التواجد هناك

بواسطة | 25 يناير 2018 | فنون و سينما | 2 تعليقات

دراما كوميدية حافلة بالمضامين!

(“عندما لا امثل اصبح لا شيء!” بيتر سيلرز)

يعيش شانس (بيتر سيلرز) بالبيت الريفي لرجل عجوز ثري ومريض بجوار واشنطن، انه بسيط العقل والتفكير وقد عاش حياته كلها بهذا المنزل، حيث كان يعمل كحدائقي مطيع ومخلص، وتنحصر كل معرفته بالحياة بما يشاهده يوميا على جهاز التلفزة، حيث يقوم احيانا بتقليد الحركات فيزيائيا! وعندما يموت مستخدمه يجبرشانس على مغادرة المنزل واكتشاف العالم الخارجي من قبل الورثة. وبينما كان يتجول تائها بلا هدف مرتديا ملابس قديمة باهظة، يمر بالصدفة على محل بيع اجهزة التلفزة ويشاهد نفسه عبر كاميرا المحل ثم يتراجع عندئذ مذعورا حيث تصدمه حينئذ سيارة فارهة يملكها رجل اعمال ثري اسمه راند(الممثل ميلفين دوغلاس)، وتبادر زوجته الجميلة ايف التي تجلس بالمقعد الخلفي (شيرلي ماكلبن) لتوصيله  لمنزلها لمعالجة الرضوض البسيطة التي اصابته وللتعافي…حيث يقوم بشرب الكحول بالسيارة الباذخة لأول مرة بحياته، وتتوقع ايف من هدؤ تصرفاته وملابسه انه “رجل اعمال” من الطبقة العليا عندما تفهم اسمه بالخطأ…كذلك فهي تفسر أقاويله حول الحدائق والطقس وكانها حكم مجازية بليغة، ولا تفهم أنها تعكس واقع عمله اليومي المتواضع!

هكذا يحوز بفضل صمته الغامض وأقواله المكررة على ثقة رئيس الدولة (جاك واردن) وتتحول مقولاته لحكم حياتية واقتصادية وسياسية …ويتقدم “شانس جاردنز” الذي يصبح اسمه الرسمي ويصبح من مشاهير الاعلام والميديا والتلفزة، وتتم استضافته ببرامج الحواريات الاستعراضية المتلفزة ويقفز بسرعة لواجهة مجتمع واشنطن المنافق! ولكنه يبقى شخصية غامضة حيث لم تفلح اجهزة البوليس السرية (أف بي آي) بالاطلاع على ملفاته وتاريخه الحقيقي، كما ينال بسرعة  اعجاب الرأي العام بارائه البسيطة المجازية المعبرة…

ثم تحاول شيرلي ماكلي اغرائه جنسيا ولكنها لا تفلح لأنه يبدوكالطفل الذي يقلد الأوضاع التي يشاهدها على جهاز التلفزة! وقبل ان يموت راند بالأنيميا الحادة ينصح زوجته ايف بالبقاء قرب “شانس” والحفاظ عليه بالمنزل، وبجنازته الفخمة المهيبة وبينما كان  الرئيس يلقي كلمة عزاء ووداع، كانت الاشاعات تدور  بين الحضور حول فرصة نجاح شانس بأن يصبح خلفا للرئيس الأمريكي!

ونرى بالمشاهد الأخيرة شانس وهو يتجول بمهابة بأرجاء وممتلكات راند وحدائقه متمكنا  من السير فوق البحيرة ماشيا وكأنه يحقق معجزة عصية على التفسير لابهار الحضور، وتبدو هذه اللقطات بالغة الدلالة وغامضة وكأنها تفسر معجزة وصول شانس لقمة الهرم السياسي والاجتماعي بتلقائيته وسذاجته  “وكاريزميته” الغريبة!

وربما تركت هذه المشاهد السينمائية الأخيرة بلا تفسيربقصد لكي تحرك مخيلة المشاهد وتصيبه بالذهول والدهشة!

صنفت هذه التحفة السينمائية كواحد من أحسن مئة فيلم امريكي ، ورشح سيلرز لجوائز الكرة الذهبية والاوسكار ولكن “داستن هوفمان” سرق الاوسكار منه بفيلمه اللافت “كرامرضد كرامر”.

أبدع “سيلرز وأشبي” مع باقي فريق التمثيل واخرجوا عملا سينمائيا خالدا لا يفقد بريقه مع مضي عشرات السنين!

كاتب وباحث وناقد سينمائي جرىء وموضوعي وهو "اردني من أصل فلسطيني" وعضو رابطة الكتاب الاردنيين والاتحاد العربي لكتاب الانترنت. عمان – الاردن Mmman98@hotmail.com

2 تعليقان

  1. إبراهيم يوسف

    .

    الصديق الكريم مهند

    هذا النص في اعتقادي (من) الأفضل مما كتبته في السينما. لاحت لي من بعض الزوايا سذاجة سانشو بانشا في رواية دون كي شوت. يعطيك ألف عافية يا رب.

    الرد
  2. إبراهيم يوسف

    هذه رسالة من الأخ الصديق…. مهند النابلسي
    ويأتي الرد عليها في الفقرة الأخيرة من الرسالة

    عظيم الشكر وفائق الامتنان للصديق الأستاذ ابراهيم على التعليق الموجز الرائع والمتابعة اللافتة، وأنا اتابع باهتمام مقالاتك الرائعة التي تندمج فيها اللغة الأدبية الراقية، مع الخبرة الشخصية وواقع الحياة السياسية، بالإضافة إلى لمحات من التاريخ والعلوم والرحلات أيضا، بأسلوب مميز وغير مسبوق في كتابة هذا النوع من المقالات، ليبقى معظم ما تكتب وتنشر لافتا ممتعا، وصادما إيجابيا أحيانا كثيرة، وجديرا بالقراءة المتأنية والتأمل الرصين.

    كنت قد خصصتك ببعض التعليقات، ولكن لأسباب تقنية بفعل تعقيدات المواقع الإلكترونية، ربما للأسف لم تظهر التعليقات… أشكركم بحرارة لتعليقكم الرائع ولكونكم قمتم بارشادي إلى هذا الموقع التفاعلي الرائع “السنابل”…راجيا ان تكونوا بخير وسعادة أنتم وعائلتكم المكرمة مع اطلالة العام الجديد…الصديق الأبدي….مهند النابلسي.

    أخي مهند

    أنت الرائع اللماح ومن أكرم الأصدقاء وأكثرهم اطلاعا وتجردا وصفاء، وأنت من أصحاب الفضل على الجميع يا مهند.. ومن يقل خلاف ذلك..؟ لهو من المفترين الظالمين. بالأصالة عن نفسي والنيابة عن أسرة التحرير، أهلا بك مقيما مُكَرَّماً في قلوبنا وعلى صفحات السنابل.

    السنابل حقل يرتوى من النابيع العذبة ويفيض بمواسم الخير والمعرفة، ويستفيد من غلته الزوار والمشاركين في التحرير. حبيب قلبي مهند؛ كن دوما بخير، وكن نافذة شرقية مطلة على الشمس ونور الأعمال المميزة التي تتحفنا بها من حين إلى حين. ” نبني فتهدمها الرياح فلا نضج ولا نثور”…؟ قل كلمتك يا مهند وامش دائما نحو للأمام.

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.