جبل الصبر

بواسطة | 10 فبراير 2021 | شعر | 4 تعليقات

جبل الصبر    
إلى والدي الذي لم يعرف طعم الخوف
أحمد رشاد -الرقة

كانَ في العشرينِ رُمْحاً
كانَ صبحاً
أوعريساً مِنْ ندى
صاحبُ الكفَّ الندية
كان أزهاراً بهية

يقطفُ الشمسَ سراجاً
وابتهاجاً
يفتحُ الظلَ قلاعاً من حريرٍ
خفقَ قلبٍ/ تاجَ عزٍ/عطرَ وردٍ
كانَ جباراً قويا

يمتطي الريحَ خيولاً وسيولاً ثم يمضي
نحو أحلامِ الصبايا
والمرايا راودتهُ اليومَ كحلاً في عيونٍ غجرية
كي يُغنِّي
لستُ منكَ / لستَ مني
دعني أمضي كاشتهاءٍ حين يطويه شتاءٌ
أو شتاءٍ حين يعلوه اشتهاءٌ
وليالٍ اتعبتْ فيه مُناها
إنْ محاها مِن سجلِ الوقتِ سراً
لم تخنهُ النارُ جهراً
إنْ تدلتْ
ساعةَ الصفرِ المعنّى
غير أنَّ العمرَ يجري
نحو صفرٍ وانتهاءٍ وابتلاءٍ
وكهوفٍ سرمدية

******

صارَ في الخمسين سيفاً
لا ولا كلَّ السيوف
يقضمُ الأوجاعَ زاداً ومراداَ وارتداداً و انكساراً
كلًّ حينٍ تشتهيه اللحظةُ الأخرى
لم يبُحْ يوماً بآهٍ
لم يَقًلْ إني عليلٌ
لم يَفُتْهُ الآنَ تاريخُ الرجالِ
بلْ سيبقى فوقَ أنقاضِ السنينِ
لم يفُزْ يوماً بليلى
لم تنلْ منهُ سعادٌ
ظلَّ يحدوهُ انتصارٌ
مثلَ خمّارٍ عجوزٍ حشو عينيه لهبْ
عتّقَ الكأسَ اختلاساً
فتراخت كلًّ أهدابِ الغواني
أذّنَ الصبحَ خشوعاً
حينَ صلّى
طاحَ مِنْ خديه ألفُ بستانَ عنبْ

******

صارَ في الستين غدراً
دون وعدٍ دون عذرٍ
فرمتهُ و رماها ثمَّ تاهَ
قال إنّي تائبٌ عنها وعنّي
بات توتاً وعتبْ
أضحى كوخاً منْ خشبْ صارَ أشلاءَ تعب

عند بابِ البيتِ كرسيٌّ عتيقٌ
قهوةٌ مرة وهيلٌ
وعصاً مِنْ خريفِ العمرِ رافقتهُ
ورفاقٌ  مثلهُ باتوا هشيماً
يقتلُ البردُ أوصالَ الشيوخِ
يجمعونَ الأمسَ كوماً مِنْ حطبْ
وحكايا الهمسِ تجتاحُ الخلايا
في وجوهٍ بابلية

******

صارَ في السبعين ينسى
حين يغفو يُعلنُ الصمتُ احتجاجاً
إنّهُ طفلٌ صغيرٌ
يتشهّى العيدَ صبحاً
ومساء العيد نامتْ كلَّ أرجاءِ المكانِ
سادَ صمتٌ في تفاصيلِ النعاسِ
نامَ عاماً بعد عامٍ
ثُمَّ صار قديساً تقيا

الرقة 25/9/2020

أحمد رشاد شاعر وكاتب سوري من مدينة الرقة على نهر الفرات. يكتب الشعر الفصحى واللهجة الفراتية . صدر له كتاب وادي الفيض شعر شعبي عام 1999/ الذبيح يسير حياً شعر فصيح عام 2002 كما صدر له الكترونياً ثلاث مجموعات وهي السراب، هباري وانكسار اللون. عمل في الصحافة لمدة 10 سنوات.

4 تعليقات

  1. إيناس ثابت

    مامضى لا يعود
    لكننا نقف أمام ظلاله بحنين وحب

    نص حزين ومؤثر
    لقلبك الأمان ولروح والدك السلام.

    الرد
    • أحمد رشاد

      لك ماء الفرات مدى الفرات
      دمت بخير وسعادة

      الرد
  2. شهربان معدّي

    بورك هذا الوالد العظيم..
    الذي كان في شبابه
    خفقَ قلبٍ/ تاجَ عزٍ/عطرَ وردٍ
    كانَ جباراً قويا
    يمتطي الريحَ خيولاً وسيولاً ثم يمضي
    نحو أحلامِ الصبايا

    وفي كهولته؟
    سيفاً
    لا ولا كلَّ السيوف
    يقضمُ الأوجاعَ زاداً ومراداَ وارتداداً و انكساراً
    عند بابِ البيتِ كرسيٌّ عتيقٌ
    قهوةٌ مرة وهيلٌ
    وعصاً مِنْ خريفِ العمرِ رافقتهُ

    صارَ في السبعين ينسى
    حين يغفو يُعلنُ الصمتُ احتجاجاً
    إنّهُ طفلٌ صغيرٌ
    يتشهّى العيدَ صبحاً
    ومساء العيد نامتْ كلَّ أرجاءِ المكانِ
    سادَ صمتٌ في تفاصيلِ النعاسِ
    نامَ عاماً بعد عامٍ
    ثُمَّ صار قديساً تقيا

    لروحهم السلام..
    رجالٌ؛ عانقوا الحياة بكل تفاصيلها الصغيرة
    وفصولها الأربعة..
    وناموا فوق الغيم بسلام..

    سلمت يُمناك شاعرنا الرهيف
    وكلماتك المؤثّرة الصادقة الوجدانية..

    رحلوا وما زلنا نحتاجهم..
    ونتمنى لقياهم ولو في المنام..

    الرد
    • أحمد رشاد

      لا ملاذ لي سوى الصمت أمام مروركم الجميل.

      الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.