الفيلم الألماني السياسي: اسطورة ريتا

بواسطة | 5 فبراير 2020 | فنون و سينما | 5 تعليقات

The Legend of Rita (2000) Poster

هدوء ما بعد النهاية!

انها الأجواء الثورية الفوضوية لألمانيا الغربية بسبعينات القرن الماضي،  حيث تنضم ريتا فوغ (بيبيانا بيغلاو) للجيش الأحمر الألماني، لما كان يسمى في حينه “مجموعة بادر ماينهوف” التي تمثل الحركة اليسارية المسلحة. وتسعى بذلك لتحقيق العدالة حسب منظورها، وحتى تكون قريبة من حبيبها أندي(هارلد شروت)…ثم بعد سنوات، ترى ريتا ان الحركة باتت على عتبة التفكك والانهيار،  فتفر الى المانيا الشرقية (من خلال محطة القطارات الشهيرة “فريدريش شتراسة” ببرلين المقسمة)، حيث تتمكن من الحصول على هوية جديدة بمساعدة من عميل “الستازي” ايروين هال (مارتن واتكي)، وتلتحق بوظيفة في احد المعامل، وتسعى جاهدة للاندماج بالطبقة العاملة بألمانيا الاشتراكية لتحقيق انطباعها “الرومانسي” عن الحياة بالدولة الاشتراكية “الفقيرة نسبيا”، الا أنها تجد أن زميلتها وصديقتها  الجديدة بالمعمل تاتيانا (ناديا أول) تعمل بدورها على الهروب للغرب (لألمانيا الغربية)، لأنها تعتقد أنه أكثر رفاها وأحسن ظروفا ورغدا! وحين يعرض تلفزيون ألمانيا الغربية صورة لريتا، تبادر للفرار والهروب من جديد، وتتخذ هوية جديدة ، وتنتقل لمدينة جديدة في ألمانيا الشرقية حيث تقع في حب الطالب الجامعي بوشن (ألكسندر باير)، الذي يقنعها بالانتقال معه لموسكو…لكن الأحداث تتلاحق، فيسقط جداربرلين فجأة، وتنتهي ألمانيا الشرقية ككيان وكذلك هوية ريتا الجديدة!

الفيلم لا يحاول اظهار أن “ريتا” بريئة كما تبدو، فقد قتلت شرطيا أثناء هروبها كما انها كانت تحمل مسدسا بلا ذخيرة اثناء فرارها للقسم الشرقي من برلين، وعاشت فترة بلبنان، وعندما ألقت بعمال مصنع النسيج كلمة حماسية حول مثاليات الاشتراكية التي تكاد تفسد عند التطبيق والممارسة العملية، نظر اليها العمال وكأنها مجنونة!…الفيلم يتطرق لحالة “انهيار القناعات” السياسية في نهاية العقد الأخير للحرب الباردة التي دوخت العالم، وتكاد تعود الان الثانية بصورة أقسى وأشد ضراوة مع تداعيات الربيع العربي الخائب، وسيطرة الدواعش “الارهابيين” على أجزاء من العراق وسوريا، ومع تداعيات الأزمةالاوكرانية على الحدود الروسية…  

هذا الفيلم الألماني بامتياز مقتبس عن قصة حقيقية ، كتب قصته واخرجه المخرج الألماني الشهير “فولكر شوندورف”، هو سرد روائي ممتع وشيق ويتطرق بذكاء لحيوات وعذابات هؤلاء اللذين يسعون لتغيير هوياتهم من دون ان يهتموا بتغيير مبادئهم، كما يتطرق لسيكلوجية “اليساريين المزيفين” اللذين يغيرون انتمائهم السياسي حسب أهوائهم ومصالحهم. ويخوض “بعمق سينمائي” شيق للأوهام والقناعات والأهواء بدون ان يلجأ للفذلكة والتفسير والايحاء، وهذا يعطية نكهة “واقعية” وصبغة “فنية” نادرا ما نجدها في الأفلام السياسية، التي تلجأ أحيانا للمباشرة والوعظ والخطابة، وان كان يحاول التأكيد على واقع اضطهاد كلا النظامين “الغربي والاشتراكي” لحقوق الانسان عموما ومحاولة شيطنة “الطرف الاخر”، كما أنه لا يتردد باظهار أنماط “رمادية ومملة وخشبية” بائسة لواقع الحياة بألمانيا الشرقية، التي انهارت أخيرا بتأثير “الغزو الفكري والبروباغندا الغربية” الساحقة مع الانهيار المتتابع للاتحاد السوفيتي ولدول المجموعة الاشتراكية بتسعينات القرن الفائت، وحتى نكون منصفين فقد تم ذلك داخليا  بتأثير عناصر: المركزية والبيروقراطية والفساد و”تحكم ودكتاتورية” الحزب الواحد وانعدام فرص الحياة الرغيدة والرفاهية (مقارنة ببرلين الغربية على سبيل المثال)، كما أن برامج أمريكا المكلفة المتمثلة بمشروع “حرب النجوم” وحتى مشاريع الناسا الطموحة لغزو الفضاء، بالاضافة لخبث ريغان “اليميني-الداهية”، كلها ساهمت مع تداعيات غزو أفغانستان والدعم الخليجي المتدفق للجهاديين العرب (وبمقدمتهم بن لادن)، ناهيك ربما عن التآمر الداخلي وتواطؤ “غورباتشوف” الخفي بمشروع “البروستريكا”، كلها ربما قد ساهمت بانهيار “دراماتيكي” متلاحق للاتحادالسوفيتي والمجموعة الاشتراكية، ونأمل ان يتحفنا مخرج عبقري بقادم الأيام بتحفة سينمائية توضح كل هذه الملابسات قبل فوات الآوان!   

The Legend Of Rita Movie Poster
كاتب وباحث وناقد سينمائي جرىء وموضوعي وهو "اردني من أصل فلسطيني" وعضو رابطة الكتاب الاردنيين والاتحاد العربي لكتاب الانترنت. عمان – الاردن Mmman98@hotmail.com

5 تعليقات

  1. إيناس ثابت

    الأستاذ مهند
    الناقد السينمائي الوحيد في السنابل
    يتذوق الأفلام
    ويتأمل أدق تفاصيلها
    بعمق وعناية..

    شكرا لك وننتظر قادمك بشوق.

    الرد
  2. مهند النابلسي

    شكرا لايناس المبدعة المتألقة “جبارة الخواطر” الحساسة المشجعة!

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      مهند النابلسي

      ولا عَيبَ فيهِمْ غيرَ أنّ سُيُوفَهُمْ
      بهنّ فلولٌ …منْ قراعِ الكتائبِ
      تورثنَ منْ أزمانِ.. يومِ حليمة
      إلى اليومِ قد جربنَ كلَّ التجاربِ

      هذا ما يقوله النابغة الذبياني

      أما حال ريتا وتاتيانا كحال من يعتنق الاشتراكية من الفقراء، تحقيقا للعدالة المنشودة والمساواة، وحينما تتحسن أحواله يجحدها ويكفر بها ويهرب إلى رأس المال، وهناك أمثلة حسية، ممن كانوا في اليسار وكانوا يقطنون معنا أحياء الضاحية مع الغلابى الفقراء، وكان منهم من يرتدي عباءة ماركس طيلة الوقت. وعندما تحسنت أحوالهم ابتعدوا عن أزقة الضاحية وعن طانيوس شاهين ومعروف سعد، وكمال جنبلاط، للنضال من السكن في المناطق “الراقية” كالحمرا وراس بيروت وذوق مصبح وجونية والروشة..الروشة التي زرتَها يوما بنفسك.

      تمهل خيِّ مهند.. وتنفس بعمق ولو قليلا؟ إنها حال الدنيا فإياك أن تراهن أوتعوِّل وتبني كثيرا على المبادىْ. هذا أخونا وليد جنبلاط الاشتراكي المناضل؟ متهم بتهريب الأموال، وهو طيلة عمره يتحرك بمفاصل رأس المال.

      لكنه لبس عباءة أبيه المناضل التي تفيض عن حجمه، وتحولت الإشتراكية إلى ميليشيا حملت السلاح وشاركت في الحرب الأهلية. وقصر المختارة والعباءة بانتظار تيمور الحفيد أطال الله بعمر وليد بك.. وللحق فالمليشيات لم تكن حكرا على أحد ممن يحكموننا اليوم. على الله تيمور بك يطلع لجدو؟ فلننتظر ونَرَ ما تخبئه لنا الأيام؟ ولئن لم تصدق؟ فسل عما تعرض له ابن العائلة الفقيرة سامي كليب، الذي استكثروا عليه عصاميته وقد بنى نفسه بنفسه.

      لكنني أشهد لصالح غازي العريضي بالحق- وهو من الحزب التقدمي الاشتراكي – موضوعيته وهدوءه وترفعه وتهذيبه وبراعته بالرد على الآخرين دون تشنج ولا انفعال. ولا بأس أن تتعلم وأتعلم من غازي العريضي ومن سامي كليب، كيف ينبغي أن يكون الخطاب في القول والرد.

      والمحرومون بعد الإمام المغيّب، لا يشكون من الثياب البالية وسوء التغذية أو الهزال. رأيت أحدهم على الشاشة؟ إسم الله عليه من شدة الحرمان صار بحجم الفيل. ومن مآثرهم صار الذئب يحمي الحمل. ولو شئتَ لعددتُ لك مآثر الجميع، ومنهم من ورثوا الطائرات من مصانع آبائهم، يستخدمونها في رحلاتهم للترويج والحنين إلى الأوطان، ودعوة المهاجرين للعودة إلى ربوعنا، ليشاركوا في الفساد أو تضيع أموالهم في لبنان.

      ولأنك من فلسطين فلست ملزما بالرد، يكفيكم “اليهود” وترامب ومن يتآمرون عليكم ويناصبونكم العداء. أنت خي مهند ولو أنك تقتر في كلامك مع الجميع؟ إلاّ أنك تستحق الاهتمام وخطابا يفش خلقك أكثر. لكن التجذيف في الخطاب لا يليق بك، وليس ما أقوله لك إلاّ من موقع المودة والحرص عليك. أنا أحبك حقا .. مودتي كن دوما بخير

      الرد
  3. مهند النابلسي

    استاذي ابراهيم تعليقكم يضيف قيمة كبيرة لمقالاتي ويفتح آفاق الجدل والنقاش بطريقة بانورامية فريدة تفاعلية وهذه ميزة خاصة بكم وتؤشر لموهبة عبقرية كبيرة غير مستفاد منها كما يجب…فهنيئا لهذا الموقع بوجودكم وقد خسركم بالتاكيد موقع عود الند اللندني الذي أصبح كالواحة المهجورة بعد أن تركتوه غير نادمين…دام قلمكم يشع ابداعا وتفاعلا!

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      تسلم يا رب.. خيَّ وحبيب قلبي مهند
      أنت القيمة والقُدْرَة وابن الحلال.. كما
      يشهد معظم من أعرفهم في المحيط
      وفي طليعتهم الأخ… الدكتور شوقي

      دعنا من الآخرين فالقاعدة الشرعية:
      إمساك بمعروف.. أو تسريح بإحسان

      الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.