إذا كنّا من تراب..؟

بواسطة | 8 نوفمبر 2019 | مقالات | 11 تعليقات

ليس كل يوم يزهر النبات.. الجوري لا يفوح نسرينه إلاّ سويعات قلائل.. شذى القرنفل لا يدوم! وومضة البرق لا تستغرق إلاّ لحظة واحدة ولكنها تضيء وجه الأرض ما لا تضيئه آلاف المصابيح! 

الأزهار تعيش في فصل الربيع، لا تأبه للصيف القريب ولا تحمل هم الخريف ولا برد الشتاء! الطبيعة البكر لا تطلب رسوم إقامة ولا بطاقة هوية أو تأشيرة دخول! كلنا ولدنا من التراب وإليّها نعود.. ولكن لماذا لم يزهر الورد فينا! لماذا لم ينبت الورد منّا..؟ هل تحوّلنا لصحراء قاحلة! هل جفّت ينابيعنا ونخر السوس بذارنا؟ من أغلق معابر النور في قلوبنا وأطفأ الومضات المشرقة في نفوسنا؟ من سحق أزهارنا الندية قبل أن تعانق الشمس وتأتى بطيب الثمار.. لماذا لم يزهر الورد فينا!؟

قالت الفتاة مشطي لي شعري!
ضفّري جدائلي بأنامل الثقة والأمان..
الثقة تجعل العصفور صقّرًا والوردة حديقة!
أمي: خضّبي يداي بالمحبة والعطاء..
العطاء يجعل يداي غيمة  وجبيني مطرًا!
قلبي جذّوة مضطرمة يا أمي..
لا تضعيه في قارورة ماء مليئة بالثلوج!
لا تقتلعي أحّلامي بمنجل الجهالة..
و تسلبيني الإحساس بالجمال
سئمت اسطوانة جدتي اليّومية؛ البنت لوح من زجاج..!
سئمت تفاصيل داحس والغبّراء وخطبة الحجاج
فراشة المرج أنا أُمي.. أنا زهرة الأُقحوان
إذا مسّني شرٌ..؟ أغدو فارسة الميدان..
كفاك أُمي ثرثرة على الواتس أب وتقمص دور الضحية!
تعالي نؤلف قصيدة عنّوانها؛ السعادة تعني قناعة لا ورقة نقدية!

قال الصبي: تعال أبي.. تعال
نشمّ رائحة الأرض بعد المطر الأول!
نزرع حوض نعناع.. نصنع طائرة ورقية..
نسافر على تلال الموج.. نحلّق في سديم الأبدية..
أنصت.. أصغ معي لتنهيدات الجبال ونآمات الأودية
وعصافير شرّفتنا.. تزغرد لجارتنا سُميّة
فلماذا لا تلقي التحية على جارنا الجديد..
وأنت الذي تقول دائما: السُنّبلة الفارغة تتطاول
والمليئة تنحني..
لماذا لا تزرع فيّ ثقافة التسامح
تكون جواز سفري في كل مكان وزمان!
أقفل جوالك قليلا.. أقفله!
سئمت هذه الصور المرّعبة..
سئمّت بتر الأعضاء وبقر البطون..!
سئمت غباء جيري وساديّة توم
سئمت ألعاب البابجي والمتاجرة بمشاعر الإنسان
أنا مجرّد صبيّ.. لست بالرجل الخارق ولا سوبر ما ن!

الأرض خصّبة  السهول مترامية، الطبيعة غنّاء.. أُنظروا حوّلكم! ما زال العالم يحتفظ بجماله! ربما لا نستطيع أن نُغيّر مجرى النهر أو نتدخل في عملية التمثيل الضوئي، ولكن ما زلنا نملك الغمام.. فلماذا لا يزهر الورد فينا..؟ لماذا لا ينبت الورد منا..!؟ صحيح كلنا نمشي على حبل دقيق  ونعاني من ضغوطات نفسية واقتصادية واجتماعية؛ وشحن أيديولوجي غبيّ ولكن مما ذنب أولادنا، رأس مالنا في هذه الحياة القصيرة..

بالطبع لا نستطيع أن نقدّم لهم مباهج الحياة وأطايبها على طبق من ذهب..
ولا نُريدهم أن يكونوا نُسخةً عن “أرنون أو باريي” ولكن نسّتطيع أن نذوّت فيهم ثقافة التسامح وقبول الأخر، ونُعلّمهم أن ثقافة الحوار الأدبي والحضاري هي سلاحهم وزادهم الذي سيمنحهم القدرة على التحليق بدون سماء والإبحار بدون ماء!
 تعالوا إخّوتي نوطّد علاقاتنا معهم  ونحتويهم، ونسكب في آذانهم كلمات الثناء الجميل عنّدما يقدّمون عملاً مُشرّفاً وننّشر فضلهم ليعتادوا على الأريحية والعطاء!

تعالوا نعلّمبناتنا المُراهقات قيمة الوقت ونحتضن تقلُبات مزاجهن بدل أن نبتاع لهنّ هواتف جوّالة تشّغلهن عن كل من حوّلهن وتعزلهن عن حياتهن الأُسَرية.. وتقتل فيهن روح العطاء والإبداع!

تعالوا إخوتي نُسمّد تربة أولادنا بالأخلاق الراقية والأفكار السامية؛ نرويها بعطر الإنسانية ونسكب عليها نور المعرفة، لتشرق في نفوسهم وعقولهم..  ونلوّن حياتهم باخضرار الصفصاف وألوان الطيّف ونُشجعهم على الإبداع والمُطالعة ونطّلعهم على الأدب العالميّ لتلمس روحهم آلام الإنسانية الكُبرى وآمالها الكبرى ولكي يتذوّقوا مناعمها في سلّمها ومآسيها في حروباتها ويدركوا نعمة السلام ولعنة الخصام!

تعالوا نأخذ بيدهم إلى حيث الِرفّعة والسمو فإذا سقطوا مرة فلا بأس، باب المُحاولة دائما مفتوح.. حينها ستخصب حقول الخير والمُبادرة في عقولهم وقلوبهم وتُزهر في كل مكان وتثمر نفوسهم بطيب الثمار! حينها سترتفع زهرة روحهم تُعانق السّماء وتُزهر خيوطا ذهبية.. وسنجني إبداعا وفخرا وأزهارا.. وحينها لابُد أن يزهر الورد فينا.. لا بُد أن ينبُت الورد منّا..

شهربان معدّي كاتبة من الجليل.

11 تعليق

  1. د. أحمد شبيب الحاج دياب

    يسرّني أن أكون أوّل المعقّبين
    وأنا آخر العارفين بخبايا مدينة الأدب وما فيها من مواقع حين يزورها المرء تنسيه موعد الرجوع إلى بيته. هذا ما يحدث لي كلّ مرّة حين أقرأ لشهربان معدي.
    ضفّري جدائلي بأنامل الثقة والأمان..
    أين نجد مثل هذا الهدوء وهذه االسكينة التي تطال أطراف الحياة وشغاف القلوب
    ألف شكر وتحية لكاتبة الجليل الراقية

    الرد
  2. شهربان معدي

    “أمي: خضّبي يداي بالمحبة والعطاء..
    العطاء يجعل يداي غيمة وجبيني مطرًا!”

    “يَدَيّ” بدل يداي
    أسفه على الخطأ العفوي..
    وشكرًا لسعة صدركم أعزّائي القرّاء.

    الرد
  3. شهربان معدي

    تحية منن القلب أستاذي الكريم؛
    أحمد شبيب الحاج ذياب.
    حضورك البهيّ زاد نصي المتواضع بهاءً وقيمة.
    ألف باقة جوري وألف حبة زيتون
    أرسلها لحضرتك من الجليل الأخضر.
    ونحن في موسم الزيتون المبارك.

    وكم تحتاج الفتاة الشرقية للثقة والأمان
    لتنطلق في هذه الحياة القاسية..
    وتلحق بمركب الحضارات.
    أتمنى أن أبقى عند حسن ظنك
    دكتورنا الراقي.
    دمتم ولبنان الأخضر بألف خير.

    الرد
  4. إيناس ثابت

    الصديقة العزيزة والمحبوبة شهربان

    لا ينبت الورد في طين ممزوجة بنار الجهل
    والكبر والظلمة والعنصرية
    يزهر الورد في التربة النقية..

    من يزرع..؟ يحصد
    وردا أو شوكا
    فكل نفس بما كسبت رهينة.

    الرد
  5. شهربان معدي

    كل الحروف والكلمات..
    تزهر بين يديك..
    صديقتي الراقية؛ إيناس ثابت
    وفعلاً يا صديقتي.
    “كل نفس بما كسبت رهينة..
    ومن يزرع الشوك والزوان..؟
    لا يتوقع أن يحصد طيب الثمار..
    ولكن روحك الغالية..
    وحضورك البهيُ..
    نثروا ألف وردة
    وألف ريحانة..
    في موقع السنابل الثريُ..
    شكرُا لك حارسة الحقل.

    الرد
  6. إبراهيم يوسف

    الأستاذة والصديقة الكريمة شهربان معدي

    واذكروا محاسن موتاكم..؟

    أبو ملحم.. أو أديب حداد هو حقا غريمي؟
    حينما كاد يفسد علاقتي المتينة بشهربان
    التي وإن أسعدها الإطراء كثيرا..؟
    فلا أحسبه سيُسْكِرُها بحال من الأحوال

    ولو على طريقة نجاة الصغيرة.. وعيون القلب
    “لمَّا يسلم عليّا.. ولاَّ يقولي كلام..؟
    عايزة ورا كل كلمة .. أقوله يا سلام”

    ربما كان عليها أن تأسف على هفوة أو خطأ..؟
    لكن لا يجوز لها ولا يجب مطلقا
    أن تتلهف أو تخجل من “الخطأ”
    ما دام الله وحده المنزه عن الزلل والأخطاء

    فهناك يا عزيزتي من يعيب حتى على المتنبي
    أخطاء ارتكبها
    وعلى شهربان أن تتحمل من ينتقدها
    ما دام (يحبها) ويطري جمال الكحل في عينيها..!

    كيف لا وهي سيدة وأم رائعة وكاتبة
    لمّاحة تنام وتصحو على مرآة حروفها

    هل رأيتِ ما تقوله ميسون المبدعة..؟
    وهي تعبر بفرنسية رائعة قلَّ نظيرها..؟
    فلا تشعر بالإساءة ولا يغضبها من ينتقدها
    ويصحح لها هفواتها بالعربي.. طبعا.
    بل وينال أجره مضاعفا من شكرها

    أما النسرين فزهر عطري من فصيلة الورد
    المعروف من منشئه ب Rosa canina
    ويستخدم سياجا للحقول والكروم عندنا
    وتتألف أزهاره من خمس ورقات بيضاء مشربة
    بحمرة خفيفة ورائحة زكية تنتشر مع النسيم إلى البعيد

    فلو قلت النسرين.. لا يفوح عطره أو شذاه
    أو أريجه، أو طيبه لأتى التعبير أدق وأوفى
    (وشذا) النسرين… لا يستدعى ألفا مقصورة

    فالشذا هي الريح الطيبة خلافا (للشذى) المقصورة
    التي تعني الرائحة الكريهة.. كما تعني الأذى والشر
    الشذى بالألف المقصورة جمع شذَاةُ.. وهي الذبابة

    وأشهد للحق أنني كنت أستخدم (شذى) على نحو غلط
    حتى أتى من يكرمني ويصححها لي.. منذ وقت قريب

    أما اللحظة..؟ فأطول من الومضة
    وعليه كان ربما الأفضل
    أن تستبدلي موقع هاتين المفردتين

    ولو سمحت لي أن أتدخل في تعديل
    بعض الصياغات..؟ لقلت:

    الأزهار تنمو وتبرعم في ربيع القلب مع النسيم
    تستلقي تحت عين الشمس فلا تأبه لحر الصيف
    ولا تؤرقها نهاية عمرها القصير
    عندما تتداعى وترحل في الخريف

    “إن أردتَ السرَّ ؟ فاسأل عنه أزهار الخميلة
    عمرها يوم…. وتحيا اليوم…. حتى منتهاه”.

    ثم يأتي ثلج كانون بقسوة صقيعه
    ويحفز رشيمها للولادة من جديد!..

    كلنا ولدنا من التراب (وإليّه) نعود..!؟
    لو كانت الأرض هي المقصودة..؟
    لما سلم التعبير من التباس المعنى

    من أغلق معابر النور (إلى) قلوبنا..؟

    هناك من لا يجمع مفردة حرب إلى حروب
    فكيف يجوز أن تتحول إلى حروبات…!؟

    تعالوا نأخذ (بأيديهم)

    مهما يكن الأمر فشهربان سيدة فاضلة
    وصديقة عزيزة وكاتبة لماحة
    وأبنة أصل كريم
    تعود جذوره إلى جبالنا.. وتراب أرضنا

    الرد
  7. شهربان معدي

    “وعرفت فيك أنك كلما غبت عن عيني.. في روحي أكثر كنت حضورًا..”
    الرافعي.
    وأنت دائمّا في البال أستاذي..
    طالما روحك النبيلة ترفرف في موقع السنابل الكريم..
    ونسغ قلمك الأخضر يحرث ويبذر ويزرع ويروي ويشذّب
    ليحصد طيب الثمار..
    “وإعلم أن كل شجرة، وكل وردة تحدثك وتقول لك:
    كل ما تزرعه تحصده؛ فلا تزرع سوى الحب”

    وإن شاء الله لن يفسد عمي أبو ملحم علاقتنا المتينة
    المبنية على الود والإحترام والنقد الموضوعيّ البنّاء..
    وكم أعتز بزميلتي ميسون بوطيش المبدعة الراقية الجريئة.
    وأعتز أكثر بتصويبك نصوصنا وتفاعلك معها..
    “فضلك على راسنا من فوق”

    وكما يشرفني أن أنتمي لهذه الجذور المتينة..
    ولهذا التراب الغالي..
    المجبول بالأصالة والخير الوفير..
    شكرًا لعطر مرورك أستاذي ابراهيم
    ولموقع السنابل الراقي
    الذي يحتضن كل أحلامنا وأفكارنا وهفواتنا وتعقيباتنا.

    الرد
  8. مهند النابلسي

    روعة وصفية آخاذة تحفل بالمغزى والحكم البليغة مع تعليقات لافتة تفاعلية تضيف قيمة ومتعة للنص الأصلي…

    الرد
  9. شهربان معدي

    عمت صباحًا أستاذ مهند..
    اليوم نودع آخر أيام الزيتون المباركة..
    نودع الكروم الخضراء..
    ورائحة الأرض المضمخة بعطر السماء..
    لنستقبل سنة جديدة..
    سنة خير وبركة أتمناها لحضرتك ولكل إخوتي القرُاء..
    وكل الكلمات تعجز عن شكرك..
    لطالما لفحت نصوصنا بعطر كلماتك الجميلة.
    وأنرت عقولنا بمقالاتك الراقية الهادفة؛ النادرة، التي تروي الفكر وتوسع الآفاق، وتشرف على الآداب العالمية العظيمة، وهذا الهدف من مقالتي المتواضعة التي تدعو إلى الخروج من الصندوق؛ والتواصل مع الآخر ومع الأدب العالميُ الخالد.
    علُنا نحظى بأجيال جديدة، ناهضة واعية، في ظل ظواهر العنف والتنمًر والفاقة والجهل التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية عامة.
    شكرًا لحضرتك أستاذي.
    أتمنى لك دوام والصحة والعافية، ووافر العطاء.

    الرد
  10. محمود إدلبي - لبنان

    صباح القلم الحزين
    حقيقة نحن كلنا شوق الى الزهور ورائحة الياسمين والزنبق
    صحيح من التراب جئنا
    والغريب لا أحد أو القلة يفكر بأننا الى التراب عائدون
    تحياتي لحروفك
    محمود إدلبي- لبنان

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أبلغني عبر البريد عند كتابة تعليقات جديدة.