أحمد وكوهين

بواسطة | 11 يوليو 2018 | قصص قصيرة | 6 تعليقات

هناك خلف بلاد الوهم وأحلام الخيال، تقوم قلعة شاهقة البنيان، متينة الجدران عالية الأسوار والأبراج؛ مبنيةٌ منذ الأزل على شفا جرف مخيف. ترتفع في أعلى القلعة منارة عالية، كأنّها عمود من أعمدة السماء. درج لولبي يبدأ من باب المنارة الكبير، في أسفلها، وينتهي بقبّة هائلة  في أعلاها. تحيط بالقلعة تلال ووديان وسهول تكتنفها حقول مزهرة بالأقحوان وشقائق النعمان. قطعان من الماشية ترعى في هذه الحقول، وطيور من مختلف الأنواع تحلّق في سماءها غير آبهةٍ بشيء. نرى من فوق القلعة بساتين خضراء، محمّلة بأنواع الأثمار والفواكه، تغرّد في أرجاءها البلابل والحساسين، ويتنقل على أغصان أشجارها الدوري والشحرور بأمنٍ وسلام. وعلى حدود هذه البساتين ،  نشاهد حدائق غنّاء، تنساب من تحتها الجداول الرقراقة والسواقي العذبة بغنجٍ ودلال.

حين وجدت نفسي سجيناً في هذه القلعة الرهيبة، وعلى حدود أسوارها أرض تذكّرني بلبنان، كما كان أيام الطفولة، كانت بصحبتي حبيبتي النورانية آيلين، وهي امرأة  رائعة الجمال، تتحرّك وكأنّها من أجمل الفراشات الرقيقة الشفّافة؛ لا أدري أخلقت من الأثير والنور، أم أنها أتت من شذي العطور وروائح البخور؟. والله لا أعلم منذ متى وهي ترافقني..؟ تتهادى إلى جنبي، تجوبُ المكان معي في كلّ ناحية وصوب، تؤانسني وتلاطفني وتترفّق بي ولا تفارقني أبداً.

لم نكن أنا وحبيبتي وحدنا في القلعة؛ بل كان معنا عدد من الرجال والنساء من مختلف البلدان والجنسيّات. من بينهم جميعا لفتني رجلٌ مشرقي الملامح في العقد الثالث من عمره، اسمه كوهين، يهودي الأصل والفصل. وكوهين هذا يشبهني إلى حد بعيد، في ملامح وجهه، ونبرات صوته، وحركات يديه وعينيه، ويشبهني أيضا في مشيتي. كنت لا أتحمل رؤيته أو سماعه، وأشعر بالنقمة مرة، من منظره الذي يشبهني، وبالخيبة والعار مراراً وتكراراَ. ليس هذا فحسب ولكن رعنانا: وهي فتاة حسناء من اللواتي يرافقن كوهين، ترمقني بين الحين والآخر بعينيها الكحيلتين الساحرتين؛ وكلّما التقت نظراتنا، كنت أتسمر في مكاني مأخوذاً مشدوهاً، تحدوني رغبة جامحة لغرقٍ أبديّ في جمالها الشرقي القاتل. كانت رعنانا ساحرة الجسد تضج بفتنة لا يماثلها إلاّ طيب وصفاء أزهار الليمون في البساتين الساحلية الممتدة  من صيدا إلى بيروت . كانت شفتاها أشهى من عسل الجرود وأكثر إغراءَ من التفاحة التي أغوت أبينا آدم وأمنا وحواء. فصدرها الناهد وصفاء جسدها الأبيض كحليب اللوز يَبِزُّ نقاء البلور في عيون المتقين من عباد الله. فكيف يصحُّ لعربيٍّ بسيطٍ مثلي أن يحظى بامرأة مثل رعنانا تستحق، لأجل حسنها ودلالها، أن تتصارع الأبطال وتُشنّ الحروب؟

بعدما تململ الجميع من الإقامة الجبرية، المُمِلّة والمؤلمة، في قلعة العذاب المقفلة هذه، تحولنا للبحث عن مخرجٍ للخلاص، تداعينا إلى اجتماعٍ عقدناه فوق سطحٍ القلعة، في ليلةٍ صافية الأديم، إلا من كوكبٍ أسطوريٍ منيرٍ، لنتداول في أمرنا وما نعانيه في هذا السجن الرهيب. وما أن جلست متربعاً مستنداً إلى حجرٍ أملس من سور القلعة، وإلى جانبي حبيبتي التي لا تفارقني آيلين، حتى أتتني نسيمة عطرٍ فاخرٍ ممّا تنتجه بلاد عُمان؛ ويا لدهشتي وارتباكي حين وجدت رعنانا جالسة عن يميني وهي صاحبة هذا العطر الرائع.

ابتدأ الاجتماع  وكان كوهين ممن تكلموا أولاً،  فأدلى بوجهة نظره وقناعته بكثير من التروي والتأنّي والهدوء. كان خطابه يلامس العقل والمنطق، لكنه يجافي العواطف وإلهام القلب والوجدان. ولكوهين أنصاره الذين يدافعون عن أفكاره وآرائه ممن أيّدوه وصفقوا له طويلا، فلم يدلِ أحدٌ غيري بأفكارٍ وآراء مناقضة أو مخالفة لما أبداه كوهين.

كانت رعنانا تتكلّم وتناقش كثيراً أثناء الندوة مدافعةً عن أفكار كوهين، ولكنها كانت تتابعني بنظراتها، وتدعوني بلطف لموافقتها الرأي، وتعود فتقترب منّي، وتلامس جسمي وكأنها تتحرش بي، لست أدري كيف تسللت يدي ولامست يدها، فأمسكت هذه الفاتنة بيدي على الفور، وشدّت عليها قليلاً مما أثارني ودفع الدم الحار إلى رأسي، فأخذت أتصبب عرقاً وأنا في غاية الحرج والارتباك.

قال كوهين إنه كان قد قرأ في كتب أجداده القدامى، عن وجود نفقٍ في أسفل القلعة، يمكن من خلاله العبور إلى أرض الجوار، وما فيها من الطيبات. أمّا أنا فـأكدت لهم، أنه يوجد في أعلى المنارة نفقٌ “كالدهليز” يمتد أفقيا مستقيماً في السماء، يؤدي في النهاية إلى بؤرة نور بيضاء، والخلاص الحقيقي يكون بالوصول الى بؤرة النور هذه . وهكذا كان لا بدّ، من أجل الخلاص النهائي، من صعود درج المنارة اللولبي الطويل حتى  بلوغ أعلاها ولا بد من دخول النفق الأعلى والسير في داخله، حيث يؤدي بنا المسير إلى النور والخلاص.

قبيل نهاية الاجتماع، عادت رعنانا تتودّد إلي، وتعدني بحبّها لي، وتدعوني بصوتها العذب الشجيّ لمرافقتها، والنزول معها إلى أسفل القلعة. كنت أستمع إليها وعينيَّ لا تفارق ثغرها الأقحواني وشفتيها الكرزيتين حتى كادت أن توقعني بشباك مكرها وفتنتها؛ وتجعلني أرغب بها وأرضى بالانحدار معها ولو إلى جهنّم. تملّكتني الحيرة، وتزايدت دقات قلبي حتى خلتني سأنفجر في هذا الجمع المسالم؛ ولكن حبيبتي النورانية آيلين لم تدعني وشأني، فاقتربت مني وعملت بحنانها وكلامها الرقيق على تبديد حيرتي وتهدئتي، وظلّت تفعل كذلك، حتى سكن روعي، وتمالكتُ نفسي من جديد، فانتحيت معها بعيداً عن الجمع أنظر ما يجري وما يدور على سطح هذه القلعة اللعينة.

ابتعد كوهين وجماعته عنّا، ووصلوا الى مقربةٍ من أحد الأبراج حيث تحلّقوا يتداولون في أمرهم. لكنهم سرعان ما اندفعوا  في نزول درج القلعة الكبير. وعلمت أنّهم، بعد تعثر وبحث مستفيض، قد اهتدوا الى المنفذ المطلوب، باب سرداب خلاصهم الموعود، فدخلوه فرحين مستبشرين. دخلوا السرداب وساروا فيه واستمروا بالتقدّم في منعرجاته حتّى وصلوا إلى قاعةً كبرى عاليةُ السقفِ، تتوزّع على حيطانها وفي سائر أرجاءها، آلات مختلفة الأحجام والأنواع والأشكال؛ لكنها مخصصة جميعها لمختلف أنواع التعذيب وصنوفه. كان إبليس اللعين سيّد هذه القاعة المرعبة، يشرف بنفسه على أوجاع المُدانين، ويساعده في مهامه جمعٌ من عتاة الزبانية. هكذا وقع كوهين وأتباعه في حبائل إبليس، وتعرّضوا للعذاب الأبدي على يديه.

أمّا أنا وحبيبتي آيلين، ومن معنا من الرفاق، فقد بدأنا رحلة الصعود المتعِبة على درج المنارة اللولبي الطويل؛ هذا الدرج الذي لم ندرك نهايته إلاَّ بعد تعب وجهدٍ جهيد. وصلنا إلى مدخل النفق المنشود، حيث تراءى لنا الخلاص في نقطة ضوءٍ بعيدة. كانت جدران النفق وسقفه مبنية من الرمل الأصفر الداكن المرصوص الذي يشبه لون تلك الحجارة الرملية الهشة، التي استعملها البيروتيون القدامى في بناء مساكنهم. أمّا أرض النفق فكانت أشبه بطريق معبّدة ملساء، ترتسم أمامنا مسطّحة مستقيمة لا انحراف فيها ولا انخفاض أو ارتفاع.

كنت أجدّ السير وإلى جانبي آيلين، يحدونا الأمل بالوصول إلى نقطة النور. لكننا تعجبنا من حركة النور في آخر النفق؟ فكلّما تقدّمنا خطوةً الى الأمام باتجاه النقطة..! وجدناها تبتعد. ومع ذلك تابعنا سيرنا حتّى تيقّنا، أنّنا كلّما تقدمنا خطوات قليلة باتجاه النور، كلما ابتعد النور عنا بنفس المقدار. تَعِبَ قلبي وضاقَ صدري من هذا التوغّل العبثي اللعين، فعدت أدراجي مع حبيبتي آيلين ومن معنا مُتَقَهْقِرينَ الى أولِ النفقِ مُحْبَطينَ يائسين من سوء المصير.

كان حائط المنارة مبنياً من حجارةٍ كبيرة ، شبيهة بآثار مدينة آفاميا السورية الباقية من العصور القديمة؛ رحت أضرب رأسي بواحد منها، ضرباً شديداَ، وأنا أتوسل الموت الأبدي خلاصا من عذاب “سيزيف”، ولا أرجو قيامة أو عودة بعد هذا الممات. في هذه اللحظة بالذات، ويا لدهشتي العظيمة، ظهر لي كوهين بسحنته المشرقية وبنسيج بذلته البنيّة، الذي يشبه نسيج بذلتي، وهو يتعرّض لشتى أنواع العذاب؛ وينكشف لي وجهه الحقيقي، وأعلم علم اليقين، أنّه شقيقي ابن أمي وأبي. وهنا ازدادت حيرتي واشتدّ قلقي وهمّي وغمّي، ولا زلت أجوب القلعة هائماً على وجهي، أبحث عن درب الخلاص، وآيلين الحبيبة ما زالت ترافقني تخففُ من آلامي ومن وحشة غربتي.

[ratings]

ahchebib@gmail.com أستاذ رياضيات في الجامعة اللبنانية، (متقاعد).

6 تعليقات

  1. دينا تلحمي

    الدكتور المبدع أحمد شبيب

    أحمد وكوهين
    إيلين ورعنانا
    أسماؤهم
    وصفاتهم
    وعقدهم الإجتماع
    للبحث عن كيفية الخلاص

    والنفق في أسفل القلعة ونتيجة السير فيه
    والوصول إلى الشيطان
    والدهليز الذي يؤدي إلى بؤرة النور
    وحلقة النور في النفق والتقهقر
    والعودة لظهور كوهين بنفس صورة أحمد

    والعودة للبحث عن الخلاص

    هل هي رموز إزاء “اليهود”..؟

    وواقع العرب مع بعضهم البعض..؟

    وخيبته في النهاية..!!
    بشقيقه.. من أمه وأبيه

    الرد
  2. أحمد شبيب الحاج دياب

    سيدة البنفسج الغالية دينا تلحمي
    أشكرك على البدء بتعبير هذه الرؤيا
    الأسماء:
    أحمد: العربي المتمسّك بروحانية عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله، عليهما السلام.
    وأحمد هو السالك نحو صفاء القلب ونور وجه الحبيب.
    كوهين: اليهودي المتمسّك بالعقل والمنطق والمسلّح بأصناف المكر وبحيلٍ تعلّمها من “أنبياء” التوراة في عهدهم القديم.
    وآيلين: الرفيقة الحبيبة التي تكوّنت من نور المحبة
    ورعنانا هذه الحسناء الرعناء حمراء الشعر
    لا تؤمن إلا بالتلمود وما في الجسد من الشهوات.
    أمّا باقي القصّة فهي في وصف دربنا الروحاني وعبثيّته
    ودربهم المادي العقلاني الذي يؤدّي، كما نراه نحن، إلى الجحيم.
    فجميع دروبنا لا توصلنا إلى الخلاص الموعود.
    ولا بدّ لي من الموت النهائي الذي هو الفناء المطلق.
    نعم كوهين عدوّي وهو أخي شئت أم أبيت.
    وأخي بن أمّي وأبي هو كوهين وهو حقاً عدوّي.
    الرؤيا ملتبسة وستبقى هكذا.
    أحمد-شبيب

    الرد
  3. إبراهيم يوسف

    حبيب قلبي د. أحمد

    التهمتُ لوحَ شوكولا بكامله، وكنتُ لا زلتُ في بداية حكايتِك مع كوهين اللعين، فتوهمتُ الحكاية مقتبَسة أو مُعدَّةً للسينما..!؟ وشعرتُ بالعجب كيف انتقلتْ إليك عدوى الأسلوب..!؟ من مهنَّد في السينما، وفي الخيال من رومنسيةِ وأحلامِ إيناس!؟ ولا أكتمكُ أنني شعرتُ بالنقمةِ والاستفزاز وأنا أمرُّ على بعض الإشارت. حينما تسللتْ يدُكَ “المكسورة لا سمح الله” ولامستْ يدَها..! فلم تتجاوز الشريط الشائك.. إلى مُسْتَوْدَعِ الأسرار والأرضِ الحرام.

    تباركتْ عمامتُك يا مولانا الشيخ تاجاً على رؤوس الجميع. واللعنة على الشيطان كيف يستدرجني ويورطني في المجازفة وطول اللسان، بسبب رخاوة المشايخ أمام اللحم “والنسوان”..! أليست المفردة في محلِّها المناسب الآن..!؟ هكذا عصفت برأسي الصغير وعقلي القليل مختلف الدواهي.. وأسباب البلاء، وأنا أرى إعلانا على رأس عمود بالقرب مني؛ كعبه مغروس في الأرض بجواري، وطرفه الآخر تكاد العين لا تدركه على حدود السماء. فلم يسعفني نظري القصير لأكتشف ما يقوله الإعلان..؟

    تعرَّق جسمي وبذلت جهدا جبارا، وأنا أعربش لاهثاً على العمود المرتفع تحت عين الشمس. وتحمَّلتُ بفعل التَّسلق رائحة الأمونياك، تنبعث حادة مما رشح من عَرَقي ليزكم أنفي، ونسيت في محنتي فوائد الأمونيا لتنظيف الصوف ولدغ الحشرات. كنت أتسلق مكشوف الرأس موهن الجسم دامي القدمين مقطوع الأنفاس. وحينما بلغت نهاية الكابوس..؟ قرأت الإعلان بغيظ شديد عليك وعلى أخيك من أمك وأبيك. هذا أخي كوهين..!! “وهنا ينتهي طرف العمود”..!!

    تلك هي حكاية الفأر تمخض عنه جبل صنين العالي الأشم، حيث تنام عند أقدامه شمس الجبل..! وهذه خيبتي وحدي وليست خيبتك في الإعلان أو شح النظر على الإطلاق. أنت من بعدي يا صديقي أمينٌ على أولادي “وأموالي”. سأكتبُ وصيتي بهذا المعنى وأتركها بين يديك. أنا أحبك من أعماق قلبي، فأنت تعرف يا شيخ أحمد والشيخ راضي يعرف أيضا، ويشهد على سلامة نيتي وعلى حبِّي ومودتي وصداقتي لك دون سوالك من خلق الله.

    ويبقى القول يا مولانا الشيخ: “حرام وينْ راحتْ حبيبة قلبك دينا”..!!؟ دينا لا زالت تتعلق بالقشة، وتراهن على العرب..! تَبَّاً للعرب في كل زمان ومكان.. “حرام على دينا شو مسكيني ومْعَتَّرة”..؟ “عاجَ الشّقيُّ على رسمٍ يسائلُه*** وعجتُ أسألُ عن كرخانةِ العربِ/ فلا جفَّ دمع من يبكي على حجرٍ** ولا صفا قلب من يبكي على نُوَبِ”. أتوسل إليك يا سيِّدتي أن تتحمليني وتسامحيني، على عدم لياقتي وقلة ذوقي.. ووضاعتي معك.

    الرد
  4. إيناس ثابت

    د. أحمد دياب

    “دقيت الخشب وصليت على النبي”..
    نافذتك تطل على ربيع أخضر لا يذبل،
    تترك للفضوليين منا التسلل والمشاهدة من خلالها ومراقبة وقراءة أزهار أفكارك..

    أعجبتني فكرة النص والرمزية فيه والوصف الدقيق للمكان وسرد الأحداث بسلاسة. ..

    فإذا كانت الجنة والنار من أصل واحد”العذوبة”؟
    فأحمد وكوهين كذلك..
    وكلنا عيال الله كما يقول السيد المسيح..
    ومتى تحطمت حدود العقائد والهوية والكراهية
    حلقت روحنا الإنسانية الواحدة وجوهرنا الواحد
    ولن نجد سوى الله..

     أنا و أنت” جعلت الإنسانَ اثنين، ومن دون “أنا وأنت”، تصير أنت أنا و أنا أنت”..
    قالها مولانا جلال الدين الرومي
    وأنت مولى الحب والإنسانية..
    ومولى حبيبك وصديقك ونديمك في السهر..
    ومولى كل محبيك
    القريب من كل روح
    والذي يعرف جيدا كيف يتغلغل في القلب ويستقر..

    الرد
    • أحمد شبيب الحاج دياب

      الأديبة الرائعة ايناس ثابت
      شكراً لمرورك العطر الجميل، ولكلماتك العذبة الصادقة والمشجعة
      التي نزلت نزول الغيث يروي الأرض العطشى.
      جميعنا، يا صديقتي المحترمة، سجناء هذه القلعة الرهيبة
      التي تعجّ بالحروب والظلم والبغضاء،
      و التي في ثناياها نجد، أيضاً، زهور المحبة وينابيع الخير والعطاء.
      ولكننا نجرى لا مُستَقر لنا:
      نبحث عن درب الخلاص! تتضارب الآراء حوله.
      لأجله يتحاور البشر من خلال لغاتهم وأساليبهم المختلفة في التعبير؛
      فأمّا الشاكرون فطريقهم التسامي في معراج الروح،
      والسلوك نحو الحق المطلق، والحب الغامر،
      مع ايمانهم بالوصول المستحيل؛
      فكلّما ازدادوا قرباً وسعادةً وجدوا أنفسهم أكثر بعداً وغربة.
      وآخرون طريقهم نحو العالم السفلي.

      ما قدّمتُ تأويل أولي، أمّا الثاني:
      فأراه وصفاً لمسار حياتنا ودروبنا المختارة في هذه الحياة.
      فطريق أحمد مرسوم بتكوينه الأولي، بثقافته وتربيته الأساسية، وكذلك طريق كوهين. ماذا لو تبادلنا الأهل بين أحمد وكوهين فاختلفت التربية والثقافة؟
      أردد معكِ القول:
      ” وكلنا عيال الله كما يقول السيد المسيح..
      ومتى تحطمت حدود العقائد والهوية والكراهية
      حلقت روحنا الإنسانية الواحدة وجوهرنا الواحد
      ولن نجد سوى الله”
      وأنا، يا صديقتي الغالية، سأتابع البحث عن معالم درب مولانا جلال الدين الرومي،
      وأكمل باقي رحلتي تاركاً قلعة الحياة، هذه، الرهيبة والرائعة في آنٍ معاً.

      الرد
  5. إبراهيم يوسف

    ماء الشرب من فالوغا
    وقمح الخبز من حوران
    وماء الزهر من مغدوشة
    والشوكولا من بلجيكا وسويسرا
    والورد البلدي من ضهر المغارة
    والعسل من أعلى قمة في صنين

    والعوافي والهناء
    على روحك الطاهرة وقلبك الطيب الكريم
    وطول العمر لك ولجميع ذويك ومحبيك
    وسائر الأصحاب من الحاضرين أو الغائبين
    وعلى رأس القائمة أمير.. وجده الكريم

    وبعد؛ فلا يصح يا صديقي.. بل لم يعد جائزا لك
    أن تتردد أو تتنصل أو تهن أو تتكاسل.. وتتعب
    بعد كل هذه الجولات الرائدة وبلسم القول الشافي

    والكتابة المُقَدَّرة الأنيقة
    تتجاوز قيمتها في قلوبنا
    وعقولنا أهمية الرياضيات
    من عهد… فيتاغورث
    وحتى سهرة الأسبوع الماضي

    “مولاي وروحي في يده
    قد ضيَّعها سلمت.. يدُهُ”
    ما اليد المكسورة يا صديقي..؟
    إلاَّ تحبُّبا ودعوة لقلبك الطاهر
    بالصحة والسلامة
    كقلب دينا وصفاء سريرتها
    وعينيها البنيتين.. الفاتنتين

    وعينيك الثاقبتين
    لا يغيب عنهما الإدراك السليم
    تريان من بعيد حبة الخردل في الظلام

    وهكذا.. فلم يكن ما قلته
    إلاّ كمن يقول لحبيبه
    ألله عليك.. ما ألطفك وأحلاك
    هذا “طبق” من الورد على محياك
    وأنت خير من يعلم ويدري
    أنني أقول غالبا ما لست أعنيه

    وبعد.. فلعلك توافقني الرأي..؟
    أن أعلى مراتب المتعة لا يطالها
    فعل الحلال.. فحسب..؟
    ما دمنا لا نسيء ولا نؤذي
    قريبا قليلا من حدود.. ما ملكت أيمانهم
    وما شرَّعه الله لعباده المتقين الصالحين
    هؤلاء… لا لوم عليهم ولا هم يحزنون

    وما العمامة التي اخترتها لك.. إلاّ وسيلة تعبير
    قاصرة .. للدلالة على مقامك العالي في القلوب
    بعيدا من كونها قطعة قماش
    بالأبيض والأخضر.. أو الأسود الكرار
    هذه العمامة ما انفكت تلاحقك
    في الجزء الثالث والأخير من النص

    والفأر الذي استفزك؟ لا زلتُ مصرا على الإعجاب به
    عندما يتمتع بقدرة هائلة تهزَّ أركان الجبل..!
    لهو خير دليل على بأس الفأر وهشاشة الجبل

    وأما الشيخ راضي أحسن الله إليك وإليه
    فهو موضع ثقة لا ترقى إليها الشكوك
    ولن أعارض ما تراه مناسبا
    وكل ما من شأنه أن يقنعك أو يرضيك
    هو من دواعي فرحي وغبطتي الصادقة
    لو جيَّرتَ له وكالة مطلقة.. بالنيابة عني

    وتبقى يا صديقي.. وحبَّة قلبي
    إشارة مقتضبة إلى الرمزية..؟
    التي لا أتوسلها
    إلاّ محشورا… للتعبير بصعوبة بالغة
    عما يجول في خيالي وفكري

    فأقول ما أريد قوله بالمباشر
    واضحا كالرياضيات أو كالشمس في رابعة النهار
    وإن كان هناك من يُغرق في اللجوء إلى الرمزية
    فإنني لا أفهم والله من يجتهد ويقول شعراً كما يلي:

    “في مطاحن القمح.. والبرسيم
    وجزر الأحلام والليل… الغشيم

    تسير بقدميها العاريتين
    على سجادة من الرمل
    العجمي العريق
    في طريقها إلى المجهول
    بلا دليل أو أنيس

    تدمدم لحن آمالي وآلآمي
    وتعصر آهتي الحرَّى
    من خمر البحر.. أو ملح الكروم

    كمن خسرت عمرها المفجوع
    وذكريات الحرب اللعينة
    من سنوات الحقد والجوع”

    مثل هذه القصيدة.. يا صاحبي
    ينظمها متعدٍ على الكار.. شأني
    حينما يجلس إلى آلة موسيقية
    ويحرك بأصابعه مفاتيح الآلة كيفما اتفق
    والآلة تستجيب لأصابع العازف
    وينتج عنها أصوات تشبه النغم
    لكنها ليست من الألحان في شيء

    ثم تلي القصيدة:
    عبارة حقوق الطبع محفوظة
    ويأتي من (يقيِّم) القصيدة
    فيطربُ لها ويطريها
    ويُزَكِّيها في دراسة مستفيضة
    بعبارات هلامية الشكل والمضمون

    ويؤكد على الملأ خصوبة خيال الشاعر
    ووجيب نبضاته المسموعة
    عبر كلمات القصيدة
    حتى يكاد الشاعر المسكين
    من فرط اعتزازه
    بالقصيدة يصاب بالإغماء أو ذبحة صدرية

    إنني وإن كنت ممن يحترمون هؤلاء الشعراء..؟
    ويحبونهم أيضا ولو أنني لا أفهم غالبا ما يقولون
    ولا يعجبني إبداعهم وخروجهم على.. المألوف

    وهذا شأن مختلف.. لا علاقة له
    بالمودة ولا الحب.. أو الاحترام الأكيد

    أما دينا فدعني أقل لك ما في خاطري
    عن طهارتها في قلبي وفكري
    كصفاء النرجس وعطره
    من الكرمل في فلسطين

    الرد

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.