ايمانويل كانط ومحمد بن عبد الوهاب (2)

بواسطة | 1 ديسمبر 2017 | قراءات | 0 تعليقات

صديقي العزيز 

يذكر جان ريمون أحدُ المؤرخين الأجانب، أن سليمان رأى في ما يرى النائم (وهو تمهيد، كما تعرف، للولادات الأسطورية عند العرب) شعلةً تخرجُ من جسده. قال مشايخُ النجديين وهم قبيلة تنتمي لتميم إنَّ ولدا من صلبه سيدعو لمذهب جديد يعِمُّ المنطقة من البحر الى البحر. تحققتِ النبوءة وخرج الحفيدُ محمد بن عبد الوهاب ليثأر من مدنّسي الديانة الإسلامية بالسيف ويقضي على المسلمين “الكاذبين”. كان البدوُ على ما يقول المؤرخُ، كعادتهم، متعطشين للسلب والنهب، فشجّع هذا العطشَ ووجّهه ضد أعداء الله. أصغى اليه أميرُ الدرعية، تحالف معه، واقتسما السلطة قسمة ضيزى، لم تزلْ قائمة حتى الآن. يقول دو كو انسي في كتابه (تاريخُ ما أهمله التاريخ): “لعل الديانات المختلفة هي المؤسساتُ الإنسانية الأكثرُ عُرضة للتعديل، وقد تبدأ بطقوس بسيطة وأخلاق صافية إلى أن يُدخِلَ عليها التعديلُ المتلاحقُ مع مرور الزمن، ما يُغيِّرُ شكلَ الديانة الأولى ولا يُبْقي منها شيئا. “هكذا خرجت الديانة الوهابية من رحم الدين الإسلامي دينا جديدا مُعدّلا منسوخا وممسوخا، غيّر شكل الديانة الأولى وبدّلها واعتبر الذين استمروا على اعتقادهم الأول وثنيين حمقى يستحقون القتل، وكفارا مستباحي الدم.

كان الوهابيون يُفضِّلون الغزوَ على الحرب، وأفضلُ الإنتصارات عندهم على قول المؤلف انتصارٌ يُخرِّبون فيه كل شيء دون أن تلحق بهم خسارة، وحربُ اليمن بصاروخها البالستي الوحيد تصديقٌ لما قال. والتكفيرُ ـ لغةُ اليوم ـ عقيدةٌ من عقائد الوهابية، ويعني التكفيرُ أن المسلمين قد يصبحون كفارا يُضافون لأتباع الديانات “المارقة”، الذين اعتبرتهم أدبيات الدين الجديد سحرةً يعبدون الشيطان (وحدُّ الساحر ضربُه بالسيف). “والنجديون يفضلون الذبح على الغنيمة، أما أحفادُهم فيفضلون الذبح مع الغنيمة”.

انتشرت الوهابية على امتداد العالم الإسلامي، من الهند حيث أعلنتِ الجهاد على السيخ ـ كفار البنجاب ـ الى سومطرة وشمال إفريقيا على يد السنوسي الجزائري الذي تأثر بالوهابية، وإدريس ـ عاهل ليبيا السابق ـ أحدُ أحفاده، خلعه القذافي عام 1969م فهل كان هذا الخلع، سرَ العداوة بين القذافي وملوك السعودية؟ كما انتشرت الوهابية في آسيا واوزبكستان، وما أشعلت من حروبها على امتداد المنطقة معروفٌ ومذمومُ. وقد روى دور غولد في كتابه (مملكة الكراهية) “أن تقارير وفدت الى مكة عام 1855م مفادها أن الإمبراطورية العثمانية شرعت في إصلاحات جديدة، من بينها الغاءُ استعباد السود، ومنحُ المسيحيين حقوقا مساوية، وتحريرُ النساء، فأصدر كبيرُ علماء مكة فتوى تستنكر هذه البدع، وتقول بوجوب اعتبار العثمانيين كفارا إذا أقدموا على تنفيذها”. وما فتاوى اليوم، الا امتدادٌ لفتاوى القرون السابقة، فقد أفادت تقاريرُ حديثة أذاعتها وكالات الأنباء مؤخراً عن تجارة ناشطةٍ للعبيد في ليبيا، وتجارة للرقيق كانت قائمة ومزدهرة في الدولة الإسلامية الآفلة، إنه امتداد الإيديولوجيا الشاملة التي أغلقت مسام العقل وحجرت عليه. ما علّمه محمد بن عبد الوهاب لمعاصريه وأصبح النسخة الرسمية للإسلام البربري العالمي، كان حصيلة سيرورة تاريخية لحرب مدمرة على التراث التقليدي المُشرِقِ للإسلام، خاصة على ما جاهد المعتزلة في سبيل تأصيله من القضايا في مجاليْ العدل والتوحيد. فقد كان العلاّفُ مطلعا على كتب الفلسفة فابتعد عن المنهج الديني الى علم الكلام وجدله حيث تُطرحُ المقدماتُ التي لا ينازعُ في صحتها الخصمُ. فحورب الفلاسفة بحجة الزندقة ودخل العالمُ الإسلامي عصر الإنغلاق والإنحطاط والجدب الفكري. كان الدين بالنسبة لمحمد بن عبد الوهاب “يدخلُ في دائرة اللامفكر فيه والمستحيلُ التفكير فيه عقلانيا. بمعنى أنه لا يمكن للعقل أن يفكّر في الدين ولا يحقُ له أن يناقشَ عقائدَه، لأن الدينَ الهيٌ كلُه، والعقلَ بشريٌ كلٌّه”.

ليس الحفرُ في الموروث القديم هوايةً، وإنما غسلٌ له. وبالقدر الذي نُعمِلُ فيه الرأيَ تتفتح مسامُه، ويتحول الى تراث يُبْنى عليه لو قُدّرَ للنهضة الجديدة أن تأتي، لأن العقل النصي أغلق مسام الموروث ومنع عنه الغسلَ.

صديقي العزيز 

إن أقطاب الفلسفة أربعةٌ على ما رأى المؤرخون: إفلاطون، أرسطو، ديكارت وكانط. والاخيرُ قطبُ القرن الثامن عشر بلا منازع، جمعه مع محمد عبد الوهاب عصرٌ واحد وتلك مفارقة المعاصرة. أقال الشيخُ العقلَ من التفكير في أمور الدين ونزع الأول نحو تفكير لا يقبل الدين إلا ضمن حدود العقل، حرره كانط من قمقمه وأطلقه في ميادين المعرفة. فقد درس الفلسفة وهو المسيحي طالب اللاهوت فأحجم عن حضور الطقوس الدينية. أصدر كتابَ “نقد العقل الخالص” الذي يُعدُّ من أهم كتبه. ثم كتابَ “الدين في حدود العقل وحده” وكان من أسباب فرادته أن عاش في عهد فريدريك الأكبر الذي كان شكَّاكا ومتسامحا دينيا كبيرا. تثبت كانط بولائه للعقل الذي صوّره. وكافح للتوفيق بين الفلسفة والدين مجاهدا ليحرر الدينَ من قبضة فولتير والفلسفةَ من سطوة ديفيد هيوم الذي أنقذه من سُباته الدوغمائي. بتأثير من كانط انتعشت نظرية التطور واختمرت فلسفة نيتشه وأعيد الإعتبار لما يُشجّعُ عليه الغرب الآن من تعزيز للنزعة الفردية التي أنقذت أوروبا من التقليد وفتحت أمامها ميادين البحث الذي أدّى لما تنعمُ به القارة من ثراء العلوم. كما جمع بين السياسة والمسألة الأخلاقية ولازم بينهما، داعيا لإزالة الجيوش أدواتِ العنف، وتأسيس الأنظمة السياسية على قاعدة القانون. كان متحمسا للثورة الفرنسية ومبادئها في الإخاء والحرية والمساواة، متواصلا مع فلاسفتها فولتير روسو وديدرو. كانت الحرية عنده مسلمة من مسلمات العقل، وابتدع نظرية المعرفة القائمة على دمج المدرستين التجريبية والعقلية، فالمعرفة لا تكون إلا بكلتيهما.

نشأ كانط، أيها الصديق، في أحضان اللاهوت البروتستانتي، لم يقطعْ معه ولم يكن من المتدينين الذين يسلمُّون بالشيء بعيدا عن رقابة العقل. كان مطلعا على آخر ما توصل اليه العلم، فأخضع كل شيء لمحكمة النقد. لكنه في المقابل لم يكن مفكرا ماديا فقد حصر العقل في بوتقة التجربة وحرمه من الإمساك بقوانين العالم على ما هي عليه. ما أحدث قنوطا في نفوس المفكرين، ودفعهم للتشكيك في نزاهته العلمية، خاصة بعد ادعائه أن للمُثل اللاهوتية وظائفَ معرفية. فقال غوته “إن كانط حازم من جهة في حصر قدرتنا المعرفية الى أقصى حدٍ، ومن جهة أخرى يشرئبُّ خارج الحدود التي سطّرها بنفسه” كما أعرب هنري فون كليست أحد المفكرين الألمان عن خيبته وتأزمه الداخلي فقال “يبدو أنني إحدى الضحايا التي خلَّفَتْها الفلسفة الكانطية ومع ذلك لا يمكنني أن أتخلصَ من فكرة أننا على هذه الأرض لا نعلمُ شيئا عن الحقيقة لا شيء منها على الإطلاق. هذه الفكرة أحدثت رجّة في كياني. ومنذ ذلك الحين كرهتُ الكتب، وبقيتُ مكتوفا  أبحث عن مسار جديد يطمح اليه ذهني بغبطة وحركية”( المزوغي ـ ايمانويل كانط).

قلتُ أن كانط لم يكن مفكرا ماديا، ولكنه لم يكن مؤمنا تقليديا، كان الدين عنده دينا خاليا من الطقوس “لأن الصلاة نفاقٌ سواءَ كانت سرا أوجهرا،  فالإنسان يتمثّلُ اللهَ فيها كموضوع حسِّيٍ في الوقت الذي هو فيه مبدأٌ عقلانيٌ”. و”الصلاة تفترض يقينَ من يُؤديها بوجود من تُوّجه اليه. فمن أحرز تقدما في عمل الخير يكفُّ عن التعبد بها، لأن الصراحة جزءٌ من قواعد السلوك”. و”الدينُ الحقُّ يَعْنى بالإنسان وبالسبل الآيلة لتحسين أعماله، والدينُ الباطلُ يَعْنى بالإله ويطلبُ رضاه”. لذا اعتبرَ الزكاة من بين طقوس المسلمين فعلاً أخلاقيا. شبيهةٌ قناعةُ كانط بقناعة الصوفيين الذين يعتبرون أن الرسلَ طوَّلوا الطريق الى الله. وقد استشهد كانط في هذا المعنى بقول ثُمامة بن الأشرس عندما رأى تدافع الناس للصلاة فقال لصاحبه: انظرْ ماذا فعل ابن آمنة بالناس. وكان ثمامة مناظرا قويا للإعتزال، تأثر به الجاحظ في أسلوبه ومعانيه.

رافق الغربَ في نشوته العقلية، ضمورٌ واختزالٌ شرقي للعقل الى أدنى مستوياته، قبل الوهابية وبعدها، فقال أبو المظفر السمعاني 1072م إن طريق الدين هو السّمْعُ والأثرُ. وطريقُ العقل مذمومٌ في الشرع منهى عنه. المعرفة مستقلة عن العقل ولا يفعل الأخير شيئا إلا أن ينظّمها.

لم يغفرِ الفقهاءُ لعلم الكلام استعانته بالأدلة العقلية، فقال أحمد بن حنبل 780ـ855م “أئمةُ الكلام زنادقةٌ”. أما ابنُ الصلاح فأفتى “أن الفلسفة رأسُ السَفَهِ والإنحلال ومادةُ الحيرة والضلال ومنارُ الزَّيْغِ والزندقة، ومن تفلسفَ عميتْ بصيرتُه عن محاسن الشريعة…” حتى أن مُنَظّرَ الإنقلاب كان ممن عميتْ بصيرته عندما أخذ على عاتقه تبديعَ الفلاسفة بمنهجهم، فقال عنه القاضي الأندلسي أبو بكر بن العربي “شيخُنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع”.

لقد ساد الحضارة العربية أيها الصديق، إيديولوجيا شمولية صارمة وغير مسبوقة، حوَّلت الإنسان الى “آلة تعملُ بالنصوص” الآمرة والناهية والعقلُ على ما يقول طرابيشي في كتابه (من إسلام القرآن الى إسلام الحديث) هو “الفَرْضُ الذي ننطلقُ منه وننتهي اليه. إنه في حضارة النص أولُ ما يتقدّم وأولُ ما يتأخر، وطبقا لتقدمه أو تأخره تكون الحضارة الحاضنة له” ثم يقول: “إنه ما لم يُعَدْ تفتيح ما أغلقتْه الإيديولوجيا الحديثة من مسام العقل وفي المقدمة العقل الديني فسيبقى الأمل معدوما في كسب ما كنا أسميناه: (رهان تجديد النهضة). وستبقى الإحتمالاتُ جميعُها قائمة للإرتداد نحو قرون وسطى جديدة”. والإرتدادُ ـ للأسف ـ حاصلٌ حتى الآن، مقبولٌ ومرغوبٌ فيه.

مهندس وكاتب لبناني

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.