الرقص على خريف الزمن

بواسطة | 19 أكتوبر 2019 | قصص قصيرة | 8 تعليقات

الرقص على خريف الزمن

كل شيء.. كما تركناه

إيناس ثابت – اليمن

C:\Users\ibrah\Desktop\download (1).jpg

كم مضى من عمر الزَّمن؟ ساعة، ساعتان، ثلاث ساعات، أو ربما أكثر!؟ أخيرا غادرتُ فراشي واهنة القوى فاترة الحواس أمشي بعجز شديد. نزلت إلى الطابق السفلي، كل شيء كما تركناه، الأطباق المبعثرة على المائدة، الملاعق، السكاكين، الأكواب، الشمعدان المطفأ، ومحارم الورق مزينة الحواشي.

 مشيت عبر الممر الضيق إلى فناء المنزل. كان أديم السماء صافيا والجو هادئا مريبا، والأرض في سكون عميق.. إلا من صوت غراب ينعق في الجوار، فينهش قلبي ويثير في كياني التشاؤم والقلق.

جلست على كرسي أنتظر عودته، حينما دبَّ خلاف بيننا بالأمس غادر على إثره المنزل ولم يعد بعد. مرَّ الوقت بطيئا قاسيا. نكست رأسي وتذكرت ابتسامة وجهه المشرق وملامحه الهادئة وشعرت بهزيمتي؛ فاتخذت قرارا بفض الخلاف والمبادرة إلى الصلح بيننا، وقررت استقباله ببشاشة وذراعين مفتوحتين. ولا بأس أن أبكي طويلا على صدره، أغسل بدمعي ما علق في روحي من ألم الشوق بين يديه. 

مازال الوقت يمضي بطيئا، وتأبى الساعة أن تحرك عقاربها بسرعة أكبر، لتحرِّرني من عذابي وكآبتي. قاربت الشمس على المغيب ولم يعد! انتابتني الهواجس وراودتني الأسئلة من جديد. ترى أين يكون وإلى أي مكان غادر؟ ربما لجأ إلى زميلته في العمل؟ تلك الأنثى اللعوب، التي كانت تحبه وتلاحقه وتتحين الفرص للإيقاع به واقتناصه مني! للحق هي أجمل مني وأرشق. لكنه فضلني عليها؛ وأحبني. 

عدت إلى الداخل وجلست في زاوية الهناء والنور، على المقعد المشترك قريبة من أصيص البنفسج. تناولت الهاتف وطلبته كمن يطلق النداء الأخير. تواصل الرنين الأخرس ولم يُجِبْ. كررت المحاولة مرة إثر مرة بلا جدوى. إذاً لا مفرّ من مرارة الاتصال بالأفعى امرأة الغواية النكرة. لكنّها ما إن سمعتني حتى أغلقتِ الهاتف وانقطع النداء. يا لتلك الماكرة اللئيمة! لا حيلة أمامي إلاّ صبر أيوب وعذاب الانتظار.

أوجعتني قسوة المرفقين من حديد النافذة ووقت لم أحتسبه. لكنه يمضي مملا بطيئا قاتلا يجر ذيله وراءه ويعذبني، وصوت ساعة الحائط كالمعول تحفر دقاتها ورتابتها في قلبي وأذني. ارتفع منسوب القلق في قلبي وارتعشت يداي الباردتان الهزيلتان. قمت إلى دولابي فبدلت ثيابي وتوجهت الى منزل أهله في الجوار. بيد مرتعشة قرعت الباب بلهفة المقهور، والدمع يترقرق في عيني ويسيل على خدي.

 أطل أبوه من خلف الباب ونظر نحوي بفيض من الشفقة والحنان. بادرته بالقول بصوت متهدج وكلمات متقطعة تكاد لا تسمع:  انتظرته طويلا لكنه لم يعد وهاتفه مشغول لا يجيب. شدَّني إليه وضمني بحنان بين ذراعيه حتى هدأت قليلا، ثم أدخلني إلى المنزل وجلس بجانبي، وحضن كفي بين يديه حتى استسلمت لحنانه وأنست إليه. وخاطبت نفسي: إن كان والده هادئا هكذا فهذا يعني أنه لا زال بخير.

خيم علينا الصمت لبعض الوقت حتى بادرته بالسؤال: أتعلم أين يكون يا عمي؟ قال: مرَّ شهران على موته ولازلتِ تأتين كل يوم في هذه الساعة تفتشين عنه..! بانت على ملامحي علامات الدهشة وقلت باستنكار: لم آتِ إلى هنا إلاّ هذه الليلة فأنا لم أزركَ من مدة طويلة يا عمي. كنتُ معه بالأمس فسهرنا وضحكنا و.. أكملتُ بصوت متردد خجول ورقصنا أيضا، ولولا خلافنا في ساعات الليل الأخيرة..!؟ نظر نحوي بعينين حزينتين وقال بإشفاق: يجب أن تقتنعي لقد مات وانتهى الأمر ألم تتقبلي الحقيقة بعد..؟ 

تملكني الهلع واستبد بقلبي الوجع وصرخت بذعر كالمحمومة: لا..لا.. لقد كان معي البارحة، لولا خلافنا لكان اللحظة معي هنا؟ تَبّا لخصامنا وتبّا لي من مغفلة منكودة. ثم غبت في موجة من البكاء المرير. 

رافقني أبوه فأمسكني من يدي وعاد بي إلى منزلي، وصعد بي إلى منامتي على الدرج  في الطابق العلوي. ثم حضَّر لي أغطية السرير والوسادة، وأشعل مصباح النور الخفيف، وناولني حبة من دواء مهدىء، وجلس بجانبي يلاطف وجهي وشعري.. ويحدثني حتى اختفيت وغاب كلي عن الدنيا. 

صحوت في اليوم التالي لا أدري كم كانت الساعة؟ لكنني نزلت إلى الطابق السفلي؟ كل شيء كما تركناه بالأمس.. الأطباق المبعثرة على المائدة ، الملاعق، السكاكين، الأكواب، الشمعدان المطفأ، ومحارم الورق مزينة الحواشي. اتجهت من جديد إلى الفناء مفتوحة الذراعين أبتسم.. وأنتظرعودته على الباب. 

إيناس ثابت - اليمن

8 تعليقات

  1. ماريا

    قرأت النص بعين مفتوحة على وسعها
    لكنني لم أتوصل إلى ما يقنعني
    ماذا تريدين قوله يا صديقتي؟

    الرد
  2. إبراهيم يوسف

    منزلتك عالية في وجداني وفكري. وصداقتك عملة نادرة وقيمة غالية في حسابي. فإيناس الشابة التي تخطت عمرها بسرعة مذهلة..؟ لم يخطر ببالي قط أن أشعر بالحسد منها ومن: “كل شيء.. كما تركناه”..! الذي كان ينبغي أن يقتصر عليه العنوان.

    ليبقى من النصوص المميزة الرائعة بحق التي أحسنتِ كتابتها. هذا الفكر الرصين بكل ما يعني، لا يمكن لشابة بعمرك أن تجاريك وتكتب بهذه الكفاءة، في المقاربة الصادقة عن قسوة الانتظار .. والحنين.

    ولأنك مميزة عندي دون الجميع..؟ سيؤلمني أن تشعري بالتِّيه..! أمّا رجائي بألاَّ تردِّي على أسئلة يطرحها عليك الآخرون..؟ لكي لا تفسِّري النص لأحد من السائلين، بل اتركيه مفتوحا على احتمالات يفسرها كل كما يريد.

    الرد
    • إيناس ثابت

      تعليقك نال من مشاعري وتولاني الأرق
      فلم أنم ليلتي من فرحتي وشدة اعتزازي
      بأستاذي وصديقي

      أكرمتني.. أكرمك ربي
      حينما أمسكتني من يدي وعلمتني
      كيف أكتب وأعبِّر عن مشاعري

      أنا مربكة حقا أشعر أن لساني لا يطاوعني
      أمام شهادتك وسخائك معي
      شكرا لك ألف مرة من عمق قلبي.

      الرد
  3. مهند النابلسي

    ايناس المبدعة اليمنية الجريئة تستحق جائزة نوبل باقتدار اكثر من المدعية الجوفاء كرمال!

    الرد
    • إيناس ثابت

      بل خجولة للغاية
      ولم أفعل في حياتي المتواضعة
      ما أستحق عليه أية جائزة

      أسعدني مرورك أستاذ مهند
      شكرا لحسن نواياك ولتواجدك الرائع.

      الرد
  4. د. أحمد شبيب الحاج دياب

    أرانا، نحن بنات وأبناء آدم،
    قد حَكَمَنَا الوُجًود بولادةِ لا خيار لنا بها،
    ثم جرت بنا سفن الزمن في محيطٍ واسع لا ضفاف له،
    أخبرنا عنه الشاعر الفرنسي لامارتين.
    أمّا الموت فحكمٌ مبرمُ لا علم لنا بميعاده ولا قدرة لنا على استبعاده.
    ولو أردنا أن نعطي للحياة تأويلاً هندسياً
    لوجدنا “سفن الأيام” تمخر بنا بحر الوجود في مسارٍ لولبيٍّ متصاعدٍ الى حيث لا ندري.
    أمّا في “الرقص على خريف الزمن”: فقد أُسْقٍطَ مسار زمن السيدة -التي ذهب زوجها ولم يعد- كدائرةٍ على مسطّحٍ أزليّ، يشكّل جهنّم هذه الزوجة المعذّبة.

    الرد
    • إيناس ثابت

      د. أحمد دياب

      عند قراءتي تعقيبك البديع
      رحت أعاود التفكير في لغز الولادة والموت
      اللغز الذي أضيع في متاهاته ولا يصل بي
      إلى جواب قاطع مقنع
      ووجدتني أتذكر مقولة عن الولادة والموت الفيزيائي تقول:
      البداية مخيفة والنهاية حزينة ومابينهما الأهم

      وبالنظر إلى ثنائية الولادة والموت من زاوية أخرى
      وجدت وكأننا نموت مرارا ونولد من جديد
      كلما عشنا اللحظة “هنا والآن”
      وكأنهاالخلود الأبدي
      وحضرناها بكل حواسنا وبوعينا الكامل
      دون السفر إلى الماضي أو المستقبل

      لتبقى وراء كل فلسفة عن الموت والولادة
      إشارة إلى الحب…وأنتم ممن أحب بلا قيد وشرط

      الرد
  5. د. أحمد شبيب الحاج دياب

    نجمة صبح السنابل
    الكاتبة الأدبية إيناس ثابت
    ألف تحيةٍ لكِ على روعة “الرقص على خريف الزمن”
    ولو كنت أحسن الإخراج لرأيتِها مشاهد من الرقص الحزين والغناء الأسطوري.
    مع الشكر والمودة
    أحمد شبيب دياب

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.