أيْنَ ريشُ الخَفَّاشْ..؟

بواسطة | 11 نوفمبر 2017 | قصص قصيرة | 4 تعليقات

 

كانَ المَلِكَ المطلق، عاشَ مَجْداً خَضَعَتْ له الدُّنيا بأسرها. بسطَ مملكتَه على أرضٍ ضاقتْ بها، فأقامَ الأمن فيها وحكمَ بين الرَّعيَّة بالعدل واالقِسطاس. ثم سخَّرَ اللهُ لهُ من عليها من الإنسِ والجان؛ يُحَدِّثُ الطّيرَ فتنصت له، والريحُ ينفخُ فيها فَتَهْدأ وتعصف متى يشاء.

 توَّجَ للهُدْهُدِ رأسَهُ ولوَّنَ ريشَه.. زوَّدهُ بما يُدْهِشُ قلبَ المرأة ويسبي عقلها؛ وأطلقَهُ يتجَسَّسُ على ملكةِ اليَمَن. بعدما أعدَّ لعرشِها بساطَ الرِّيح لكي يحملَها إليه؛ وأقامَ من أجلها مساكبَ الوردِ وحدائقَ النُّور؛ فاستقدمَ لها الذَّهَبَ من “تَرْشيش”، وبنى من أجلِها قصراً مِنَ الفِضّةِ والياقوت.. أبوابُهُ الألف؛ من خَشَبِ الأرْزِ، وجدرانُهُ من البلّورِ والفيروز.. وأوعزَ إلى خدَمِهِ من الإنسِ والجان، فأحضروها إليهِ بسرعة النور، قبلَ أن  يرتدَّ طرفُهُ إلى عينيهِ..؟    

جفاها النومُ على فراشٍ وثير؛ عَقَرَتْ جنبَها حبَّةُ خَرْدَلٍ تحتَ الفراش. أرِقِتْ في الليلةِ الأولى بعيداً من ديارٍ تَعَوَّدَتْ فيها الحياة، ولم تُجْدِها المُسَكِّناتُ من مستحضراتِ الزيزفون والبَيْلَسَانِ، ومختلف أصناف الأعشاب، فتقلَّبتْ على فراشٍ كأنَّهُ صُنِعَ من شوكٍ أو صخور..؟ وحينَما أدركَها الصباح، دَفَعَتْ عن نفسها ما لاقَتْهُ في ليلِها مِن الملل والوَهَن والسهر الطويل، وأصدرتْ أمرَها للمَلِك، كي يجمعَ لها رعاياهُ مِنَ الطيْر.. فامْتَثَلَ الملِكُ للأمر.. وراحَ المنادي يدعو الطيرَ لاجتماعٍ طارىء.. كي يُعِدُّوا للملكةِ فراشاً ووسادةً من الرِّيش.  

كانَ الخفّاشُ أوَّلَ الواصلين، فهو في عجلةٍ من أمرِه، وعليهِ أن يعودَ بسرعةٍ كما جاء.. والمَلِكُ لَمْ يُخْلِ سبيلَهُ قبلَ أن يكتملَ النِّصاب.. طالَ الانتظار، وراحَ الخفّاشُ يتململُ مُسْتَنْفَرَ الحال، حانِقاً على الآخرين لبلادتِهم، وتأخّرِهم عن الحضور في الميعاد. استبدَّ به الغضبُ وَرَكِبَهُ الغباء، فقالَ للمَلِك بلا وَعْي ولا إدراك: هاكَ رِيشي وَدَعْني في سبيلي..! هكذا في ومضةِ عَيْن تنازلَ الخفّاشُ عمَّا يكسو جناحَيهِ مِنَ الرِّيش.. ليكونَ فراشاً لبلقيس..

بدأتْ تتوافدُ الطيور، حينما رحلَ الخفّاش؛ طارَ بجناحينِ عاريين، وجسدٍ مترهِّلٍ مَنْتوف؛ خالٍ تماماً من الرِّيش. اخْتَلَّ توازنهُ وخانتْهُ قدرتهُ على التحليق.. فلم يكدْ يتجاوزُ فناءَ القصر حتى صَدَمَ رأسهُ سورَ الحديقة، فأصابَ العَمَى عينيه.. ومِنْ يومِها؛ والخفّاشُ يَبْذلُ جهداً في التحليق بلا رؤيةٍ ولا ريش.. لكنّهُ تعلَّمَ وهو الضرير، كيف يطيرُ بأمانٍ في الظلام، يتجاوزُ الحواجزَ والأسوار.

كانتِ الطيرُ توافدتْ واكتملَ النصاب.. وحدهُ الهدهدُ صاحب الحظوة؛ صفيُّ الملكةِ وسميرُها؛ غابَ عنِ الاجتماع. لم تكدْ تُعْقدُ الجلسةُ، حتى انتحتِ البومةُ بالمَلِك، تطلبُ لِقَوْلِها منهُ الأمان.. ثمَّ أسَرِّتْ إليهِ تساوِمُهُ ليحفظَ ريشَها..؟ قالتْ له: دَعْكَ مِن ريشي.. فنُصحي سيُجديكَ أكثر..!؟

وحينَ استجابَ الملكُ لرغبتِها؛ سألتْهُ تقول: أيُّهما الأطول؛ النهارُ أمِ الّليل..؟ حارَ المَلِكُ بماذا يُجيب..!؟ لكنّهُ قالَ لها: لعلهُما متساويان..؟ قالتْ لهُ: بلِ النّهارُ هو الأطول..! قالَ لها وما الدَّليل..؟ فتبسَّمتْ وسألتْهُ: أليسَ النُّورُ ما يُمَيِّزُ النهارَ مِنَ الّليل..؟ قالَ نعم، فقالتْ: على هذا فالليالي المُقمرة تنتسبُ إلى النهار، وهكذا تكونُ النهاراتُ هيَ الأطول..! وما الحكمةُ أن يتطاولَ الّليلُ على النهار..؟ سأَلها المَلِك.. وَرَدَّتْ عليهِ تقول: إنَّها يا سيِّدي فرصةُ البوم.. لكي لا يلتقي بالبشر، فوُجوهُ بعضِهم تقطعُ الأرزاق، تُبشرُ بالشؤم أو تُنْذِرُ بالحرب..! لا أحبُّ هؤلاءِ المغرورين الحاقدين، فالبُوم لم يجنِ ذنباً يُحاسب عليه..!!

رَقَّ المَلِكُ لحالِها، ولم يقتنعِ من جدوى الحكمةِ الأولى..! لكنَّهُ مَوْلاها؛ ولا يُخْلفُ ما وَعَد..! فَسَألها وما الحِكمةُ الثانية..؟ قالتْ لهُ: أيُّهُما الأكثر الرجالُ أمِ النساء..؟ احتارَ مرَّةً أُخرى بماذا يُجيب..!؟ لكنّهُ قالَ لها: يتراءى لي إنّهما متساويان..؟ قالتْ لهُ: لا بلِ النساءُ الأكثر..!؟ فَسَألها وما البرهان..؟ قالتْ: أليسَ مِنَ الرِّجالِ مَنْ يَنْصاعُ لما تأمرُهُ النساء..!؟ تفكَّرَ الملكُ قليلاً، أحَسَّ بالحَرَج وفَطِنَ إلى دِقَّةِ السؤال، لكنَّهُ قالَ بلى.. قالها مغلوباً على أمرِه، كمن سقطتْ حجَّتُه وأفْلَتَ الأمرُ مِن يدِهِ..! فقالتْ: وهؤلاء الرجال.. محسوبون في خانةِ النّساء؛..! وعليه صارتِ النساءُ أكثر..   

حَكَّ الملكُ رأسَه وأمعَنَ فكرَه، فأدركَ معنى الخطاب، وما ترمي إليهِ البومةُ مِنَ التلميحْ.. أعجبتْهُ حنكتُها في التخلصِ من المأزق، وتجاوَزَ ما قالتْهُ في الإشارةِ إلى خشيَتِهِ أمامَ بلقيس.. فعفا عنها؛ وأطلقَ سراحَ المجتمعين، كُرْمى لعينيها الجميلتين..! ومِنْ يومِها؛ استعادَ الملكُ هيْبَتَهُ، وعاشَ أبو المَكارِمِ الخفاش مَنْتوفاً من الريش، وصارتِ البومةُ “المشؤومة” صاحبة الحكمةِ؛ وأمّ الفضل.. فلولاها لأضْحَتِ الطيرُ عارية كما الخفَّاش..! والبّشّر ما زالوا على جهالتِهم، وسوءِ طوِيَّتِهم..! فلم يُنْصِفوا بَعْدَ دَهْرٍ من التشهير، والسمعةِ المُسْتَباحة؛ خاطرَ البُومةِ المظلومة.

 

كاتب لبناني

4 تعليقات

  1. إيناس ثابت

    (أين ريش الخفاش؟) ..قصة تحملنا إلى الأساطير القديمة والحكايات العربية الخيالية الموروثة كألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة،كتبت بحكمة عربية وخيال خصب ولغة رصينة وسرد سلس.

    القصة موجهة للكبار والأطفال على السواء. تمكنت فيها من تمرير الهدف إلينا بأسلوب ممتع مشوق، وإثارة خيال الطفل وتنميته وتبسيط المعلومة إليه لتبقى عالقة في ذهنه.

    أمتعتنا يامعلمي..فلا تبخل علينا بالمزيد.

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      أنت لمّاحة يا إيناس وصاحبة مخيلة خصبة، وفضل لم ينقطع أو يتوقف ولو مرة واحدة- كلما ساعدتني في نشر وتدقيق نصوصي -لتأتي (خالية) من الأخطاء والهفوات وسوء الطباعة. إن أعجبك النص وحظيَ باهتمامك فعلا..؟ فقد بلغ غايته ونلت أجري مضاعفا.

      أحببت الكاف في “الكنز” يطرب لها السمع وتتحول “شنز”، والقاف المعطشة في “القمر” ترق وتتحول إلى “غمر” بأفواه أهل اليمن. أنت كنزي وقمري يا إيناس… شكرا على بهاء حضورك ومحبتك واهتمامك وعنايتك وكل أفضالك على فكري وقلبي.

      الرد
  2. عبدالجليل لعميري

    سرد جميل غني بالكثافة الرمزية وتوظيف التراث والموروث السردي القديم واستعمال الخيال الخارق لبناء الدلالة…انها حكاية عجيبة تحفر في سلوك البشر وتعريه….محبتي استاذي المبدع…

    الرد
    • إبراهيم يوسف

      إن كان بعض الفضل يعود للحكاية؟
      فأكثر الفضل لمن.. أحسن الاستماع

      خالص مودتي وأمنياتي.. كن دوما بخير

      الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.