مثاليا وكان في نظرها بعض إله يمشي على الأرض بقدمين آدميين، وكان مهذبا ورقيقا لا يغضب ولا يصرخ أو يثور.  وكلما التقيا يقترب منها ويميل بوجهه نحوها، فينفذ عطره إلى مسامها ويسكرها. عطره أشد طيبا من شذا الزنابق والورود وصوته أكثر سحرا من زقزقة الطيور. ألهب خيالها مرة وهو يقول يقول لها: سأتزوجك عندما تكبرين. وهكذا بدأ فكرها يتشتت وصوابها يضيع. 

 تشجعت وعزمت يوما على مبادرته بالزيارة. ضربت على قلبها بقبضة يدها الصغيرة ليغدو أقوى.. وحملت له سلة مليئة بالفواكه قطفتها بيديها وقالت: أقدمها هدية له عربون ود بيننا. اتجهت إلى منزله حينما فاجأها منظره؟ يجلس في ساحة صغيرة يرتدي قميصا ممزقا عند بطنه. يدخن وينفث الدخان ويحتسي.. الخمرة.

هذه المرة رأته فظا على حقيقته..؟ فالعرق كان يتصبب بغزارة من جبينه. كان يبدو عصبيا كمجنون يلوح بعصاه، ويرفس كلبا كان بجانبه وينهره بقوله: تبا لك أيها الكلب اللعين.. حين رآها تقف مذهولة  فاغرة الفم والدمع يسقط من عينيها، وهو يناديها محرجا: حبة الرمان؟ ولم يكمل  فألقت سلة الفواكه من يدها وقد تحطمت صورته في عينيها ووجدانها، وصرخت في وجهه: توقف. فقد انتهى أمري معك ولم أعد أحب الرمان. 

إيناس ثابت - اليمن

6 تعليقات

  1. د. أحمد شبيب الحاج دياب

    حبّة الجنّة
    ***
    أمّا أنا فما زلت أحب الرمّان،
    وأعشق حبّاته حبّةً حبّة،
    وأراها جواهر غريبة أتت من بلدان الغيب وعوالم السحر.
    وقد أخبرني شيخ معمّم، وقور، واسع العينين، أسود اللحية،
    أن في كلّ كوزٍ من الرمان حبّة واحدة من ثمار الجنّة،
    لذا عليك أن تأكل حبيباته بأكملها كي تصلّ “حبة رمّان الجنة” إلى معدتك،
    وتنساب في دمك كي تصل أخيراً إلى قلبك.
    منذ ذلك الحين وأنا أفكّر بأمر الرمّان وأحتار في أمر هذه الرواية.
    أمّا اليوم وبعد أن قرأت قصة “حبّة الرمان” الحقيقية
    كما روتها نجمة الصبح الأديبة إيناس ثابت،
    فقد توضّحت الصورة أمام عيني،
    وعلمت أنّ من أراد أكل حبّة الجنة أكلاً
    بقيّ طيلة عمره تائِهاً في الأزقّة،
    ضائعاً بين الكيزان والأباريق،
    يشرب ولا يرتوي،
    يفتّش ويفتّش ولا يصل إلى ضالته أبداً.
    أمّا من أحبّ حبّة الرمان لحسنها، ودلالها، وجمال روحها،
    دخلت هذه الجوهرة في كيانه
    وأرسلت أنوارها في ثنايا قلبه ومنعطفات روحه
    فتراه وقد ضاء وجهه بسحر الحب المقدّس.

    الرد
    • إيناس ثابت

      الصديق العزيز والكاتب الرائع الدكتور أحمد دياب

      يتجلى الله في الكون من خلال الجمال والحب
      وأنتم ممن أحببت..وممن عرفت من خلالهم حب الله..
      والرمان.. فاكهة الحب والغواية، مثلها مثل التفاح الشهي
      مقدسة عند العديد من الأديان ورمز الحب الخالد في الكثير من الأساطير…

      قرأت مرة أسطورة تقول
      أن شابا وفتاة أحبا بعضهما كثيرا وفي ليلة زفافهما ظهرت روح شريرة على هيئة إعصار حملتهما إلى مكان مهجور لم يتمكنا من الخروح منه.
      وفي إحدى الليالي سمع الشاب صوتا في منامه يقول له أنه ومعشوقته لن يتمكنا من الخروج معا ..واحد فقط من ستكون النجاة من نصيبه..ثم حرضه على قتل الفتاة، وبهذا ينقذ نفسه ويتمكن من الخروج والنجاة
      لكن الشاب العاشق لم يستمع إلى الصوت المحرض واختار بلا تردد قتل نفسه لينقذ حبيبته..وهكذا غرز خنجرا في صدره ومات
      عندها تحولت جثته إلى شجرة رمان..أما الفتاة فتزوجت بعد عدة سنوات وأنجبت العديد من الأولاد أورثتهم علم وفن زراعة الرمان.

      الرد
  2. إبراهيم يوسف

    إيناس.. الصديقة العزيزة

    الرمان؛ وواحدته رمانة.. وقلوب مليانة
    فاكهة “عاقلة” مضمونة المواسم
    عندما لا تزهر… إلا مع بداية الدفء في الصيف
    بعكس اللوز “الغبيّ الأرعن” يزهر مبكرا جدا
    أول الربيع ولا يسلم من صقيع يتلف موسم اللوز

    والرمان ثمر لذيذ المذاق لا يقل إغراؤه عن التفاح
    ومن خصائص أنواعه أن حلوه نافع للقحة والسعال
    وأما حامضه؛ فيكثف على النار كمطيب للطعام
    واللفاني منه علاج لالتهاب الأمعاء.. ودواء للفؤاد

    ومن معاني المفردة رمانة دفاعية أو هجومية
    يطلقها بشري على بشري آخر… ويقتله
    وهناك رمانة السيف.. ورمانة أو بيضة القبّان

    وفي السياسة اللبنانية..؟ فالسيد وليد جنبلاط
    رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي
    والنائب السابق..؟ كان حتى الأمس القريب يمثل
    رمانة… أو بيضة القبان… في المعادلة اللبنانية

    فَيُغلِّبُ لمصلتحه في البرلمان… فريقا على فريق
    وليد جنبلاط في السياسة.. سينتهي قريبا بعون الله
    كنت دائما بجانب ردة فعل العصامي سامي كليب
    ولم أكن يوما على الإطلاق إلى جانب الإقطاعي البيك

    وفي الأبحاث الزراعية هناك من يؤكد
    أن عصير الرمان يتجاوز النبيذ الأحمر
    كمانع للأكسدة الحيوية.. والوقاية
    من مرض القلب وتصلب الشرايين

    لكن المفاجأة التي لم أتوقعها إطلاقا أن صديقنا الدكتورأحمد؟
    وعهدي به مغرم بالحصرم يهوى التين الشوكي؛ والسفرجل
    ومذ عرفته لم أره مرة واحدة يأكل التفاح والخوخ أو الرمان

    وأما في زمن العولمة وسطوة الدولار والنزاع على المكاسب
    وتهديد الشعوب الفقيرة المتواصل بالجوع والظلم والحرمان..؟

    فنحن بأشد الحاجة لرومنسية التأمل في العطر والشعر والحب
    ورمان خدودك يا حبيبي … يا ريتو من نصيبي

    https://www.youtube.com/watch?v=T-PwOuVenok

    أخيرا؟ لم تفعِّلي خيالك جيدا في مقاربة الحكاية واستعجلت النهاية
    لكن.. سلمت يداك يا عزيزتي إيناس.. ودام زكيُّ حضورك والسلام

    الرد
    • إيناس ثابت

      الصديق العزيز إبراهيم يوسف

      تعلمت منك أن النهاية الممتازة
      تفتح أبوابا جديدة للقارئ،
      و تضيف دهشة وجمالا إلى النص
      يشبه السكر المنثور على قطعة حلوى

      وإن كانت “حبة الرمان” أنستني نثر السكر
      وخيبت أملك وأملي
      فأرجو أنني لم أخفق في ايصال رؤية ومغزى النص

      شكرا لك صديقي العزيز ومعلمي الغالي
      والشكر لوفاءك
      ونصائحك الطيبة وتوجيهك المستمر

      الرد
    • إيناس ثابت

      يا ألف مرحبا بك أستاذ مهند..
      خالص شكري لك، وباقة زهر بلون الود.

      الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.