المحطمة (Destroyer)

بواسطة | 26 يناير 2020 | فنون و سينما | 4 تعليقات

المحطمة (ديستروير/2018): 

نيكول كيدمان تتفوق على ذاتها بأداء تقمصي مذهل وغير مسبوق!

الممثلة البارعة تقدم هنا طبقات متعددة من التمثيل في فيلم صعب حافل بالتحديات، مما يترك أثرا لا ينسى، ويستعرض الشريط الرحلة المهنية والأخلاقية والوجودية لمحققة شرطة من لوس انجلوس تدعى “ايرين بيل”، التي تعمل متخفية مع عصابة سرقة وسطو جامحة في صحراء كاليفورنيا، حيث يقود كل ذلك لنتائج مأساوية مرعبة، وذاك عندما يعود زعيم تلك العصابة للظهور مجددا بعد سنوات عديدة من الاختفاء، حينئذ يتوجب على الشرطية أن تعود فتتبع اثر باقي الأعضاء، وان تعود فتنبش تاريخ حياتها الخاص العائلي لتلاحق “الشياطين” اللذين دمروا ماضيها…

*انه فيلم تشويق غامض مركب وصعب من اخراج “كارين كوساما” وبطولة كل من: نيكول كيدمان وسيباستيان ستان وتوبي كيبيل وتيتيانا ماسلاني وبراد لي ويتفورد وجيد بيتي جون…

*ملخص نقدي: الاستحواذ والسرد المعقد المتماسك الشيق!

كيدمان تدمر كل شيء في طريقها، وتظهر بشكل غير مسبوق كشخص مشوش وغامض وكاتم للأسرار وقاسي، في اداء مذهل استحواذي، عارضة كل مهاراتها كممثلة فريدة بارعة شاملة!

*أبدعت المخرجة اليابانية الأصل باظهار الماكياج الكثيف المشتت والمضلل لكيدمان مع مزيج من الخلط السردي وضمن تسلسل زمني معقد ومتداخل، وخرجت بمزيج مصطنع من الكليشهات العصرية الدارجة لنمط أفلام السطو المسلح: حيث يبدو الفيلم كدوامة يتم فيها “تدويخ” المشاهد واقحامه مع الشخصية الرئيسية، لنعود اخيرا في النهاية لنفس البداية الغامضة ولا نعرف كيف؟!

*ولقد نجحت كيدمان بالحق على الاستحواذ على جل اهتمامنا لأنها حملت على كاهلها ضمير الفيلم الجماعي المكثف دراميا/ تماما كما كان “مارلون براندو” أيقونة التمثيل الكلاسيكي يفعل في أفلامه!

*ولو سعت هذه المخرجة للمزيد من التركيز لتمكنا من الحصول على فيلم استثنائي، حيث تلاعبت بأريحية مع مفاتيح المونتاج والوقت بغرض الاستيلاء على تركيز المتفرج، وقد نجحت في ذلك فشدت انتباهه معظم لوقت وزودته بحقنة ترفيهية لافتة، ولكن على حساب بعض المبالغات التمثيلية وتطور الأحداث المزعج الملتوي المفاجىء، وبالمحصلة فقد قدمت لنا سردا استثنائيا صعبا وشيقا وقد استحوذت على انتباهنا وتركيز وعينا…ويبدو هذا المنعطف وكأنه نجح في البداية، لكنا فقدنا الترفيه مع المبالغة بتقديم الشخصية المركزية: ثم يعود الفيلم اخيرا للتركيز على ثيمة الحقد وتصفية الحسابات ومعاناة الام وحرصها على ابنتها…والتركيز على ذكريات الضياع في المرتفع الثلجي مع الابنة الصغيرة، فيقدم لنا لقطات مبتكرة ذات سمات سادية واجرامية شيقة منها الروليت الروسية في البداية، مع حركات غير مسبوقة لنيكول كيدمان بحيث نكاد لا نتعرف عليها: كما أن هناك أفكار مبتكرة شيقة سينمائيا  بطريقة اظهار عملية السطو المسلح وطريقة تلوين الرزم المالية وطريقة ملاحقة السارقة وعملية اخفاءها، وتبرع المخرجة بالخلط المقصود ما بين عمل المحققة الصعب وحياتها الشخصية المضطربة.

*البداية ترتبط بالنهاية الحزينة: 

حيث تحضر المحققة “ايرين بيل” لمسرح جريمة قتل “جون وو”، وتصرح فجاة للضباط المعنيين بأنها تعرف هوية القاتل، ثم نراها في اللقطات التالية في مخفر الشرطة تتلقى فاتورة بقيمة 100 دولار ملطخة بصبغة في مظروف غامض غير مقفل، فتستخدم اتصال من مكتب التحقيقات الفيدرالي لتؤكد أن الفاتورة قادمة من عملية سطو على بنك ارتكبته عصابة من كاليفورنيا قبل بضع سنوات من ضياعها وشريكها السابق كضباط مندسين متخفين/ وتبقى تعتقد أن ظهور الفاتورة الملوثة وجريمة قتل “جون دوو” هما اثباتان على ان زعيم عصابة سيلاس ما زال نشيطا وطليقا.

*ثم تجبر ايرين لاحقا على شق طريقها عبر باقي أعضاء العصابة بهدف ايجاد سيلاس، فتبدأ مع توبي المعتقل حاليا والمريض للغاية والذي يعيش آخر أيامه مع والدته، حيث انه كان عضو سابق في العصابة، ويحاول حاليا التكفير عن جرائمه السابقة من خلال تقديم خدمات قانونية جماعية للمهاجرين…ثم يبادر “أرترو” بتزويد ايرين بموقع ومكان “دي فرانكو” الذي يعمل كمحامي ومبيض لأموال السرقات والسطو المسلح، والذي يدل نشاطه الزائد حاليا على ان سيلاس ما زال نشيطا مرة اخرى لأن امول السطو نفذت، وبعد قيامها بتهديده، يمنحها “ديفرانكو” تفاصيل موقع السرقة القادم، حيث ستقوم صديقة سيلاس “بيترا” بتنفيذها، فتتبعها ايرين بحذر، وتتدخل بسياق عملية السرقة التي تقوم عصابة سيلاس بتنفيذها وتخطف بيترا بعملية جريئة خطيرة للغاية.

*وعبر مشاهد الفلاش باك وذكريات الماضي، يتبين ان ايرين وكريس زميلها الشرطي، قد طورا اثنا عملهما معا علاقة حب رومانسية، وذلك اثناء تغطيتهما الخفية لجرائم العصابة، وبدا وكأنها قد اصبحت في النهاية حاملا بطفل كريس، وقد قررا ان يصبحا مشاركين شرعيين بعملية سرقة البنك ويعتزمان اخذ  حصتهما من السرقة، وبغرض تضليل رؤساؤهم فهم يقدمان تقارير ملفقة تشير لفقدان الاتصال مع العصابة، ثم يستقيلان من العمل كمتخفين، ولكن عملية السطو الكبيرة هذه لم تكن متقنة تماما عندما انفجرت فجاة حزمة أصباغ من احدى الشنط التي تحوي الرزم المالية المسروقة، فبادر سيلاس بقتل صرافة البنك التي وضعتها بقصد، وعندما حاول كريس التدخل، اطلق عليه الرصاص وقتله أيضا…فاخفت ايرين نصيبها من السرقة وعادت ثانية للشرطة، ولم تكشف قط عن خطتها الأصلية ولا عن نصيبها من السطو المسلح! 

*أما حاليا في الوقت الحاضر، فنرى ايرين وهي تزور خفية وحدة التخزين الذاتي لاسترداد نصيبها من الأموال المسروقة، ولكنها وجدت ان معظمها ملوث بالصبغة، فتتلقى رسالة نصية من سيلاس يأمرها فيها لمقابلته في جسر الشارع السادس، فتحضر وتواجهه وتطلق عليه النار مرارا بلا تردد انتقاما لمقتل حبيبها كريس، ثم تعود في اليوم التالي لترى الشرطة وهي تحقق تائهة في مسرح الجريمة: هكذا تم توضيح مشاهد القتل التي ظهرت غامضة في الاستهلال، ومع مقتل سيلاس تقدم ايرين المتعبة اليائسة البائسة  أقصى مشاعر الشعور بالذنب وهي تستقل سيارتها، وتدور لوهلة ذكريات حياتها مع حبيبها ومع ابنتها المتمردة، فتقدم حينئذ على اعطاء شريكها المحقق المتعاطف “أنطونيو” تفاصيل حجز بيترا والفاتورة الملطخة ومفتاح وحدة التخزين، ويتبين لنا انها كانت تنزف بشدة من جروح عملية الخطف والمواجهات المسلحة، فنراها بحزن كاسح وهي تموت في سيارتها وقد استعرضت كافة تداعيات ماضيها المؤلم…

*رشحت نيكول كيدمان بهذا الأداء المذهل لأربعة جوائز نالت واحدة منها وهي جائزة جمعية نقاد نيفادا، كما فاز الفيلم بجائزة مهرجان نوار السينمائي، واستحقت كيدمان هذا التبجيل لبراعتها اللافتة بالتفوق على ذاتها، وأعتقد ان دورها المحوري الفريد في هذا الفيلم يعتبر نموذجا سينمائيا لأية ممثلة مبدعة لا تريد أن تنحصر أدوراها بكلشيه وقالب معين ممل ومستهلك، وخاصة لممثلات السينما العربية “العتيقات والجديدات”!

*C:\Users\user\Desktop\download.jpg  C:\Users\user\Desktop\images (3).jpg

م. مهند النابلسي كاتب وباحث وناقد سينمائي جرىء وموضوعي وهو "اردني من أصل فلسطيني" وعضو رابطة الكتاب الاردنيين والاتحاد العربي لكتاب الانترنت. عمان – الاردن Mmman98@hotmail.com

4 تعليقات

  1. إيناس ثابت

    الأستاذ الناقد السينمائي مهند النابلسي

    نقد الفيلم والإحاطة
    به من كل الجوانب لا يقل أهمية
    عن الفيلم نفسه…..

    شكرا…وباقة ورد لك ولمقالاتك الممتعة.

    الرد
  2. muhannad al nabulsi

    واجمل باقة ورد للمبدعة ايناس على تعليقاتها الجميلة المشجعة.

    الرد
  3. إبراهيم يوسف

    حتى أفلام العصابات الحافلة بالتّوتر، التي تحفِّز المشاهد على التّرقب والتشويق، لا ينبغي أن تخلو من اللمسات الإنسانية، عندما تكون السينما و الفنون الأخرى، وكافة المشاعر الإنسانية العميقة، غاية الدنيا وثمرتها النهائية.

    أما التّنوع البارع في شخصية الممثلة صاحبة الدور، وهي تعملُ في البداية متخفّية داخل العصابة، ثم كممثلة ذات وجه آخر يتميَّز ببقايا مشوهة من شخصية الماضي، فيعبر عن مدى إبداعها والدور الذي لعبته بكفاءة عالية.

    ويبقى الناقد المبدع مهند النابلسي، مغبونا لم يستوف حقه مني على الأقل، ولئن حاولتُ أن أجاريه في تناول دقائق السينما؟ سأهدر وقتا طويلا دون أن ألامس قدرته النادرة.

    ولعله لو تحول منذ البداية إلى التمثيل؟ لتجاوز ربما مارلون براندو، ونال علاوة أخرى من النجاح والعلاقات الإنسانية والواقعية الشعرية، وتناقضات الذات البشرية، التي لا زلنا نعيش هواجسها، بفعل الاختناق الطويل الذي عاشته أمتنا. هكذا تحلو لي رؤية الأمور. كن دوما بخير حبيب قلبي مهند.. فلا تغب أو تقسُ علينا طويلا.

    الرد
  4. مهند النابلسي

    ابراهيم يوسف والله اعجز حقا عن مجاراتك لغويا بقدراتك الفكرية والعاطفية وقد وصفتني بما لا أستحقه وأصبتني بدوار من النشوة الغير مسبوقة…وربما كنت محظوظا جدا بمعرفة شخصيتك الفذة القادرة على اكتشاف ما يعجز الجميع عن اكتشافه…فشكرا للرب على هذا التوافق الروحي الفريد وعلى منحة وجودك الابداعية المحفزة لنا جميعا بهذا الموقع التنويري الحر الذي لا مثيل له في عالمنا العربي… وطاب وجودكم في لبنان الحبيب على قلوبنا جميعا كواحة فواحة…

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.