القطرات الثقيلة

بواسطة | 21 سبتمبر 2017 | مقالات | 1 تعليق

احب جميع من يشبهون القطرات

الثقيلة التي تتساقط متوالية من الغيوم

السوداء، فهي تنبيء بالبرق ثم تتوارى 

ما أنا الا منبيء بالصاعقة أنا القطرة

الثقيلة الساقطة من السماء

نيتشيه

في حديث لشارلي شابلن عن مسز أنشتاين، أن زوجها قبل اكتشافه النسبية، نزل بثياب النوم لتناول الفطور، لكنه لم يلمسْ طعامه فخيّل لزوجته أن الرجل مريضٌ. سألته فقال: عزيزتي عندي فكرةٌ ترهقني، قالت قلها ولا تقلقني. قال انها صعبة. عزف قليلا، سجّل بعض الملاحظات، وانقطع أربعة عشر يوما يأكل ويعمل ويمشي وحيدا في الليل، ثم نزل من غرفته ذات صباح شاحبا، متعبا وضع أمام زوجته “فرخين” من الورق وقال: هذه هي الفكرة.

وفي حديث آخر، من قصة للكاتب الأوكراني قسطنطين باوستوفسكي، أن عجوزا مريضا أشرف على الموت ولا يحب القساوسة، أرسل ابنته الى الشارع لتطلب من أول رجل تصادفه، أن يأخذ بيعة أبيها الذي يصارع الموت في منزله، ولم يكن الغريب القس سوى موزارت. أعترف أمامه العجوزُ أنه فيما مضى سرق صحنا ذهبيا من مطبخ الكونتيسة، وباعه كِسرا ليعالج امرأته المصابة بالسل، قال موزارت بعد أن أخذ البيعة: أنت بريءٌ من الخطيئة ايها الخادم وما قمتَ به لا يعدّ سرقة “لدواعي السرقة دنوٌ ونزوح” وليس هذا من دناوتها بل يجوز القول أنك اجترحت قصة حب نادرة.

آمين قال العجوز. وردد موزارت من بعده آمين، هل لديك رغباتُ أخرى. قال المحتضر لا تغضب يا سيدي لديّ، لديّ رغبات مستحيلة، أريد أن أرى الشمس، والحديقة الصغيرة في ربيعها، كما أحب أن أرى زوجتي مارتا ـ التي غيّبها الموتُ ـ مرة ثانية.

اتجه موزارت نحو صندوق عتيق مرددا “حسناتٍ” كثيرةً فتدفّقت الموسيقى متسارعة، وغمرت الكوخَ كراتٌ بلورية تراقصت على الأرض. فأقعى الكلبُ محرّكا ذيل الرضا وتقلب العجوزُ على سرير الاعتراف. قال موزارت متابعا عزفه، ألا ترى؟ ألا ترى الطيورَ المهاجرة التي تعبر السماء؟ ألا ترى كيف ينسكب الضوءُ على التفاح والسوسن؟ ألا ترى كيف تسقط الأشعة الذهبية على حجر السياج فيتصاعد البخارُ ويجف الطحلب؟ حرّك العجوز شفتيه وقال: اني أرى افتحي النافذة يا ماريا. ودخل الغرفة هواءٌ بارد برودة القبر جعل الموسيقى خافتة، خافتة، فتلاشى العجوز بين وسائده وقال: رأيتها يا سيدي رأيت كلّ شيء بمنتهى الوضوح.

أن ترى بمنتهى الوضوح، يعني أنك على شُغل مع آلهات القدر الثلاث اللواتي يقدّرن الاعمار كلوتو التي تمسك بالمغزل، لاخسيس التي تسحب الخيط وأتروبوس التي تقطعه. وأن تأتي اللحظات التي تصبح فيها الأمور شديدة الوضوح، يعني أنك صرت بين الشفرتين، موضعٌ لن يتأخر فيه القطعُ أبدا، أنت في البرزخ الذي تراكم في أرجائه ذخائر الروح، كما يراكمها حجيج يعبرون بها الى جهة النقاء. جهة يستوطن فيها هدوء وضباب عذب تغرق فيهما الذات القديمة. فترى كل ما فاتك أن تراه. وحده الحب المتفلت من سيادة الموت يجري في العروق، موسيقى حالمةً يتصالح بحضرتها الخلافُ، وتتعاطف معها المتنافراتُ في وحدة ناعمة كالرذاذ. وتتشابك فيها الخطايا بمآثر الحب مثلما يختلط رذاذُ الماء بالقطرات الثقيلة التي تنبيء بالبرق ثم تتوارى. دوارٌ أصاب ذاكرة العجوز وردّها لأغنى مداركها، فتجلّت في دوارها رغباتٌ كانت محققة في رُبى الشباب، استدعاها للحضور رحيلٌ نهائي وبلّور متراقص حملا مارتا من عالمها السفلي حيث يغرقُ الغائبون، لتكسر جرّة الحليب كما كسرتها ارتباكا في صباها. مارتا واريديس ركبتا قطار العودة من جحيمهما بتذكرة موسيقية واحدة.

أي شاعر تراقيا، ايتها القيثارة الفاعلة في الغرائز والجماد والتي “أخذت فيما يجرفها التيار تصدر ما لا يعرف من الانغام الشاكية” الغريزة ايها الشاعر أعمق درجات التعاطف والنبوغ تتفهم روح الشيء وطبائعه جذابةٌ كجزالة اللفظ ساحرةٌ كالأنغام الشاكية. تقفز فوق حواجز اللغة وتشارك في وحدة الوجود بغير واسطة ولا أداة. الغريزة وجزالة اللفظ، الصفات الأنثوية والجنون، ومعايير أخرى ترافق الابداع على رأي الباحثين، بها وبغيرها اكتشفَ ذوو النبوغِ ـ قبل يقين المعرفة ـ  سرَّ العلاقات الباطنية لمظاهر الكون ليشكّلوا من بواطنه مشهدا فريدا يغمر كل التفاصيل ويتوسع كما تتوسع على السطح دوائر الماء لتشمل كامل الكون بعاقل كائناته وغيرعاقله. تلك لحظاتٌ يلمع  فيها الرجالُ ثم يغمرهم ـ على عادة  الشموس ـ رمادٌ فينطفئوا. كان موزارت وقبل أن يلعب دور القس يبجث في صقيع الليل عن “النوتات التي تتبادل الحب” ليشحذ بها ذهنا تتجمع فيه المعطيات التي تسبق ولادة البرق. كان قطرة ثقيلة ساقطة من السماء تشبه العقول الوازنة التي تنسق الأسباب بشكل مبتكر فتسطع فيها بروق خلاقة تتزاحم في ومضاتها آلافُ الصور السمعية، لتنجز مشروعا قيد السمْع وتودعَ مشروعا محتضرا عجوزا آزرته في غروبه الشمسُ وأزهار الحديقة وصور مارتا كما آزره بخارٌ وطحلب مزهو يتنفس تحت الثلج.

للموت والطحلب والشمس وأزهار الحديقة، معانٍ أعمقُ من معانيها، تلتصق بالجوهر ولا يدركها الا حدسٌ يعبر السطح الى ثراء الجوهر الباذخ. هناك تسكن أفكارٌ ثرية غيرُ مألوفة يرفعها للسطح رجال عشقوا الغوص، يمسكون بدلالات الفكرة الجديدة اما ارتجالا كسمفونية موزارت، أو بمِلزمين من الورق المسوّد يرميهما على المائدة صباحا، مرهقٌ استعاد توازنه وقال: هذه هي الفكرة، القطرةُ الثقيلة الساقطة من السماء.                                                                                  

مهندس وكاتب لبناني

1 تعليق

  1. إبراهيم يوسف

    المهندس والأخ الغالي عادل الحاج حسن

    أشهد لوجه الحق، أنني قرأت المقالة بشغف شديد، شعرت معها بالإبداع وسحر الصياغات؛ لكأنها ومضات متواصلة من البرق والفكر المضيء، وأكثر ما استرعى انتباهي الالتفاف المتقن على تظهير الصور البديعة، بالإضافة إلى العناية البالغة في اختيار مفردات دون سواها. أما إعلان براءة المحتضر العجوز على لسان موزارت القس، فقد حملتني من بعض الزوايا إلى قول أبي العتاهية:
    ” أيها القلب الجموح
    لدواعي الخير والشر
    دنوٌّ ونزوح
    هل لمطلوبٍ بذنبٍ
    توبةٌ منه نصوح؟”

    وتبقى الإشارة الأخيرة إلى هفوة بسيطة في “رضى”. لعل حكمها حكم شذا وشجا مما صَحَّحَه لي الأخ الأستاذ عادل بنفسه في رحيق الأمنيات:فأقعى الكلبُ محرّكا ذيل الرضى..؟
    “رِضا” تكتبُ بالألف الطّويلة، رَضِيَ يَرْضى رِضاً ورِضْواناً ؛ بالألف في المصدر لأنّ أصلَها واو (رضو) والدّليلُ على أنّ أصلها واو أننا نَقول في مصدرِها : رِضْوان بالواو.

    خالص مودتي وإعجابي وتقديري

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.